All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Anfāl 8:39 Juzʾ 9 Page 181

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And fight them until there is no fitnah and [until] the religion, all of it, is for Allah. And if they cease - then indeed, Allah is Seeing of what they do.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٣٦] الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ”فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ“ فَتَكُونَ مِمّا يَدْخُلُ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ. والتَّقْدِيرُ: فَإنْ يَعُودُوا فَقاتِلُوهم، كَقَوْلِهِ ”﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]“ وقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [التوبة: ٣] والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مُشْرِكِي مَكَّةَ.

والفِتْنَةُ اضْطِرابُ أمْرِ النّاسِ ومَرَجُهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ

صفحة ٣٤٧
- تَعالى - ”‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٠٢]“ في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلِهِ ”﴿وحَسِبُوا أنْ لّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]“ في سُورَةِ العُقُودِ.
والمُرادُ هُنا أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ انْتِفاءَ الفِتْنَةِ غايَةً لِقِتالِهِمْ، وكانَ قِتالُهم مَقْصُودًا مِنهُ إعْدامُهم أوْ إسْلامُهم، وبِأحَدِ هَذَيْنِ يَكُونُ انْتِفاءُ الفِتْنَةِ، فَنَتَجَ مِن ذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ المُرادَ نَفْيُها كانَتْ حاصِلَةً مِنهم وهي فِتْنَتُهُمُ المُسْلِمِينَ لا مَحالَةَ، لِأنَّهم إنَّما يَفْتِنُونَ مَن خالَفَهم في الدِّينِ فَإذا أسْلَمُوا حَصَلَ انْتِفاءُ فِتْنَتِهِمْ وإذا أعْدَمَهُمُ اللَّهُ فَكَذَلِكَ.

وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُمَّةِ مِن أنَّ قِتالَ المُشْرِكِينَ واجِبٌ حَتّى يُسْلِمُوا، وأنَّهم لا تُقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - تَعالى - هُنا ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وقالَ في الآيَةِ الأُخْرى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [التوبة: ٢٩] وهي أيْضًا دالَّةٌ عَلى ما رَآهُ المُحَقِّقُونَ مِن مُؤَرِّخِينا: مِن أنَّ قِتالَ المُسْلِمِينَ المُشْرِكِينَ إنَّما كانَ أوَّلُهُ دِفاعًا لِأذى المُشْرِكِينَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، والتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ حَيْثُما حَلُّوا، فَتِلْكَ الفِتْنَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ ولِذَلِكَ قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٩١] .

والتَّعْرِيفُ في الدِّينِ لِلْجِنْسِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها في سُورَةِ البَقَرَةِ. إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ زِيدَ فِيها اسْمُ التَّأْكِيدِ وهو ”كُلُّهُ“ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ أسْبَقُ نُزُولًا مِن آيَةِ البَقَرَةِ فاحْتِيجَ فِيها إلى تَأْكِيدِ مُفادِ صِيغَةِ اخْتِصاصِ جِنْسِ الدِّينِ بِأنَّهُ لِلَّهِ - تَعالى - لِئَلّا يُتَوَهَّمَ الِاقْتِناعُ بِإسْلامِ غالِبِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا تَقَرَّرَ مَعْنى العُمُومِ وصارَ نَصًّا مِن هَذِهِ الآيَةِ عَدَلَ عَنْ إعادَتِهِ في آيَةِ البَقَرَةِ تَطَلُّبًا لِلْإيجازِ.

وقَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ عَلِيمٌ كِنايَةً عَنْ حُسْنِ مُجازاتِهِ إيّاهم لِأنَّ القادِرَ عَلى نَفْعِ أوْلِيائِهِ ومُطِيعِيهِ لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِمُ إلّا خْفاءُ حالِ مَن يُخْلَصُ إلَيْهِ، فَلَمّا أُخْبِرُوا بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى انْتِهائِهِمْ عَنِ الكُفْرِ إنِ انْتَهَوْا عَنْهُ، وكانَ ذَلِكَ لا يُظَنُّ خِلافُهُ عُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ لازِمُ ذَلِكَ.

صفحة ٣٤٨
وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَعْمَلُونَ - بِياءِ الغائِبِ - وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتاءِ الخِطابِ.
والتَّوَلِّي: الإعْراضُ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المائدة: ٩٢] في سُورَةِ العُقُودِ.

والمَوْلى الَّذِي يَتَوَلّى أمْرَ غَيْرِهِ ويَدْفَعُ عَنْهُ وفِيهِ مَعْنى النَّصْرِ.

والمَعْنى وإنْ تَوَلَّوْا عَنْ هاتِهِ الدَّعْوَةِ فاللَّهُ مُغْنٍ لَكم عَنْ ولائِهِمْ، أيْ لا يَضُرُّكم تَوَلِّيهِمْ، فَقَوْلُهُ ”‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏“ يُؤْذِنُ بِجَوابٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَلا تَخافُوا تَوَلِّيهِمْ ! فَإنَّ اللَّهَ مَوْلاكم وهو يُقَدِّرُ لَكم ما فِيهِ نَفْعُكم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ. وهَذا «كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِمُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ ولَئِنْ تَوَلَّيْتَ لَيَعْفِرَنَّكَ اللَّهُ ”وإنَّما الخَسارَةُ عَلَيْهِمْ إذْ حُرِمُوا السَّلامَةَ والكَرامَةَ» .

وافْتِتاحُ جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ بِاعْلَمُوا لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ وتَحْقِيقِهِ، أيْ لا تَغْفُلُوا عَنْ ذَلِكَ، كَما مَرَّ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٢٤] .

وجُمْلَةُ“ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ”مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها إنْشاءُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ.

وعَطَفَ عَلى“ نِعْمَ المَوْلى ”قَوْلَهُ“ ونِعْمَ النَّصِيرُ ”لِما في المَوْلى مِن مَعْنى النَّصْرِ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ عَطْفِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] عَلى قَوْلِهِ“ ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] " سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:39