All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Ash-Shams 91:12 Juzʾ 30 Page 595

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

When the most wretched of them was sent forth.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الشمس: ١٤] .

إنْ كانَتْ جُمْلَةُ (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشمس: ٩]) . . . إلَخْ مُعْتَرِضَةً، كانَتْ هَذِهِ جَوابًا لِلْقَسَمِ بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: (‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشمس: ١٤]) أيْ: حَقًّا لَقَدْ كانَ ذَلِكَ لِذَلِكَ، ولامُ الجَوابِ مَحْذُوفٌ تَخْفِيفًا لِاسْتِطالَةِ القَسَمِ، وقَدْ مَثَّلُوا لِحَذْفِ اللّامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]) إلى قَوْلِهِ: (﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]) .

والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرَّسُولَ طُغْيانًا هم يَعْلَمُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ كَما كَذَّبَتْ ثَمُودُ رَسُولَهم طُغْيانًا، وذَلِكَ هو المُحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إلى أنَّ ما حَلَّ بِثَمُودَ مِنَ الِاسْتِئْصالِ كانَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ، فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا لِيَتَدَبَّرُوا أوْ لِتَنْزِيلِ عِلْمِ مَن عَلِمَ ذَلِكَ مِنهم مَنزِلَةَ الإنْكارِ لِعَدَمِ جَرْيِ أمْرِهِمْ عَلى مُوجَبِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ لَيُصِيبَنَّكم عَذابٌ كَما أصابَ ثَمُودَ، ولَقَدْ أصابَ المُشْرِكِينَ عَذابُ السَّيْفِ بِأيْدِي الَّذِينَ عادَوْهم وآذَوْهم وأخْرَجُوهم، وذَلِكَ أقْسى عَلَيْهِمْ وأنْكى.

فَمَفْعُولُ (كَذَّبَتْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: (‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏) والتَّقْدِيرُ: كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ ورَسُولِهِمْ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في سُورَةِ الأعْرافِ.

وباءُ (بِطَغْواها) لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: كانَتْ طَغْواها سَبَبَ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ.

والطَّغْوى: اسْمُ مَصْدَرٍ، يُقالُ: طَغا طَغْوًا وطُغْيانًا، والطُّغْيانُ: فَرْطُ الكِبْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٥]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَنْظِيرِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في تَكْذِيبِهِمْ بِثَمُودَ في أنَّ سَبَبَ تَكْذِيبِهِمْ هو

صفحة ٣٧٣
الطُّغْيانُ والتَّكَبُّرُ عَنِ اتِّباعِ مَن لا يَرَوْنَ لَهُ فَضْلًا عَلَيْهِمْ (‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزخرف: ٣١]) .
و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي يَتَعَلَّقُ بِـ (طَغْواها) لِأنَّ وقْتَ انْبِعاثِ أشْقاها لِعَقْرِ النّاقَةِ هو الوَقْتُ الَّذِي بَدَتْ فِيهِ شِدَّةُ طَغْواها فَبَعَثُوا أشْقاهم لِعَقْرِ النّاقَةِ الَّتِي جُعِلَتْ لَهم آيَةً، وذَلِكَ مُنْتَهى الجُرْأةِ.

و(انْبَعَثَ): مُطاوِعُ بَعَثَ، فالمَعْنى: إذْ بَعَثُوا أشْقاهم فانْبَعَثَ وانْتَدَبَ لِذَلِكَ. و(إذْ) مُضافٌ إلى جُمْلَةِ (انْبَعَثَ) أشْقاها.

وقُدِّمَ ذِكْرُ هَذا الظَّرْفِ عَنْ مَوْقِعِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: (‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏) لِأنَّ انْبِعاثَ أشْقاها لِعَقْرِ النّاقَةِ جُزْئِيٌّ مِن جُزْئِيّاتِ طَغْواهم، فَهو أشَدُّ تَعَلُّقًا بِالتَّكْذِيبِ المُسَبَّبِ عَنِ الطَّغْوى، فَفي تَقْدِيمِهِ قَضاءٌ لِحَقِّ هَذا الِاتِّصالِ، ولِإفادَةِ أنَّ انْبِعاثَ أشْقاهم لِعَقْرِ النّاقَةِ كانَ عَنْ إغْراءٍ مِنهم إيّاهُ، ولا يَفُوتُ مَعَ ذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ أنْ قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ: ناقَةَ اللَّهِ، ويُسْتَفادُ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: (﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]) .

و(‏‏‏‏‏‏): أشَدُّها شِقْوَةً، وعُنِيَ بِهِ رَجُلٌ مِنهم سَمّاهُ المُفَسِّرُونَ قُدارَ (بِضَمِّ القافِ وتَخْفِيفِ الدّالِ المُهْمِلَةِ) بْنَ سالِفٍ، وزِيادَتُهُ عَلَيْهِمْ في الشَّقاوَةِ بِأنَّهُ الَّذِي باشَرَ الجَرِيمَةَ وإنْ كانَ عَنْ مَلَأٍ مِنهم وإغْراءٍ.

