All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Kahf 18:48 Juzʾ 15 Page 299

‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And they will be presented before your Lord in rows, [and He will say], "You have certainly come to Us just as We created you the first time. But you claimed that We would never make for you an appointment."

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

صفحة ١١٣
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ خَساسَةَ الدُّنْيا وشَرَفَ القِيامَةِ أرْدَفَهُ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِي افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأعْوانِ، واخْتَلَفُوا في النّاصِبِ لِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ، واذْكُرْ لَهم: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

الثّانِي: أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ حَصَلَ كَذا وكَذا يُقالُ لَهم: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ لِأنَّ القَوْلَ مُضْمَرٌ في هَذا المَوْضِعِ فَكانَ المَعْنى أنَّهُ يُقالُ لَهم: هَذا في هَذا المَوْضِعِ.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ‏‏‏‏ ‏‏‏ في ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والأوَّلُ أظْهَرُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ مِن أحْوالِ القِيامَةِ أنْواعًا:

النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (تُسَيَّرُ) عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، (الجِبالُ) بِالرَّفْعِ بِإسْنادِ (تُسَيَّرُ) إلَيْهِ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ (التَّكْوِيرِ: ٣) والباقُونَ (نَسَيِّرُ) بِإسْنادِ فِعْلِ التَّسْيِيرِ إلى نَفْسِهِ تَعالى، (والجِبالَ) بِالنَّصْبِ لِكَوْنِهِ مَفْعُولَ نُسَيِّرُ، والمَعْنى نَحْنُ نَفْعَلُ بِها ذَلِكَ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّها إذا سُيِّرَتْ فَمُسَيِّرُها لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ.

ونَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ قِراءَةً أُخْرى وهي: (تَسِيرُ الجِبالُ) بِإسْنادِ تَسِيرُ إلى الجِبالِ.

البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها إلى أيْنَ تَسِيرُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُها إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ ولَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ المَوْضِعَ لِخَلْقِهِ، والحَقُّ أنَّ المُرادَ: أنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُها إلى العَدَمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ (طَهَ: ١٠٧) ولِقَوْلِهِ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ (الواقِعَةِ: ٥) .

والنَّوْعُ الثّانِي مِن أحْوالِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِها شَيْءٌ مِنَ العِماراتِ، ولا شَيْءٌ مِنَ الجِبالِ، ولا شَيْءٌ مِنَ الأشْجارِ، فَبَقِيَتْ بارِزَةً ظاهِرَةً لَيْسَ عَلَيْها ما يَسْتُرُها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ .

وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِها بارِزَةً أنَّها أبْرَزَتْ ما في بَطْنِها، وقَذَفَتِ المَوْتى المَقْبُورِينَ فِيها، فَهي بارِزَةُ الجَوْفِ والبَطْنِ، فَحُذِفَ ذِكْرُ الجَوْفِ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ (الِانْشِقاقِ: ٤) وقَوْلُهُ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ (الزَّلْزَلَةِ: ٢) وقَوْلُهُ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (إبْراهِيمَ: ٢١) .

وثالِثُها: أنَّ وُجُوهَ الأرْضِ كانَتْ مَسْتُورَةً بِالجِبالِ والبِحارِ، فَلَمّا أفْنى اللَّهُ تَعالى الجِبالَ والبِحارَ فَقَدْ بَرَزَتْ وُجُوهُ تِلْكَ البِقاعِ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَسْتُورَةً.

والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والمَعْنى: جَمَعْناهم لِلْحِسابِ، فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا، أيْ لَمْ نَتْرُكْ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ أحَدًا إلّا وجَمَعْناهم لِذَلِكَ اليَوْمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ( الواقِعَةِ:٤٩ - ٥٠) ومَعْنى لَمْ نُغادِرْ لَمْ نَتْرُكْ، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ إذا تَرَكَهُ، ومِنهُ الغَدْرُ تَرْكُ الوَفاءِ، ومِنهُ الغَدِيرُ؛ لِأنَّهُ ما تَرَكَتْهُ السُّيُولُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ ضَفِيرَةُ المَرْأةِ بِالغَدِيرَةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها.

ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حَشْرَ الخَلْقِ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ عَرْضِهِمْ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الصَّفِّ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ تُعْرَضُ الخَلْقُ كُلُّهم عَلى اللَّهِ صَفًّا واحِدًا ظاهِرِينَ بِحَيْثُ لا يَحْجُبُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ القَفّالُ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الصَّفُّ راجِعًا إلى الظُّهُورِ والبُرُوزِ، ومِنهُ اشْتُقَّ الصَّفْصَفُ لِلصَّحْراءِ.

وثانِيها: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ صُفُوفًا يَقِفُ بَعْضُهم وراءَ بَعْضٍ مِثْلَ الصُّفُوفِ

صفحة ١١٤
المُحِيطَةِ بِالكَعْبَةِ الَّتِي يَكُونُ بَعْضُها خَلْفَ بَعْضٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: صَفًّا صُفُوفًا كَقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ (غافِرٍ: ٦٧) أيْ أطْفالًا.
وثالِثُها: صَفًّا أيْ قِيامًا، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (الحَجِّ: ٣٦) قالُوا قِيامًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُشَبِّهَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ (الفَجْرِ: ٢٢) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في ذَلِكَ المَكانِ وتُعْرَضُ عَلَيْهِ أهْلُ القِيامَةِ صَفًّا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في ذَلِكَ المَكانِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ وُقُوفَهم في المَوْضِعِ الَّذِي يَسْألُهم فِيهِ عَنْ أعْمالِهِمْ ويُحاسِبُهم عَلَيْها عَرْضًا عَلَيْهِ، لا عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في مَكانٍ وعُرِضُوا عَلَيْهِ لِيَراهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يَراهم، ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ولَيْسَ المُرادُ حُصُولَ المُساواةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ؛ لِأنَّهم خُلِقُوا صِغارًا ولا عَقْلَ لَهم ولا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ بَلِ المُرادُ أنَّهُ قالَ لِلْمُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ المُفْتَخِرِينَ في الدُّنْيا عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِالأمْوالِ والأنْصارِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عُراةً حُفاةً بِغَيْرِ أمْوالٍ ولا أعْوانٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ (الأنْعامِ: ٩٤) وقالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٨٠) ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ كُنْتُمْ مَعَ التَّعَزُّزِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالأمْوالِ والأنْصارِ تُنْكِرُونَ البَعْثَ والقِيامَةَ، فالآنَ قَدْ تَرَكْتُمُ الأمْوالَ والأنْصارَ في الدُّنْيا وشاهَدْتُمْ أنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ حَقٌّ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمُرادُ: أنَّهُ يُوضَعُ في هَذا اليَوْمِ كِتابُ كُلِّ إنْسانٍ في يَدِهِ، إمّا في اليَمِينِ أوْ في الشَّمالِ، والمُرادُ الجِنْسُ وهو صُحُفُ الأعْمالِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ خائِفِينَ مِمّا في الكِتابِ مِن أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ وخائِفِينَ مِن ظُهُورِ ذَلِكَ لِأهْلِ المَوْقِفِ فَيَفْتَضِحُونَ، وبِالجُمْلَةِ يَحْصُلُ لَهم خَوْفُ العِقابِ مِنَ الحَقِّ وخَوْفُ الفَضِيحَةِ عِنْدَ الخَلْقِ، ويَقُولُونَ: يا ويْلَتَنا يُنادُونَ هِلْكَتَهُمُ الَّتِي هَلَكُوها خاصَّةً مِن بَيْنِ الهِلْكاتِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهي عِبارَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِمَعْنى لا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنَ المَعاصِي سَواءٌ كانَتْ صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً إلّا وهي مَذْكُورَةٌ في هَذا الكِتابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (الِانْفِطارِ: ١٠) وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ (الجاثِيَةِ: ٢٩) وإدْخالُ تاءِ التَّأْنِيثِ في الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ المُرادَ الفِعْلَةُ الصَّغِيرَةُ والكَبِيرَةُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إلّا ضَبَطَها وحَصَرَها، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ضَجُّوا مِنَ الصَّغائِرِ قَبْلَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصَّغائِرَ هي الَّتِي جَرَّتْهم إلى الكَبائِرِ، فاحْتَرَزُوا مِنَ الصَّغائِرِ جِدًّا: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في الصُّحُفِ عَتِيدًا أوْ جَزاءَ ما عَمِلُوا: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَكْتُبُ عَلَيْهِ ما لَمْ يَفْعَلْ، ولا يَزِيدُ في عِقابِهِ المُسْتَحَقِّ، ولا يُعَذِّبُ أحَدًا بِجُرْمِ غَيْرِهِ، بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ في مَسائِلَ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ عَذَّبَ عِبادَهُ مِن غَيْرِ فِعْلٍ صَدَرَ مِنهم لَكانَ ظالِمًا.

