قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وكَثِيرًا مِن أصْحابِهِ غَشِيَهُمُ النُّعاسُ بِبَدْرٍ.
قالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: النُّعاسُ يَحِلُّ في الرَّأْسِ مَعَ حَياةِ القَلْبِ، والنَّوْمُ يَحِلُّ في القَلْبِ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ الرَّأْسِ، فَهَوَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نامُوا فَبَشَّرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالنَّصْرِ فَأخْبَرَ بِهِ أبا بَكْرٍ.
وَفي امْتِنانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ.
الثّانِي: أنْ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، كَما قالَ: الأمْنُ مُنِيمٌ، والخَوْفُ مُسْهِرٌ.
(p-٣٠٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾ يَعْنِي بِهِ الدَّعَةَ وسُكُونَ النَّفْسِ مِنَ الخَوْفِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمَنَةٌ مِنَ العَدُوِّ.
الثّانِي: أمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
﴿ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ماءَ السَّماءِ مَعُونَةً لَهم بِثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها: الشُّرْبُ وإنْ كانُوا عَلى ماءٍ.
الثّانِي: وهو أخَصُّ أحْوالِهِ بِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ وهو أنَّ الرَّمْلَ تَلَبَّدَ بِالماءِ حَتّى أمْكَنَ المُسْلِمِينَ القِتالُ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: ما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن حالِ التَّطْهِيرِ.
وَفي تَطْهِيرِهِمْ بِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ الَّتِي ألْقى بِها في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّانِي: مِنَ الأحْداثِ والأنْجاسِ الَّتِي نالَتْهم، قالَهُ الجُمْهُورُ.
قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ماءً طَهَّرَ بِهِ ظَواهِرَ أبْدانِهِمْ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً نَقّى بِها سَرائِرَ قُلُوبِهِمْ.
وَإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأمْرَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها أخَصُّ صِفاتِهِ.
والثّانِي: أنَّها ألْزَمُ صِفاتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وسْوَسَتُهُ أنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ غَلَبُوهم عَلى الماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كَيْدُهُ وهو قَوْلُهُ: لَيْسَ لَكم بِهَؤُلاءِ القَوْمِ طاقَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ثِقَةٌ بِالنَّصْرِ.
والثّانِي: بِاسْتِيلائِهِمْ عَلى الماءِ.
(p-٣٠١)﴿ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالصَّبْرِ الَّذِي أفْرَغَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَثْبُتُوا لِعَدُوِّهِمْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: تَلْبِيدُ الرَّمْلِ بِالمَطَرِ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ﴾ مَعْناهُ مُعِينُكم ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ إنِّي مَعَكم في نُصْرَةِ الرَّسُولِ، فَتَكُونُ المَلائِكَةُ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ تَعالى مُتَوَلِّي النَّصْرِ بِما ألْقاهُ مِنَ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ.
﴿ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَثَبِّتُوهم بِحُضُورِكم مَعَهم في الحَرْبِ.
والثّانِي: بِقِتالِكم مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: بِإخْبارِهِمْ أنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ.
﴿ ﴾ يَعْنِي الخَوْفَ، ويَحْتَمِلُ أحَدَ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّعْبِ بِتَخاذُلِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِتَكْثِيرِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ.
وَفي ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ مَعُونَةً لَهم.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهُ لِيُثَبِّتُوا بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا.
﴿ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، وفَوْقَ صِلَةٌ زائِدَةٌ في الكَلامِ، قالَهُ عَطِيَّةُ والضَّحّاكُ.
وَقَدْ رَوى المَسْعُودِيُّ عَنِ القاسِمِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لِأُعَذِّبَ بِعَذابِ اللَّهِ وإنَّما بُعِثْتُ بِضَرْبِ الأعْناقِ وشَدِّ الوَثاقِ» . والثّانِي: مَعْناهُ واضْرِبُوا الرُّؤُوسَ فَوْقَ الأعْناقِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
(p-٣٠٢)والثّالِثُ: فاضْرِبُوا عَلى الأعْناقِ.
والرّابِعُ: فاضْرِبُوا عَلى الأعْناقِ.
والخامِسُ: فاضْرِبُوا فَوْقَ جِلْدَةِ الأعْناقِ.
﴿ ﴾ يَعْنِي المَفاصِلَ مِن أطْرافِ الأيْدِي والأرْجُلِ والبَنانِ: أطْرافُ الأصابِعِ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ.