All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Yūsuf 12:38 Juzʾ 12 Page 240

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And I have followed the religion of my fathers, Abraham, Isaac and Jacob. And it was not for us to associate anything with Allah. That is from the favor of Allah upon us and upon the people, but most of the people are not grateful.

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِجَوابٍ لِما سَألا عَنْهُ فَلا بُدَّ هَهُنا مِن بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي لِأجْلِهِ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الجَوابِ إلى هَذا الكَلامِ، والعُلَماءُ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا كانَ جَوابُ أحَدِ السّائِلِينَ أنَّهُ يُصْلَبُ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَتى سَمِعَ ذَلِكَ عَظُمَ حُزْنُهُ وتَشْتَدُّ نَفْرَتُهُ عَنْ سَماعِ هَذا الكَلامِ، فَرَأى أنَّ الصَّلاحَ أنْ يُقَدِّمَ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُؤَثِّرُ مَعَهُ بِعِلْمِهِ وكَلامِهِ، حَتّى إذا جاءَ بِها مِن بَعْدِ ذَلِكَ خَرَجَ جَوابُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ تُهْمَةٍ وعَداوَةٍ.

الثّانِي: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ دَرَجَتَهُ في العِلْمِ أعْلى وأعْظَمُ مِمّا اعْتَقَدُوا فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّهم طَلَبُوا مِنهُ عِلْمَ التَّعْبِيرِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا العِلْمَ مَبْنِيٌّ عَلى الظَّنِّ والتَّخْمِينِ، فَبَيَّنَ لَهُما أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ الإخْبارُ عَنِ الغُيُوبِ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ واليَقِينِ مَعَ عَجْزِ كُلِّ الخَلْقِ عَنْهُ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَبِأنْ يَكُونَ فائِقًا عَلى كُلِّ النّاسِ في عِلْمِ التَّعْبِيرِ كانَ أوْلى، فَكانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ تَقْرِيرَ كَوْنِهِ فائِقًا في عِلْمِ التَّعْبِيرِ واصِلًا فِيهِ إلى ما لَمْ يَصِلْ غَيْرُهُ.

والثّالِثُ: قالَ السُّدِّيُّ: ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ في النَّوْمِ بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ عِلْمَهُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا لَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلى شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

الرّابِعُ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّهُما اعْتَقَدا فِيهِ وقَبِلا قَوْلَهُ، فَأوْرَدَ عَلَيْهِما ما دَلَّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الِاشْتِغالَ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ الدِّينِ أوْلى مِنَ الِاشْتِغالِ بِمُهِمّاتِ الدُّنْيا.

والخامِسُ: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ سَيُصْلَبُ اجْتَهَدَ في أنْ يُدْخِلَهُ في الإسْلامِ حَتّى لا يَمُوتَ عَلى الكُفْرِ، ولا يَسْتَوْجِبَ العِقابَ الشَّدِيدَ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٤٢] .

والسّادِسُ: قَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مَحْمُولٌ عَلى اليَقَظَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا أخْبَرْتُكُما أيُّ طَعامٍ هو، وأيُّ لَوْنٍ هو، وكَمْ هو، وكَيْفَ يَكُونُ عاقِبَتُهُ؛ أيْ إذا أكَلَهُ الإنْسانُ فَهو يُفِيدُ الصِّحَّةَ أوِ السَّقَمَ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، قِيلَ: كانَ المَلِكُ إذا أرادَ قَتْلَ إنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا فَأرْسَلَهُ إلَيْهِ، فَقالَ يُوسُفُ: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ إلّا أخْبَرْتُكُما أنَّ فِيهِ سُمًّا أمْ لا، هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وحاصِلُهُ راجِعٌ إلى أنَّهُ ادَّعى الإخْبارَ عَنِ الغَيْبِ، وهو يَجْرِي مَجْرى قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ،

صفحة ١١٠
‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏، فالوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ فائِقًا في عِلْمِ التَّعْبِيرِ، والوُجُوهُ الثَّلاثَةُ الأُخَرُ لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ نَبِيًّا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ادِّعاءِ المُعْجِزَةِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمِ ادِّعاءٌ لِلنُّبُوَّةِ ؟

قُلْنا: إنَّهُ وإنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لَكِنْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ قَدْ ذَكَرَهُ، وأيْضًا فَفي قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ وفي قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ لَسْتُ أُخْبِرُكُما عَلى جِهَةِ الكَهانَةِ والنُّجُومِ، وإنَّما أخْبَرْتُكُما بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وعِلْمٍ حَصَلَ بِتَعْلِيمِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ تَوَهُّمٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ في هَذِهِ المِلَّةِ. فَنَقُولُ جَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ التَّرْكَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلشَّيْءِ ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ قَدْ كانَ خائِضًا فِيهِ.

والثّانِي وهو الأصَحُّ: أنْ يُقالَ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَبْدًا لَهم بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ واعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ، ولَعَلَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ كانَ لا يُظْهِرُ التَّوْحِيدَ والإيمانَ خَوْفًا مِنهم عَلى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ أظْهَرَهُ في هَذا الوَقْتِ، فَكانَ هَذا جارِيًا مَجْرى تَرْكِ مِلَّةَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَكْرِيرُ لَفْظِ ”هم“ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِبَيانِ اخْتِصاصِهِمْ بِالكُفْرِ، ولَعَلَّ إنْكارَهم لِلْمَعادِ أشَدُّ مِن إنْكارِهِمْ لِلْمَبْدَأِ، فَلِأجْلِ مُبالَغَتِهِمْ في إنْكارِ المَعادِ كَرَّرَ هَذا اللَّفْظَ لِلتَّأْكِيدِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَبْدَأِ. وقَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَعادِ، ومَن تَأمَّلَ في القُرْآنِ المَجِيدِ وتَفَكَّرَ في كَيْفِيَّةِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ صَرْفُ الخَلْقِ إلى الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ وبِالمَبْدَأِ والمَعادِ، وأنَّ ما وراءَ ذَلِكَ عَبَثٌ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا الكَلامِ ؟ .

الجَوابُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ وتَحَدّى بِالمُعْجِزَةِ وهو عِلْمُ الغَيْبِ قَرَنَ بِهِ كَوْنَهُ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وأنَّ أباهُ وجَدَّهُ وجَدَّ أبِيهِ كانُوا أنْبِياءَ اللَّهِ ورُسُلَهُ، فَإنَّ الإنْسانَ مَتى ادَّعى حِرْفَةَ أبِيهِ وجَدِّهِ لَمْ يُسْتَبْعَدْ ذَلِكَ مِنهُ، وأيْضًا فَكَما أنَّ دَرَجَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ كانَ أمْرًا مَشْهُورًا في الدُّنْيا، فَإذا ظَهَرَ أنَّهُ ولَدُهم عَظَّمُوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ بِعَيْنِ الإجْلالِ، فَكانَ انْقِيادُهم لَهُ أعَمَّ وتَأثُّرُ قُلُوبِهِمْ بِكَلامِهِ أكْمَلَ.

السُّؤالُ الثّانِي: لَمّا كانَ نَبِيًّا فَكَيْفَ قالَ: إنِّي اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي، والنَّبِيُّ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِشَرِيعَةِ نَفْسِهِ ؟ .

قُلْنا: لَعَلَّ مُرادَهُ التَّوْحِيدُ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ، وأيْضًا لَعَلَّهُ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، إلّا أنَّهُ كانَ عَلى شَرِيعَةِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ وحالُ كُلِّ المُكَلَّفِينَ كَذَلِكَ ؟ .

صفحة ١١١
والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ تَعالى طَهَّرَ آباءَهُ عَنِ الكُفْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [ مَرْيَمَ: ٣٥] .
السُّؤالُ الرّابِعُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ؟ .

الجَوابُ: أنَّ أصْنافَ الشِّرْكِ كَثِيرَةٌ، فَمِنهم مَن يَعْبُدُ الأصْنامَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ النّارَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ الكَواكِبَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ العَقْلَ والنَّفْسَ والطَّبِيعَةَ، فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ رَدٌّ عَلى كُلِّ هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ والفِرَقِ، وإرْشادٌ إلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو أنَّهُ لا مُوجِدَ إلّا اللَّهُ ولا خالِقَ إلّا اللَّهُ ولا رازِقَ إلّا اللَّهُ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ وفِيهِ مَسْألَةٌ، وهي أنَّهُ قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ الإشْراكِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَدَمَ الإشْراكِ وحُصُولَ الإيمانِ مِنَ اللَّهِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في حَقِّهِ بِعَيْنِهِ، وفي حَقِّ النّاسِ. ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لا يَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ، حُكِيَ أنَّ واحِدًا مِن أهْلِ السُّنَّةِ دَخَلَ عَلى بِشْرِ بْنِ المُعْتَمِرِ، وقالَ: هَلْ تَشْكُرُ اللَّهَ عَلى الإيمانِ أمْ لا ؟ فَإنْ قُلْتَ لا، فَقَدْ خالَفْتَ الإجْماعَ، وإنْ شَكَرْتَهُ فَكَيْفَ تَشْكُرُهُ عَلى ما لَيْسَ فِعْلًا لَهُ، فَقالَ لَهُ بِشْرٌ: إنّا نَشْكُرُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى أعْطانا القُدْرَةَ والعَقْلَ والآلَةَ، فَيَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَشْكُرَهُ عَلى إعْطاءِ القُدْرَةِ والآلَةِ، فَأمّا أنْ نَشْكُرَهُ عَلى الإيمانِ مَعَ أنَّ الإيمانَ لَيْسَ فِعْلًا لَهُ، فَذَلِكَ باطِلٌ؛ وصَعُبَ الكَلامُ عَلى بِشْرٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ ثُمامَةُ بْنُ الأشْرَسِ وقالَ: إنّا لا نَشْكُرُ اللَّهَ عَلى الإيمانِ، بَلِ اللَّهُ يَشْكُرُنا عَلَيْهِ كَما قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الإسراء: ١٩] فَقالَ بِشْرٌ: لَمّا صَعُبَ الكَلامُ سَهُلَ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي ألْزَمَهُ ثُمامَةُ باطِلٌ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ عَدَمَ الإشْراكِ مِن فَضْلِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وإنَّما ذَكَرَهُ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعالى عَلى نِعْمَةِ الإيمانِ وحِينَئِذٍ تَقْوى الحُجَّةُ وتَكْمُلُ الدَّلالَةُ. قالَ القاضِي: قَوْلُهُ: ‏‏‏ إنْ جَعَلْناهُ إشارَةً إلى التَّمَسُّكِ بِالتَّوْحِيدِ فَهو مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ إنَّما حَصَلَ بِألْطافِهِ وتَسْهِيلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى النُّبُوَّةِ.

والجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ السّابِقِ، وذاكَ هو تَرْكُ الإشْراكِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ تَرْكُ الإشْراكِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، والقاضِي يَصْرِفُهُ إلى الألْطافِ والتَّسْهِيلِ، فَكانَ هَذا تَرْكًا لِلظّاهِرِ، وأمّا صَرْفُهُ إلى النُّبُوَّةِ فَبَعِيدٌ، لِأنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الإشارَةِ يَجِبُ صَرْفُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو هَهُنا عَدَمُ الإشْراكِ.

The same ayah, in another commentary

Yūsuf 12:38