وثانِيها: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ الأطْفالَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ.

وثالِثُها: بُطْلانُ قَوْلِهِمْ: لِلَّهِ

صفحة ١١٥
أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويُعَذِّبَ مِن غَيْرِ جُرْمٍ؛ لِأنَّ الخَلْقَ خَلْقُهُ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ لِنَفْيِ الظُّلْمِ عَنْهُ مَعْنًى لَأنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ إذا فَعَلَ أيَّ شَيْءٍ أرادَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا مِنهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: إنَّهُ لا يَظْلِمُ فائِدَةٌ، فَيُقالُ لَهُ:
أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلَيْنِ: فَهو المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي.

وأمّا الجَوابُ عَنْ هَذا الثّالِثِ: فَهو أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ (مَرْيَمَ: ٣٥) ولَمْ يَدُلَّ هَذا عَلى أنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ صَحِيحٌ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: ”«يُحاسَبُ النّاسُ في القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةٍ يُوسُفَ، وأيُّوبَ، وسُلَيْمانَ، فَيَدْعُو بِالمَمْلُوكِ ويَقُولُ لَهُ: ما شَغَلَكَ عَنِّي، فَيَقُولُ: جَعَلْتَنِي عَبْدًا لِلْآدَمِيِّ فَلَمْ تُفَرِّغْنِي، فَيَدْعُو يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَقُولُ: كانَ هَذا عَبْدًا مِثْلَكَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ثُمَّ يَدْعُو بِالمُبْتَلِي فَإذا قالَ: شَغَلْتَنِي بِالبَلاءِ دَعا بِأيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَقُولُ: قَدِ ابْتَلَيْتُ هَذا بِأشَدَّ مِن بَلائِكَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ثُمَّ يُؤْتى بِالمَلِكِ في الدُّنْيا مَعَ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ، فَيَقُولُ: ماذا عَمِلْتَ فِيما آتَيْتُكَ ؟ فَيَقُولُ: شَغَلَنِي المُلْكُ عَنْ ذَلِكَ، فَيُدْعى بِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَقُولُ: هَذا عَبْدِي سُلَيْمانُ آتَيْتُهُ أكْثَرَ ما آتَيْتُكَ، فَلَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي، اذْهَبْ فَلا عُذْرَ لَكَ، ويُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ» “، وعَنْ مُعاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «لَنْ يَزُولَ قَدَمُ العَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُسْألَ عَنْ أرْبَعٍ: عَنْ جَسَدِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ كَيْفَ عَمِلَ بِهِ» .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى إثْباتِ صَغائِرَ وكَبائِرَ في الذُّنُوبِ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الكَبِيرَةُ ما يَزِيدُ عِقابُهُ عَلى ثَوابِ فاعِلِهِ، والصَّغِيرَةُ ما يَنْقُصُ عِقابُهُ عَنْ ثَوابِ فاعِلِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدَّ إنَّما يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ أنَّ الفِعْلَ يُوجِبُ ثَوابًا وعِقابًا، وذَلِكَ عِنْدَنا باطِلٌ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ، في إبْطالِ القَوْلِ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ بَلِ الحَقُّ عِنْدَنا أنَّ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ فَكُلُّ ما كانَ أقْوى في كَوْنِهِ جَهْلًا بِاللَّهِ كانَ أعْظَمَ في كَوْنِهِ كَبِيرَةً، وكُلُّ ما كانَ أقْوى في كَوْنِهِ إضْرارًا بِالغَيْرِ كانَ أكْثَرَ في كَوْنِهِ ذَنْبًا أوْ مَعْصِيَةً فَهَذا هو الضَّبْطُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Kahf 18:48