All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Qamar 54:10 Juzʾ 27 Page 529

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

So he invoked his Lord, "Indeed, I am overpowered, so help."

Read in the muṣḥaf

صفحة ١٨٢
‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ .
تَفْرِيعٌ عَلى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [القمر: ٩] وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ.

والمَغْلُوبُ مَجازٌ، شَبَّهَ يَأْسَهُ مِن إجابَتِهِمْ لِدَعْوَتِهِ بِحالِ الَّذِي قاتَلَ أوْ صارَعَ فَغَلَبَهُ مُقاتِلُهُ، وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ نُوحٍ كَيْفَ سَلَكَ مَعَ قَوْمِهِ وسائِلَ الإقْناعِ بِقَبُولِ دَعْوَتِهِ فَأعْيَتْهُ الحِيَلُ.

وأنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى تَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ مَحْذُوفَةٍ، أيْ دَعا بِأنِّي مَغْلُوبٌ، أيْ بِمَضْمُونِ هَذا الكَلامِ في لُغَتِهِ.

وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ فانْتَصِرْ لِلْإيجازِ ولِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ، والتَّقْدِيرُ: فانْتَصِرْ لِي، أيِ انْصُرْنِي.

وجُمْلَةُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلى آخِرِها مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏، فَفُهِمَ مِنَ التَّفْرِيعِ أنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ دَعْوَتَهُ وأنَّ إرْسالَ هَذِهِ المِياهِ عِقابٌ لِقَوْمِ نُوحٍ. وحاصِلُ المَعْنى: فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ المُحْكَمَةِ السَّرِيعَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ فَفَتَحْنا بِتَخْفِيفِ التّاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِها عَلى المُبالَغَةِ. والفَتْحُ بِمَعْنى شِدَّةِ هُطُولِ المَطَرِ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مُرَكَّبٌ تَمْثِيلِيٌ لِهَيْئَةِ انْدِفاقِ الأمْطارِ مِنَ الجَوِّ بِهَيْئَةِ خُرُوجِ الجَماعاتِ مِن أبْوابِ الدّارِ عَلى طَرِيقَةِ:

وسالَتْ بِأعْناقِ المَطِيِّ الأباطِحُ
والمُنْهَمِرُ: المُنْصَبُّ، أيِ المَصْبُوبُ يُقالُ: هَمَرَ الماءَ إذا صَبَّهُ، أيْ نازِلٌ بِقُوَّةٍ.

صفحة ١٨٣
والتَّفْجِيرُ: إسالَةُ الماءِ، يُقالُ: تَفَجَّرَ الماءُ، إذا سالَ، قالَ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسراء: ٩٠] .
وتَعْدِيَةُ فَجَّرْنا إلى اسْمِ الأرْضِ تَعْدِيَةٌ مَجازِيَّةٌ إذْ جَعَلَتِ الأرْضَ مِن كَثْرَةِ عُيُونِها كَأنَّها عَيْنٌ تَتَفَجَّرُ. وفي هَذا إجْمالٌ جِيءَ مِن أجْلِهِ بِالتَّمْيِيزِ لَهُ بِقَوْلِهِ عُيُونًا لِبَيانِ هَذِهِ النِّسْبَةِ، وقَدْ جَعَلَ هَذا مُلْحَقًا بِتَمْيِيزِ النِّسْبَةِ لِأنَّهُ مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ إذِ المَعْنى: وفَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ، وهو مِثْلُ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، أيْ: شَيْبُ الرَّأْسِ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَهُما، ونُكْتَةُ ذَلِكَ واحِدَةٌ. قالَ في المِفْتاحِ: إسْنادُ الِاشْتِعالِ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ شُمُولِ الِاشْتِعالِ لِلرَّأْسِ إذْ وازَنَ اشْتَعَلَ شَيْبُ الرَّأْسِ، واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وِزانَ اشْتَعَلَتِ النّارُ في بَيْتِي واشْتَعَلَ بَيْتِي نارًا اهـ.

