All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Nūḥ 71:4 Juzʾ 29 Page 570

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Allah will forgive you of your sins and delay you for a specified term. Indeed, the time [set by] Allah, when it comes, will not be delayed, if you only knew.' "

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏، أيْ: تَعْلِيلًا لِلرَّبْطِ الَّذِي بَيْنَ الأمْرِ وجَزائِهِ مِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ [نوح: ٣] إلى قَوْلِهِ ويُؤَخِّرْكم إلَخْ؛ لِأنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ الأمْرِ وجَوابِهِ يُعْطِي بِمَفْهُومِهِ مَعْنى: إنْ لا تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تَتَّقُوهُ ولا تُطِيعُونِي لا يَغْفِرْ لَكم ولا يُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فَعُلِّلَ هَذا

صفحة ١٩١
الرَّبْطُ والتَّلازُمُ بَيْنَ هَذا الشَّرْطِ المُقَدَّرِ وبَيْنَ جَزائِهِ بِجُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏، أيْ: أنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لِحُلُولِ العَذابِ بِكم إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ ولَمْ تُطِيعُونِ إذا جاءَ إبّانُهُ بِاسْتِمْرارِكم عَلى الشِّرْكِ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ساعَتَئِذٍ، كَما قالَ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [يونس: ٩٨]، فَيَكُونُ هَذا حَثًّا عَلى التَّعْجِيلِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَقْواهُ.
فالأجَلُ الَّذِي في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ غَيْرُ الأجَلِ الَّذِي في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ويُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَهُ عَقِبَهُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المُقْتَضِي أنَّهم لا يَعْلَمُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ المُتَعَلِّقَةَ بِآجالِ الأُمَمِ المُعَيَّنَةِ لِاسْتِئْصالِهِمْ، وأمّا عَدَمُ تَأْخِيرِ آجالِ الأعْمارِ عِنْدَ حُلُولِها فَمَعْلُومٌ لِلنّاسِ مَشْهُورٌ في كَلامِ الأوَّلِينَ. وفي إضافَةِ (أجَلَ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ إيماءٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ الأجَلُ المُعْتادُ بَلْ هو أجَلٌ عَيَّنَهُ اللَّهُ لِلْقَوْمِ إنْذارًا لَهم لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ تَحْدِيدِ غايَةِ تَأْخِيرِهِمْ إلى أجَلٍ مُسَمًّى أيْ: دُونَ تَأْخِيرِهِمْ تَأْخِيرًا مُسْتَمِرًّا فَيَسْألُ السّامِعُ في نَفْسِهِ عَنْ عِلَّةِ تَنْهِيَةِ تَأْخِيرِهِمْ بِأجَلٍ آخَرَ فَيَكُونُ أجَلُ اللَّهِ غَيْرُ الأجَلِ الَّذِي في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ .

ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِكِلا الأجَلَيْنِ: الأجَلُ المُفادُ مِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [نوح: ١] فَإنَّ لَفْظَ ”قَبْلِ“ يُؤْذِنُ بِأنَّ العَذابَ مُوَقَّتٌ بِوَقْتٍ غَيْرِ بَعِيدٍ فَلَهُ أجَلٌ مُبْهَمٌ غَيْرُ بَعِيدٍ، والأجَلُ المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ فَيَكُونُ أجَلُ اللَّهِ صادِقًا عَلى الأجَلِ المُسَمّى وهو أجَلُ كُلِّ نَفْسٍ مِنَ القَوْمِ.

وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ إضافَةُ كَشْفٍ، أيِ: الأجَلُ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ لِكُلِّ أحَدٍ.

وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَعارُضُ بَيْنَ قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وبَيْنَ قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ إمّا لِاخْتِلافِ المُرادِ بِلَفْظَيِ (الأجَلِ) في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏، وإمّا لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيِ التَّأْخِيرِ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ فانْفَكَّتْ جِهَةُ التَّعارُضِ.

