All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Adh-Dhāriyāt 51:32 Juzʾ 27 Page 522

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals

Read in the muṣḥaf

صفحة ٥
‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلِمَ إبْراهِيمُ مِن مُحاوَرَتِهِمْ فِيما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ وما ورَدَ ذِكْرُهُ في آياتٍ أُخْرى أنَّهم مَلائِكَةٌ مُرْسَلُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَسَألَهم عَنِ الشَّأْنِ الَّذِي أُرْسِلُوا لِأجْلِهِ. وإنَّما سَألَهم بَعْدَ أنْ قَراهم جَرْيًا عَلى سُنَّةِ الضِّيافَةِ أنْ لا يُسْألَ الضَّيْفُ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي أوْرَدَهُ ذَلِكَ المَنزِلَ إلّا بَعْدَ اسْتِعْدادِهِ لِلرَّحِيلِ كَيْلا يَتَوَهَّمَ سَآمَةَ مُضَيِّفِهِ مِن نُزُولِهِ بِهِ، ولِيُعِينَهُ عَلى أمْرِهِ إنْ كانَ مُسْتَطِيعًا، وهم وإنْ كانُوا قَدْ بَشَّرُوهُ بِأمْرٍ عَظِيمٍ؛ إلّا أنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ ذَلِكَ هو قُصارى ما جاءُوا لِأجْلِهِ.
وحُكِيَ فِعْلُ القَوْلِ بِدُونِ عاطِفٍ؛ لِأنَّهُ في مَقاوِلِهِ مُحاوَرَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ ضَيْفِهِ.

والفاءُ فِيما حُكِيَ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ فَصِيحَةٌ مُؤْذِنَةٌ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ ناشِئٍ عَنِ المُحاوَرَةِ الواقِعَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ضَيْفِهِ وهو مِن عَطْفِ كَلامٍ عَلى كَلامِ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ، ويَقَعُ كَثِيرًا في العَطْفِ بِالواوِ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٢٤] وقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ نُوحٍ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشعراء: ١١٢] فَإبْراهِيمُ خاطَبَ المَلائِكَةَ بَلُغَتِهِ ما يُؤَدّى مِثْلُهُ بِفَصِيحِ الكَلامَ العَرَبِيِّ بِعِبارَةِ ”‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏“ .

وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: إذْ كُنْتُمْ مُرْسَلِينَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى فَما خَطْبُكُمُ الَّذِي أُرْسِلْتُمْ مِن أجْلِهِ.

صفحة ٦
وقَدْ عَلِمَ إبْراهِيمُ أنَّ نُزُولَ المَلائِكَةِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ لا تَكُونُ لِمُجَرَّدِ بِشارَتِهِ بِابْنٍ يُولَدُ لَهُ ولِزَوْجِهِ إذْ كانَتِ البِشارَةُ تَحْصُلُ لَهُ بِالوَحْيِ، فَكانَ مِن عِلْمِ النُّبُوءَةِ أنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ لا يَكُونُ إلّا لِخَطْبٍ، قالَ تَعالى (ما تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذَنْ مُنْظَرِينَ) .
والخَطْبُ: الحَدَثُ العَظِيمُ والشَّأْنُ المُهِمُّ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ.

والمَعْنى: ما الخَطْبُ الَّذِي أُرْسِلْتُمْ لِأجْلِهِ إذْ لا تَنْزِلُ المَلائِكَةُ إلّا بِالحَقِّ. وخاطَبَهم بِقَوْلِهِ ”أيُّها المُرْسَلُونَ“؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِفُ ما يُسَمِّيهِمْ بِهِ إلّا وصْفَ أنَّهُمُ المُرْسَلُونَ، والمُرْسَلُونَ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] عَلى أحَدِ تَفْسِيرَيْنِ.

والمُرادُ بِالقَوْمِ المُجْرِمِينَ أهْلُ سَدُومَ وعَمُّورِيَّةَ، وهم قَوْمُ لُوطٍ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهم في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ.

والإرْسالُ الَّذِي في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ مُسْتَعْمَلٌ في الرَّمْيِ مَجازًا كَما يُقالُ: أرْسَلَ سَهْمَهُ عَلى الصَّيْدِ، وهَذا الإرْسالُ يَكُونُ بَعْدَ أنْ أصْعَدُوا الحِجارَةَ إلى الجَوِّ وأرْسَلَتْها عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَطَرًا في بَعْضِ الآياتِ.

وحَصَلَ بَيْنَ أرْسَلْنا وبَيْنَ لِنُرْسِلَ جِناسٌ لاخْتِلافِ مَعْنى اللَّفْظَيْنِ.

والحِجارَةُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَجَرِ، ومَعْنى كَوْنِ الحِجارَةِ مِن طِينٍ: أنَّ أصْلَها طِينٌ تَحَجَّرَ بِصَهْرِ النّارِ، وهي حِجارَةٌ بُرْكانِيَّةٌ مِن كِبْرِيتٍ قَذَفَتْها الأرْضُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي صارَتْ بُحَيْرَةً تُدْعى اليَوْمَ بُحَيْرَةَ لُوطٍ وأصْعَدَها نامُوسٌ إلَهِيٌّ بِضَغْطٍ، جَعَلَهُ اللَّهُ يَرْفَعُ الخارِجَ مِنَ البُرْكانِ إلى الجَوِّ فَنَزَلَتْ عَلى قُرى قَوْمِ لُوطٍ فَأهْلَكَتْهم، وذَلِكَ بِأمْرِ التَّكْوِينِ بِواسِطَةِ القُوى المَلَكِيَّةِ.

والمُسَوَّمَةُ: الَّتِي عَلَيْها السُّومَةُ، أيْ: العَلامَةُ، أيْ: عَلَيْها عَلاماتٌ مِن ألْوانٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ مِنَ الحِجارَةِ المُتَعارَفَةِ.

ومَعْنى عِنْدَ رَبِّكَ أنَّ عَلاماتِها بَخَلْقِ اللَّهِ وتَكْوِينِهِ.

صفحة ٧
والمُسْرِفُونَ: المُفْرِطُونَ في العِصْيانِ، وذَلِكَ بَكُفْرِهِمْ وشُيُوعِ الفاحِشَةِ فِيهِمْ، فالمُسْرِفُونَ: القَوْمُ المُجْرِمُونَ، عَدَلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى الوَصْفِ الظّاهِرِ، لِتَسْجِيلِ إفْراطِهِمْ في الإجْرامِ.

The same ayah, in another commentary

Adh-Dhāriyāt 51:32