والتِقاءُ الماءِ: تَجْمُّعُ ماءِ الأمْطارِ مَعَ ماءِ عُيُونِ الأرْضِ فالِالتِقاءُ مُسْتَعارٌ لِلِاجْتِماعِ، شَبَّهَ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ والماءَ الخارِجَ مِنَ الأرْضِ بِطائِفَتَيْنِ جاءَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِن مَكانٍ فالتَقَتا في مَكانٍ واحِدٍ كَما يَلْتَقِي الجَيْشانِ.

والتَّعْرِيفُ في الماءِ لِلْجِنْسِ. وعُلِمَ مِن إسْنادِ الِالتِقاءِ أنَّهُما نَوْعانِ مِنَ الماءِ ماءُ المَطَرِ وماءُ العُيُونِ.

و(عَلى) مِن قَوْلِهِ ‏ ‏‏‏ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (في) كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [القصص: ١٥]، وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

عَلى حالَةٍ لَوْ أنَّ في البَحْرِ حاتِمًا ∗∗∗ عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمُ
والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، أيْ مُلابِسًا لِأمْرٍ قَدْ قُدِرَ ومُتَمَكِّنًا مِنهُ.
ومَعْنى التَّمَكُّنِ: شِدَّةُ المُطابَقَةِ لِما قُدِرَ، وأنَّهُ لَمْ يَحِدْ عَنْهُ قَيْدَ شَعَرَةٍ.

والأمْرُ: الحالُ والشَّأْنُ وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ.

ووَصْفُ الأمْرَ بِأنَّهُ ‏‏ ‏‏‏، أيْ أُتْقِنَ وأُحْكِمَ بِمِقْدارٍ، يُقالُ: قَدَرَهُ

صفحة ١٨٤
بِالتَّخْفِيفِ إذا ضَبَطَهُ وعَيَّنَهُ كَما قالَ تَعالى ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [القمر: ٤٩] ومَحَلُّ ‏ ‏‏‏ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِنَ الماءِ.
واكْتَفى بِهَذا الخَبَرِ عَنْ بَقِيَّةِ المَعْنى. وهو طُغْيانُ الطُّوفانِ عَلَيْهِمِ اكْتِفاءً بِما أفادَهُ تَفْرِيعُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كَما تَقَدَّمَ انْتِقالًا إلى وصْفِ إنْجاءِ نُوحٍ مِن ذَلِكَ الكَرْبِ العَظِيمِ، فَجُمْلَةُ وحَمَلْناهُ مَعْطُوفَةٌ عَلى التَّفْرِيعِ عَطْفَ احْتِراسٍ.

والمَعْنى: فَأغْرَقْناهم ونَجَّيْناهُ.

و‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ صِفَةُ السَّفِينَةِ، أُقِيمَتْ مَقامَ المَوْصُوفِ هُنا عِوَضًا عَنْ أنْ يُقالَ: وحَمَلْناهُ عَلى الفُلْكِ، لِأنَّ في هَذِهِ الصِّفَةِ بَيانَ مَتانَةِ هَذِهِ السَّفِينَةِ وإحْكامِ صُنْعِها. وفي ذَلِكَ إظْهارٌ لِعِنايَةِ اللَّهِ بِنَجاةِ نُوحٍ ومَن مَعَهُ، فَإنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِصُنْعِ السَّفِينَةِ وأوْحى إلَيْهِ كَيْفِيَّةَ صُنْعِها ولَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ سَفِينَةٌ قَبْلَها، قالَ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [هود: ٣٦] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [هود: ٣٧]، وعادَةُ البُلَغاءِ إذا احْتاجُوا لِذِكْرِ صِفَةٍ بِشَيْءٍ وكانَ ذِكْرُها دالًّا عَلى مَوْصُوفِها أنْ يَسْتَغْنُوا عَنْ ذِكْرِ المَوْصُوفِ إيجازًا كَما قالَ تَعالى ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ [سبإ: ١١]، أيْ دُرُوعًا سابِغاتٍ.

