All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed briefly and numbered, then on to the next.

Al-Ḥujurāt 49:3 Juzʾ 26 Page 515

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Indeed, those who lower their voices before the Messenger of Allah - they are the ones whose hearts Allah has tested for righteousness. For them is forgiveness and great reward.

Read in the muṣḥaf

(p-٤٥١)سُورَةُ الحُجُراتِ

وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ

رَوى ثَوْبانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي مَكانَ الزَّبُورِ المَثانِيَ، وفَضَّلَنِي رَبِّي بِالمُفَصَّلِ.» أمّا السَّبْعُ الطُّوَلُ فَقَدْ ذَكَرْناها ["عِنْدَ قَوْلِهِ"]: (p-٤٥٢)‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحِجْرِ: ٨٧] . وأمّا المُئُونَ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي ما ولِيَ الطُّوَلَ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِالمِئِينَ؛ لِأنَّ كُلَّ سُورَةٍ تَزِيدُ عَلى مِائَةِ آيَةٍ أوْ تُقارِبُها، والمَثانِي: ما ولِيَ المِئِينَ مِنَ السُّوَرِ الَّتِي دُونَ المِائَةِ، كَأنَّ المِئِينَ مَبادٍ، وهَذِهِ مَثانٍ، وأمّا المُفَصَّلُ: فَهو ما يَلِي المَثانِيَ مِن قِصارِ السُّوَرِ، وإنَّما سَمِّيَتْ مُفَصَّلًا لِقِصَرِها وكَثْرَةِ الفُصُولِ فِيها بِسَطْرِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

وَقَدْ ذَكَرَ الماوَرْدِيُّ في أوَّلِ تَفْسِيرِهِ في المُفَصَّلِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ مِن أوَّلِ سُورَةٍ " مُحَمَّد " إلى آخِرِ القُرْآنِ. قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: مِن سُورَةِ [قافْ] إلى آخِرِهِ، حَكاهُ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ. والثّالِثُ: مِنَ [الضُّحى] إلى آخِرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

(p-٤٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنْ رَكْبًا مِن بَنِي تَمِيمٍ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أمِّرِ القَعْقاعَ بْنَ مَعْبِدٍ، وقالَ عُمَرُ: أمِّرِ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي، وقالَ عُمَرُ: ما أرَدْتُ خِلافَكَ، فَتَمارَيا حَتّى ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، فَما كانَ عُمَرُ يَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ] حَتّى يَسْتَفْهِمَهُ،» رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.

والثّانِي: «أنَّ قَوْمًا ذَبَحُوا قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُعِيدُوا الذَّبْحَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» قالَهُ الحَسَنُ.

(p-٤٥٥)والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ في كَذا وكَذا! فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، وقَدَّمَ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: [أنَّها] نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضُّمْرِيِّ، وكانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سَلِيمٍ قَبْلَ أنْ يَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا خِلافَ الكِتابِ والسُّنَّةِ. ورَوى العَوْفِيُّ عَنْهُ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلامِهِ. ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في هَذِهِ الآيَةِ قالَتْ: لا تَصُومُوا قَبْلَ أنْ يَصُومَ نَبِيُّكم. ومَعْنى الآيَةِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ. لا تَعْجَلُوا بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ قَبْلَ أنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ يَفْعَلَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ فُلانٌ يُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ وبَيْنَ يَدَيْ أبِيهِ، أيْ: يَعْجَلُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ دُونَهُ.

فَأمّا "تُقَدِّمُوا" فَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو رَزِينٍ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، ويَعْقُوبُ: بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ. قالَ الفَرّاءُ: (p-٤٥٦)كِلاهُما صَوابٌ، يُقالُ: قَدَّمْتُ، وتَقَدَّمْتُ؛ وقالَ الزَّجّاجُ: كِلاهُما واحِدٌ؛ فَأمّا "بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ" فَهو عِبارَةٌ عَنِ الأمامِ، لِأنَّ ما بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ أمامَهُ؛ فالمَعْنى: لا تَقَدَّمُوا قُدّامَ الأمِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَفَعا أصْواتَهُما فِيما ذَكَرْناهُ آنِفًا في حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ.

والثّانِي: [أنَّها] نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وكانَ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ، فَرُبَّما كانَ إذا تَكَلَّمَ تَأذّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَوْتِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

(p-٤٥٧)قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجَهْرُ بِالصَّوْتِ في المُخاطَبَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: لا تَدْعُوهُ بِاسْمِهِ: يا مُحَمَّدُ، كَما يَدْعُو بَعْضُكم بَعْضًا، ولَكِنْ قُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ويا نَبِيَّ اللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِئَلّا تَحْبَطَ. وقالَ الأخْفَشُ: مَخافَةَ أنْ تَحْبَطَ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وقَدْ قِيلَ مَعْنى الإحْباطِ هاهُنا: نَقْصُ المَنزِلَةِ، لا إسْقاطُ العَمَلِ مَن أصْلِهِ كَما يَسْقُطُ بِالكُفْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَأْلّى أبُو بَكْرٍ أنْ لا يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلّا كَأخِي السِّرارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي بَكْرٍ: "إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ"، والغَضُّ: النَّقْصُ كَما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ [النُّورِ: ٣٠] .

(p-٤٥٨)‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْلَصَها ‏‏‏‏‏‏‏ مِنَ المَعْصِيَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: اخْتَبَرَ قُلُوبَهم فَوَجَدَهم مُخْلِصِينَ، كَما تَقُولُ: قَدِ امْتَحَنْتُ هَذا الذَّهَبَ والفِضَّةَ، أيِ: اخْتَبَرَتَهُما بِأنْ أذَبْتَهُما حَتّى خَلَصا، فَعَلِمْتَ حَقِيقَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَبَرَها بِامْتِحانِهِ إيّاها، فاصْطَفاها وأخْلَصَها لِلتَّقْوى.

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥujurāt 49:3