All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Baqarah 2:166 Juzʾ 2 Page 25

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى طَرِيقِ التَّهْدِيدِ زادَ في هَذا الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ أفْنَوْا عُمْرَهم عَلى عِبادَتِهِمْ واعْتَقَدُوا أنَّهم أوْكَدُ أسْبابِ نَجاتِهِمْ فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِنهم عِنْدَ احْتِياجِهِمْ إلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [العنكبوت: ٢٥] وقالَ أيْضًا: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٦٧] وقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأعراف: ٣٨] وحَكى عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

الثّانِي: أنَّ عامِلَ الإعْرابِ في (إذْ) مَعْنى (شَدِيدُ)، كَأنَّهُ قالَ: هو شَدِيدُ العَذابِ إذْ تَبَرَّأ يَعْنِي في وقْتِ التَّبَرُّؤِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ المَتْبُوعِينَ يَتَبَرَّءُونَ مِنَ الأتْباعِ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَبَيَّنَ تَعالى ما لِأجْلِهِ يَتَبَرَّءُونَ مِنهم، وهو عَجْزُهم عَنْ تَخْلِيصِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي رَأوْهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدْخُلُ في مَعْناهُ

صفحة ١٩٠
أنَّهم لَمْ يَجِدُوا إلى تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ وأتْباعِهِمْ سَبَبًا، والآيِسُ مِن كُلِّ وجْهٍ يَرْجُو بِهِ الخَلاصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ وبِأوْلِيائِهِ مِنَ البَلاءِ يُوصَفُ بِأنَّهُ تَقَطَّعَتْ بِهِ الأسْبابُ.
واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَؤُلاءِ المَتْبُوعِينَ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُمُ السّادَةُ والرُّؤَساءُ مِن مُشْرِكِي الإنْسِ؛ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وعَطاءٍ.

وثانِيها: أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ الَّذِينَ صارُوا مَتْبُوعِينَ لِلْكُفّارِ بِالوَسْوَسَةِ؛ عَنِ السُّدِّيِّ.

وثالِثُها: أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ.

ورابِعُها: الأوْثانُ الَّذِينَ كانُوا يُسَمُّونَها بِالآلِهَةِ.

والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الأقْرَبَ في الَّذِينَ اتَّبَعُوا أنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ مِنهُمُ الأمْرُ والنَّهْيُ حَتّى يُمْكِنَ أنْ يُتَّبَعُوا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالأصْنامِ، ويَجِبُ أيْضًا حَمْلُهم عَلى السّادَةِ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ وصْفُهم مِن عِظَمِهِمْ بِأنَّهم يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ دُونَ الشَّياطِينِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وقَرَأ مُجاهِدٌ الأوَّلَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والثّانِي عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ التَّبَرُّؤِ وُجُوهًا:

أحَدَها: أنْ يَقَعَ مِنهم ذَلِكَ بِالقَوْلِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ نُزُولُ العَذابِ بِهِمْ وعَجْزُهم عَنْ دَفْعِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ عَنْ غَيْرِهِمْ فَتَبَرَّءُوا.

وثالِثُها: أنَّهُ ظَهَرَ فِيهِمُ النَّدَمُ عَلى ما كانَ مِنهم مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ والإعْراضِ عَنْ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ النَّدَمُ تَبَرُّؤًا والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ هو الحَقِيقَةُ في اللَّفْظِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الواوُ لِلْحالِ، أيْ يَتَبَرَّءُونَ في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ، وهَذا أوْلى مِن سائِرِ الأقْوالِ؛ لِأنَّ في تِلْكَ الحالَةِ يَزْدادُ الهَوْلُ والخَوْفُ.

* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ عُطِفَ عَلى (تَبَرَّأ) وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الأسْبابِ سَبْعَةَ أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها المُواصَلاتُ الَّتِي كانُوا يَتَواصَلُونَ عَلَيْها؛ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ. الثّانِي: الأرْحامُ الَّتِي كانُوا يَتَعاطَفُونَ بِها؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: الأعْمالُ الَّتِي كانُوا يَلْزَمُونَها؛ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: العُهُودُ والحِلْفُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم يَتَوادُّونَ عَلَيْها؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الخامِسُ: ما كانُوا يَتَواصَلُونَ بِهِ مِنَ الكُفْرِ وكانَ بِها انْقِطاعُهم، عَنِ الأصَمِّ.

السّادِسُ: المَنازِلُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا؛ عَنِ الضَّحّاكِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

السّابِعُ: أسْبابُ النَّجاةِ تَقَطَّعَتْ عَنْهم. والأظْهَرُ دُخُولُ الكُلِّ فِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كالنَّفْيِ، فَيَعُمُّ الكُلَّ، فَكَأنَّهُ قالَ: وزالَ عَنْهم كُلُّ سَبَبٍ يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ، وأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِالأسْبابِ عَلى اخْتِلافِها مِن مَنزِلَةٍ وسَبَبٍ ونَسَبٍ وحِلْفٍ وعَقْدٍ وعَهْدٍ، وذَلِكَ نِهايَةُ ما يَكُونُ مِنَ اليَأْسِ، فَحَصَلَ فِيهِ التَّوْكِيدُ العَظِيمُ في الزَّجْرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِمَعْنى (عَنْ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٥٩ ] أيْ عَنْهُ، قالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدَةَ:

فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي بَصِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ
أيْ عَنِ النِّساءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أصْلُ السَّبَبِ في اللُّغَةِ الحَبْلُ، قالُوا: ولا يُدْعى الحَبْلُ سَبَبًا حَتّى يَنْزِلَ ويَصْعَدَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحج: ١٥] ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ شَيْءٍ وصَلْتَ بِهِ إلى مَوْضِعٍ أوْ حاجَةٍ