والحِمْلُ: رَفْعُ الشَّيْءِ عَلى الظَّهْرِ أوِ الرَّأْسِ لِنَقْلِهِ ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ [النحل: ٧] ولَهُ مَجازاتٌ كَثِيرَةٌ.

والألْواحُ: جَمْعُ لَوْحٍ وهو القِطْعَةُ المُسَوّاةُ مِنَ الخَشَبِ.

والدُّسُرُ: جَمْعُ دِسارٍ، وهو المِسْمارُ.

وعُدِّيَ فِعْلُ حَمَلْنا إلى ضَمِيرِ نُوحٍ دُونَ مَن مَعَهُ مِن قَوْمِهِ، لِأنَّ هَذا الحِمْلَ كانَ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ ولِنَصْرِهِ فَهو المَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا الحِمْلِ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأعراف: ٧٢] وقَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [المؤمنون: ٢٨] ونَحْوُهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالإنْجاءِ وأنَّ نَجاةَ قَوْمِهِ بِمَعِيَّتِهِ، وحَسْبُكَ قَوْلُهُ تَعالى في تَذْيِيلِ هَذِهِ الآيَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ فَإنَّ الَّذِي كانَ كُفِرَ هو نُوحٌ كَفَرَ بِهِ قَوْمُهُ.

صفحة ١٨٥
وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو التَّمَكُّنُ كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [المؤمنون: ٢٨]، وإلّا فَإنَّ اسْتِقْرارَهُ في السَّفِينَةِ كائِنٌ في جَوْفِها كَما قالَ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحاقة: ١١] ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [هود: ٤٠] .
والباءُ في بِأعْيُنِنا لِلْمُلابَسَةِ.

والأعْيُنُ: جَمْعُ عَيْنٍ بِإطْلاقِهِ المَجازِيِّ، وهو الِاهْتِمامُ والعِنايَةُ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

عَلِمْتُكَ تَرْعانِي بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ
وقالَ تَعالى ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] .
وجُمِعَ العَيْنُ لِتَقْوِيَةِ المَعْنى لِأنَّ الجَمْعَ أقْوى مِنَ المُفْرَدِ، أيْ بِحِراساتٍ مِنّا وعِناياتٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ بِاعْتِبارِ أنْواعِ العِناياتِ بِتَنَوُّعِ آثارِها. وأصْلُ اسْتِعْمالِ لَفْظِ العَيْنِ في مِثْلِهِ تَمْثِيلٌ بِحالِ النّاظِرِ إلى الشَّيْءِ المَحْرُوسِ مِثْلُ الرّاعِينَ كَما يُقالُ لِلْمُسافِرِ: عَيْنُ اللَّهِ عَلَيْكَ ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ، فَجُمِعَ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ.

و(جَزاءً) مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِ (فَتَحْنا) وما عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ كُلَّهُ جَزاءً لِنُوحٍ. ومَن كانَ كُفِرَ، هو نُوحٌ فَإنَّ قَوْمَهُ كَفَرُوا بِهِ، أيْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِأنَّهُ رَسُولٌ وكانَ كُفْرُهم بِهِ مُنْذُ جاءَهم بِالرِّسالَةِ فَلِذَلِكَ أقْحَمَ هُنا فِعْلَ كانَ، أيْ لِمَن كُفِرَ مُنْذُ زَمانٍ مَضى، وذَلِكَ ما حُكِيَ في سُورَةِ نُوحٍ بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [نوح: ٥] إلى قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [نوح: ٨] ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [نوح: ٩] .

وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ (كُفِرَ) لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُهُ: كُفِرَ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ نَصَحَ لَهم ولَقِيَ في ذَلِكَ أشَدَّ العَناءِ فَلَمْ يَشْكُرُوا لَهُ بَلْ كَفَرُوهُ فَهو مَكْفُورٌ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] .

The same ayah, in another commentary

Al-Qamar 54:10