والفاءُ مِن قَوْلِهِ: (‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏) عاطِفَةٌ عَلى (كَذَّبَتْ) فَتُفِيدُ التَّرْتِيبَ والتَّعْقِيبَ كَما هو الغالِبُ فِيها. ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَحَدّاهم بِآيَةِ النّاقَةِ وحَذَّرَهم مِنَ التَّعَرُّضِ لَها بِسُوءٍ ومِن مَنعِها شُرْبَها في نَوْبَتِها مِنَ السُّقْيا، وعُطِفَ عَلى (فَكَذَّبُوهُ) أيْ: فِيما أنْذَرَهم بِهِ فَعَقَرُوها بِالتَّكْذِيبِ المَذْكُورِ أوَّلَ مَرَّةٍ غَيْرَ التَّكْذِيبِ المَذْكُورِ ثانِيًا، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ آيَةَ النّاقَةِ أُرْسِلَتْ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا، وهو الشَّأْنُ في آياتِ الرُّسُلِ، وهو ظاهِرُ ما جاءَ في سُورَةِ هُودٍ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ المُجَرَّدِ وهي تُفِيدُ عَطْفَ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: (‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٣٦]) فَإنَّ إزْلالَهُما إبْعادُهُما وهو يَحْصُلُ بَعْدَ الإخْراجِ لا قَبْلُهُ. وقَوْلِهِ: (‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأعراف: ٤])

صفحة ٣٧٤
فَيَكُونُ المَعْنى: (‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) . ثُمَّ فُصِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏) إلى قَوْلِهِ: (﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]) والعَقْرُ عِنْدَ انْبِعاثِ أشْقاها، وعَلَيْهِ فَلا ضَرُورَةَ إلى اعْتِبارِ الظَّرْفِ وهو (‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) مُقَدَّمًا مِن تَأْخِيرٍ.
وأُعِيدَتْ عَلَيْهِمْ ضَمائِرُ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ أنَّهم جَمْعٌ وإنْ كانَتِ الضَّمائِرُ قَبْلَهُ مُراعًى فِيها أنَّ ثَمُودَ اسْمُ قَبِيلَةٍ.

وانْتَصَبَ (‏‏‏‏ ‏‏) عَلى التَّحْذِيرِ، والتَّقْدِيرُ: احْذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. والمُرادُ: التَّحْذِيرُ مِن أنْ يُؤْذُوها، فالكَلامُ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذَّواتِ، والمُرادُ: أحْوالُها.

وإضافَةُ (ناقَةَ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّها آيَةٌ جَعَلَها اللَّهُ عَلى صِدْقِ رِسالَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِأنَّ خُرُوجَها لَهم كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ.

والسُّقْيا: اسْمُ مَصْدَرِ سَقى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى التَّحْذِيرِ، أيِ: احْذَرُوا سَقْيَها، أيِ: احْذَرُوا غَصْبَ سَقْيِها، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ أُطْلِقَ السُّقْيا عَلى الماءِ الَّذِي تُسْقى مِنهُ إطْلاقًا لِلْمَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، فَيَرْجِعُ إلى إضافَةِ الحُكْمِ إلى الذّاتِ. والمُرادُ: حالَةٌ تُعْرَفُ مِنَ المَقامِ، فَإنَّ مادَّةَ سُقْيا تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ التَّحْذِيرُ مِن أنْ يَسْقُوا إبِلَهم مِنَ الماءِ الَّذِي في يَوْمِ نَوْبَتِها.

والتَّكْذِيبُ المُعَقَّبُ بِهِ تَحْذِيرُهُ إيّاهم بِقَوْلِهِ: (‏‏‏‏ ‏‏) تَكْذِيبٌ ثانٍ وهو تَكْذِيبُهم بِما اقْتَضاهُ التَّحْذِيرُ مِنَ الوَعِيدِ والإنْذارِ بِالعَذابِ إنْ لَمْ يَحْذَرُوا الِاعْتِداءَ عَلى تِلْكَ النّاقَةِ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ في آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: (‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأعراف: ٧٣]) .

وبِهَذا الِاعْتِبارِ اسْتَقامَ التَّعْبِيرُ عَنْ مُقابَلَةِ التَّحْذِيرِ بِالتَّكْذِيبِ مَعَ أنَّ التَّحْذِيرَ إنْشاءٌ، فالتَّكْذِيبُ إنَّما يَتَوَجَّهُ إلى ما في التَّحْذِيرِ مِنَ الإنْذارِ بِالعَذابِ.

والعَقْرُ: جَرْحُ البَعِيرِ في يَدَيْهِ لِيَبْرُكَ عَلى الأرْضِ مِنَ الألَمِ فَيُنْحَرَ في لَبَّتِهِ، فالعَقْرُ كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنِ النَّحْرِ لِتَلازُمِهِما.

The same ayah, in another commentary

Ash-Shams 91:12