صفحة ١٩١
تُرِيدُها: سَبَبٌ. يُقالُ: ما بَيْنِي وبَيْنَكَ سَبَبٌ أيْ: رَحِمٌ ومَوَدَّةٌ، وقِيلَ لِلطَّرِيقِ: سَبَبٌ؛ لِأنَّكَ بِسُلُوكِهِ تَصِلُ المَوْضِعَ الَّذِي تُرِيدُهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] أيْ طَرِيقًا، وأسْبابُ السَّماواتِ: أبْوابُها؛ لِأنَّ الوُصُولَ إلى السَّماءِ يَكُونُ بِدُخُولِها، قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْفِرْعَوْنَ: ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٧] قالَ زُهَيْرٌ:

ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا تَنالُهُ ∗∗∗ ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
والمَوَدَّةُ بَيْنَ القَوْمِ تُسَمّى سَبَبًا؛ لِأنَّهم بِها يَتَواصَلُونَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَذَلِكَ تَمَنٍّ مِنهم؛ لِأنْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا وإلى حالِ التَّكْلِيفِ، فَيَكُونُ الِاخْتِيارُ إلَيْهِمْ حَتّى يَتَبَرَّءُوا مِنهم في الدُّنْيا كَما تَبَرَّءُوا مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ، ومَفْهُومُ الكَلامِ أنَّهم تَمَنَّوْا لَهم في الدُّنْيا ما يُقارِبُ العَذابَ، فَيَتَبَرَّءُونَ مِنهم ولا يُخَلِّصُونَهم ولا يَنْصُرُونَهم كَما فَعَلُوا بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم وقَدْ دَهَمَهم مِثْلُ هَذا الخَطْبِ كَما تَبَرَّءُوا مِنّا والحالَةُ هَذِهِ؛ لِأنَّهم إنْ تَمَنَّوُا التَّبَرُّؤَ مِنهم مَعَ سَلامَةٍ فَلَيْسَ فِيهِ فائِدَةٌ.

* * *
أمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وجْهانِ:

الأوَّلُ: كَتَبَرُّؤِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ، وذَلِكَ لِانْقِطاعِ الرَّجاءِ مِن كُلِّ أحَدٍ.

الثّانِي: كَما أراهُمُ العَذابَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ؛ لِأنَّهم أيْقَنُوا بِالهَلاكِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِالأعْمالِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: الطّاعاتُ، يَتَحَسَّرُونَ لِمَ ضَيَّعُوها، عَنِ السُّدِّيِّ.

الثّانِي: المَعاصِي وأعْمالُهُمُ الخَبِيثَةُ؛ عَنِ الرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ يَتَحَسَّرُونَ لِمَ عَمِلُوها.

الثّالِثُ: ثَوابُ طاعاتِهِمُ الَّتِي أتَوْا بِها فَأحْبَطُوهُ بِالكُفْرِ عَنِ الأصَمِّ.

الرّابِعُ: أعْمالُهُمُ الَّتِي تَقَرَّبُوا بِها إلى رُؤَسائِهِمْ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأعْمالُ الَّتِي اتَّبَعُوا فِيها السّادَةَ، وهو كُفْرُهم ومَعاصِيهِمْ، وإنَّما تَكُونُ حَسْرَةً بِأنْ رَأوْها في صَحِيفَتِهِمْ، وأيْقَنُوا بِالجَزاءِ عَلَيْها، وكانَ يُمْكِنُهم تَرْكُها والعُدُولُ إلى الطّاعاتِ، وفي هَذا الوَجْهِ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةٌ؛ لِأنَّهم عَمِلُوها، وفي الثّانِي مَجازٌ بِمَعْنى لَزِمَهم فَلَمْ يَقُومُوا بِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: حَسَراتٌ ثالِثُ مَفاعِيلِ رَأى.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: الحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدامَةِ حَتّى يَبْقى النّادِمُ كالحَسِيرِ مِنَ الدَّوابِّ، وهو الَّذِي لا مَنفَعَةَ فِيهِ، يُقالُ: حَسِرَ فُلانٌ يَحْسِرُ حَسْرَةً وحَسْرًا إذا اشْتَدَّ نَدَمُهُ عَلى أمْرٍ فاتَهُ، وأصْلُ الحَسْرِ الكَشْفُ، يُقالُ: حَسَرَ عَنْ ذِراعَيْهِ أيْ كَشَفَ، والحَسْرَةُ انْكِشافٌ عَنْ حالِ النَّدامَةِ، والحُسُورُ: الإعْياءُ؛ لِأنَّهُ انْكِشافُ الحالِ عَمّا أوْجَبَهُ طُولُ السَّفَرِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ١٩] والمِحْسَرَةُ المِكْنَسَةُ؛ لِأنَّها تَكْشِفُ عَنِ الأرْضِ، والطَّيْرُ تَنْحَسِرُ؛ لِأنَّها تَنْكَشِفُ بِذَهابِ الرِّيشِ.

* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الأصْحابُ عَلى أنَّ أصْحابَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ
صفحة ١٩٢
القِبْلَةِ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ ‏‏‏ ‏‏ تَخْصِيصٌ لَهم بِعَدَمِ الخُرُوجِ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عَدَمُ الخُرُوجِ مَخْصُوصًا بِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ تَكْشِفُ عَنِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الانفطار: ١٤] وثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالفُجّارِ هَهُنا الكُفّارُ لِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:166