صفحة ١٩٢
أمّا مَسْألَةُ تَأْخِيرِ الآجالِ والزِّيادَةِ في الأعْمارِ والنَّقْصِ مِنها وتَوْحِيدِ الأجَلِ عِنْدَنا واضْطِرابِ أقْوالِ المُعْتَزِلَةِ في هَلْ لِلْإنْسانِ أجَلٌ واحِدٌ أوْ أجَلانِ ؟ فَتِلْكَ قَضِيَّةٌ أُخْرى تَرْتَبِطُ بِأصْلَيْنِ: أصْلِ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِما سَيَكُونُ، وأصْلِ تَقْدِيرِ اللَّهِ لِلْأسْبابِ وتَرَتُّبِ مُسَبَّباتُها عَلَيْها.
فَأمّا ما في عِلْمِ اللَّهِ فَلا يَتَغَيَّرُ قالَ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [فاطر: ١١] أيْ: في عِلْمِ اللَّهِ، والنّاسُ لا يَطَّلِعُونَ عَلى ما في عِلْمِ اللَّهِ.

وأمّا وُجُودُ الأسْبابِ كُلِّها كَأسْبابِ الحَياةِ، وتَرَتُّبِ مُسَبَّباتِها عَلَيْها فَيَتَغَيَّرُ بِإيجادِ اللَّهِ مُغَيِّراتٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةٌ إكْرامًا لِبَعْضِ عِبادِهِ أوْ إهانَةً لِبَعْضٍ آخَرَ. وفي الحَدِيثِ ”«صَدَقَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ تَزِيدُ في العُمُرِ» “ وهو حَدِيثٌ حَسَنٌ مَقْبُولٌ. وعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «مَن سَرَّهُ أنْ يُمَدَّ في عُمُرِهِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ ولْيَصِلْ رَحِمَهُ» وسَنَدُهُ جَيِّدٌ، فَآجالُ الأعْمارِ المُحَدَّدَةِ بِالزَّمانِ أوْ بِمِقْدارِ قُوَّةِ الأعْضاءِ وتَناسُبِ حَرَكَتِها قابِلَةٌ لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ. وآجالُ العُقُوباتِ الإلَهِيَّةِ المُحَدَّدَةِ بِحُصُولِ الأعْمالِ المُعاقَبِ عَلَيْها بِوَقْتٍ قَصِيرٍ أوْ فِيهِ مُهْلَةٌ غَيْرُ قابِلَةٍ لِلتَّأْخِيرِ وهي ماصْدَقَ قَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] عَلى أظْهَرِ التَّأْوِيلاتِ فِيهِ وما في عِلْمِ اللَّهِ مِن ذَلِكَ لا يُخالِفُ ما يَحْصُلُ في الخارِجِ.

فالَّذِي رَغَّبَ نُوحٌ قَوْمَهُ فِيهِ هو سَبَبُ تَأْخِيرِ آجالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ فَلَوْ فَعَلُوهُ تَأخَّرَتْ آجالُهم وبِتَأْخِيرِها يَتَبَيَّنُ أنْ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم يَعْمَلُونَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ نُوحٌ وأنَّ آجالَهم تَطُولُ، وإذْ لَمْ يَفْعَلُوهُ فَقَدْ كَشَفَ لِلنّاسِ أنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ ما دَعاهم إلَيْهِ نُوحٌ وأنَّ اللَّهَ قاطِعُ آجالِهِمْ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءُ ﷺ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ إلى ما خُلِقَ لَهُ» وقَدِ اسْتَعْصى فَهْمُ هَذا عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَخَلَطُوا بَيْنَ ما هو مُقَرَّرٌ في عِلْمِ اللَّهِ وما أظْهَرَهُ قَدَرُ اللَّهَ في الخارِجِ الوُجُودِيِّ.

وفِي إقْحامِ فِعْلِ (كُنْتُمْ) قَبْلَ (تَعْلَمُونَ) إيذانٌ بِأنَّ عَمَلَهم بِذَلِكَ المُنْتَفِي لِوُقُوعِهِ شَرْطًا لِحَرْفِ (لَوْ) مُحَقَّقٌ انْتِفاؤُهُ كَما بَيَّنّاهُ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [يونس: ٢] في سُورَةِ يُونُسَ.

صفحة ١٩٣
وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ‏ ‏‏‏‏‏ . والتَّقْدِيرُ: لَأيْقَنْتُمْ أنَّهُ لا يُؤَخَّرُ.

The same ayah, in another commentary

Nūḥ 71:4