All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Jinn 72:18 Juzʾ 29 Page 573

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And [He revealed] that the masjids are for Allah, so do not invoke with Allah anyone.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ اتَّفَقَ القُرّاءُ العَشَرَةُ عَلى فَتْحِ الهَمْزَةِ في ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى مَرْفُوعِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الجن: ١]، ومَضْمُونُها مِمّا أُوحِيَ بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأُمِرَ بِأنْ يَقُولَهُ. والمَعْنى: قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ، فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مَعَ (أنْ) واسْمِها وخَبَرِها نائِبُ فاعِلِ (أُوحِيَ) .

والتَّقْدِيرُ: أُوحِيَ إلَيَّ اخْتِصاصُ المَساجِدِ بِاللَّهِ، أيْ: بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ بِناءَها إنَّما كانَ لِيُعْبَدَ اللَّهُ فِيها، وهي مَعالِمُ التَّوْحِيدِ.

وعَلى هَذا الوَجْهِ حَمَلَ سِيبَوَيْهُ الآيَةَ وتَبِعَهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ.

وذَهَبَ الخَلِيلُ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ لامِ جَرٍّ قَبْلَ (أنَّ)، فالمَجْرُورُ مُقَدَّمٌ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ. والتَّقْدِيرُ: ولِأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا.

واللّامُ في قَوْلِهِ لِلَّهِ لِلِاسْتِحْقاقِ، أيْ: اللَّهُ مُسْتَحِقُّها دُونَ الأصْنامِ والأوْثانِ فَمَن وضَعَ الأصْنامَ في مَساجِدِ اللَّهِ فَقَدِ اعْتَدى عَلى اللَّهِ.

والمَقْصُودُ هُنا هو المَسْجِدُ الحَرامِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا وضَعُوا فِيهِ الأصْنامَ وجَعَلُوا الصَّنَمَ (هُبَلَ) عَلى سَطْحِ الكَعْبَةِ، قالَ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١١٤] يَعْنِي بِذَلِكَ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ.

وهَذا تَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى اعْتِدائِهِمْ عَلى حَقِّ اللَّهِ وتَصَرُّفِهِمْ فِيما لَيْسَ لَهم أنْ

صفحة ٢٤١
يُغَيِّرُوهُ قالَ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٣٤]، وإنَّما عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي آيَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ [البقرة: ١١٤] بِلَفْظِ (مَساجِدَ) لِيَدْخُلَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ مَعَهم في هَذا الوَعِيدِ مِمَّنْ شاكَلَهم مِمَّنْ غَيَّرُوا المَساجِدَ، أوْ لِتَعْظِيمِ المَسْجِدِ الحَرامِ. كَما جَمَعَ (رُسُلِي) في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [سبإ: ٤٥]، عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (كَذَّبُوا) عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبإ: ٤٣] في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [سبإ: ٤٣] أيْ: كَذَّبُوا رَسُولِي.
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الفرقان: ٣٧] يُرِيدُ نُوحًا، وهو أوَّلُ رَسُولٍ، فَهو المَقْصُودُ بِالجَمْعِ.

وفُرِّعَ عَلى اخْتِصاصِ كَوْنِ المَساجِدِ بِاللَّهِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا، وهَذا إلْزامٌ لَهم بِالتَّوْحِيدِ بِطَرِيقِ القَوْلِ بِالمُوجِبِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم أهْلُ بَيْتِ اللَّهِ فَعِبادَتُهم غَيْرَ اللَّهِ مُنافِيَةٌ لِزَعْمِهِمْ ذَلِكَ.

The same ayah, in another commentary

Al-Jinn 72:18