قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ بِالجَوابِ الجَدَلِيِّ أوَّلًا، ذَكَرَ بَعْدَهُ جَوابًا بُرْهانِيًّا في هَذِهِ الآيَةِ وهو: أنَّ الطَّرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِمْ، ولَمّا ظَهَرَ المُعْجِزُ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّتِهِ والإيمانُ بِرِسالَتِهِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ البَعْضِ بِالقَبُولِ وتَخْصِيصَ البَعْضِ بِالرَّدِّ يُوجِبُ المُناقَضَةَ في الدَّلِيلِ وأنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وهَذا هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ الإيمانُ بِإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى مَعَ القَوْلِ بِأنَّ شَرائِعَهم مَنسُوخَةٌ ؟ قُلْنا: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الشَّرائِعِ كانَ حَقًّا في زَمانِهِ فَلا يَلْزَمُ مِنّا المُناقَضَةُ، أمّا اليَهُودُ والنَّصارى لَمّا اعْتَرَفُوا بِنُبُوَّةِ بَعْضِ مَن ظَهَرَ المُعْجِزُ عَلَيْهِ، وأنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ قِيامِ المُعْجِزِ عَلى يَدِهِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُمُ المُناقَضَةُ فَظَهَرَ الفَرْقُ، ثُمَّ نَقُولُ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿ ﴾ ذَكَرُوا في مُقابَلَتِهِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ ﴾ ثُمَّ قالَ لِأُمَّتِهِ: ﴿ ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقالَ القاضِي قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ، أعْنِي النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمَّتَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿﴾ خِطابٌ عامٌّ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ ﷺ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ هو داخِلًا فِيهِ، واحْتَجَّ الحَسَنُ عَلى قَوْلِهِ بِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ﴾ .
الثّانِي: أنَّهُ في نِهايَةِ الشَّرَفِ، والظّاهِرُ إفْرادُهُ بِالخِطابِ.
والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ القَرائِنَ وإنْ كانَتْ مُحْتَمَلَةً إلّا أنَّها لا تَبْلُغُ في القُوَّةِ إلى حَيْثُ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ فَإنَّما قَدَّمَهُ لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ أصْلُ الإيمانِ بِالشَّرائِعِ، فَمَن لا يَعْرِفُ اللَّهَ اسْتَحالَ أنْ يَعْرِفَ نَبِيًّا أوْ كِتابًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ التَّعْلِيمِيَّةِ والمُقَلِّدَةِ القائِلِينَ بِأنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى: الكِتابُ والسُّنَّةُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿﴾ قالَ الخَلِيلُ: السِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبِيلَةِ في العَرَبِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ السِّبْطُ: الحافِدُ، وكانَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ سِبْطَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والأسْباطُ: الحَفَدَةُ وهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَرارِيُّ أبْنائِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ.
* * *
صفحة ٧٦
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنّا لا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، فَإنّا لَوْ فَعَلْنا كانَتِ المُناقَضَةُ لازِمَةً عَلى الدَّلِيلِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.
الثّانِي: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم، أيْ لا نَقُولُ: إنَّهم مُتَفَرِّقُونَ في أُصُولِ الدِّياناتِ، بَلْ هم مُجْتَمِعُونَ عَلى الأُصُولِ الَّتِي هي الإسْلامُ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ﴾ [الشُّورى: ١٣] . الوَجْهُ الأوَّلُ: ألْيَقُ بِسِياقِ الآيَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ فالمَعْنى أنَّ إسْلامَنا لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لا لِأجْلِ الهَوى، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو يَقْتَضِي أنَّهُ مَتى ظَهَرَ المُعْجِزُ وجَبَ الإيمانُ بِهِ. فَأمّا تَخْصِيصُ بَعْضِ أصْحابِ المُعْجِزاتِ بِالقَبُولِ، والبَعْضِ بِالرَّدِّ، فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ الإيمانِ لَيْسَ طاعَةَ اللَّهِ والِانْقِيادَ لَهُ، بَلِ اتِّباعُ الهَوى والمَيْلُ.