All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Ḥadīd 57:6 Juzʾ 27 Page 538

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and he is Knowing of that within the breasts.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ .

مُناسَبَةُ ذِكْرِهِ هَذِهِ الجُمْلَةَ أنَّ تَقْدِيرَ اللَّيْلِ والنَّهارِ وتَعاقُبَهُما مِنَ التَّصَرُّفاتِ الإلَهِيَّةِ المُشاهَدَةِ في أحْوالِ السَّماواتِ والأرْضِ ومُلابَساتِ أحْوالِ الإنْسانِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحديد: ٥] .

وهُوَ أيْضًا مُناسِبٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحديد: ٥] تَذْكِيرٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ المُتَصَرِّفَ في سَبَبِ الفَناءِ هو اللَّهُ تَعالى فَإنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ هُما اللَّذانِ يُفْنِيانِ النّاسَ، قالَ الأعْشى:

ألَمْ تَرَوْا إرَمًا وعادًا أفْناهُما اللَّيْلُ والنَّهارُ

صفحة ٣٦٧
وحَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الجاثية: ٢٤] فَلَمّا قالَ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحديد: ٥]، أبْطَلَ بَعْدَهُ اعْتِقادَ أهْلِ الشِّرْكِ أنَّ لِلزَّمانِ الَّذِي هو تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ والمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالدَّهْرِ تَصَرُّفًا فِيهِمْ، وهَذا مَعْنى اسْمِهِ تَعالى (المُدَبِّرُ) .
* * *
‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لَمّا ذُكِرَ تَصَرُّفُ اللَّهِ في اللَّيْلِ وكانَ اللَّيْلُ وقْتَ إخْفاءِ الأشْياءِ أعْقَبَ ذِكْرَهُ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِأخْفى الخَفايا وهي النَّوايا، فَإنَّها مَعَ كَوْنِها مَعانِيَ غائِبَةً عَنِ الحَواسِّ كانَتْ مَكْنُونَةً في ظُلْمَةِ باطِنِ الإنْسانِ فَلا يَطَّلِعُ عَلَيْها عالِمٌ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ٥٩]، وقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [هود: ٥] .
”ذاتِ الصُّدُورِ“: ما في خَواطِرِ النّاسِ مِنَ النَّوايا، فَ (ذاتِ) هُنا مُؤَنَّثُ (ذُو) بِمَعْنى صاحِبَةٍ.

والصُّحْبَةُ: هُنا بِمَعْنى المُلازَمَةِ.

ولَمّا أُرِيدَ بِالمُفْرَدِ الجِنْسُ أُضِيفَ إلى (جَمْعٍ)، وتَقَدَّمَ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] في سُورَةِ الأنْفالِ. وقَدِ اشْتَمَلَ هَذا المِقْدارُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا عَلى مَعانِي سِتَّ عَشْرَةَ صِفَةً مِن أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى: وهي: اللَّهُ، العَزِيزُ، الحَكِيمُ، المَلِكُ، المُحْيِي، المُمِيتُ، القَدِيرُ، الأوَّلُ، الآخِرُ، الظّاهِرُ، الباطِنُ، العَلِيمُ، الخالِقُ، البَصِيرُ، الواحِدُ، المُدَبِّرُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ هو في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ فَهو يَعْنِي مَجْمُوعَ هَذِهِ الأسْماءِ. واعْلَمْ أنَّ ما تَقَدَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا يُرَجِّحُ أنَّهُ مَكِّيٌّ.

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥadīd 57:6