All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Baqarah 2:272 Juzʾ 3 Page 46

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Not upon you, [O Muhammad], is [responsibility for] their guidance, but Allah guides whom He wills. And whatever good you [believers] spend is for yourselves, and you do not spend except seeking the countenance of Allah. And whatever you spend of good - it will be fully repaid to you, and you will not be wronged.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏

هَذا هو الحُكْمُ الرّابِعُ مِن أحْكامِ الإنْفاقِ، وهو بَيانُ أنَّ الَّذِي يَجُوزُ الإنْفاقُ عَلَيْهِ مَن هو. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في بَيانِ سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حِينَ «جاءَتْ نُتَيْلَةُ أُمُّ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ إلَيْها تَسْألُها، وكَذَلِكَ جَدَّتُها وهُما مُشْرِكَتانِ، أتَيا أسْماءَ يَسْألانِها شَيْئًا فَقالَتْ لا أُعْطِيكُما حَتّى أسْتَأْمِرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَإنَّكُما لَسْتُما عَلى دِينِي، فاسْتَأْمَرَتْهُ في ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تَتَصَدَّقَ عَلَيْهِما» .

والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: كانَ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ لَهم قَرابَةٌ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وكانُوا لا يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِمْ، ويَقُولُونَ ما لَمْ تُسْلِمُوا لا نُعْطِيكم شَيْئًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ ﷺ كانَ لا يَتَصَدَّقُ عَلى المُشْرِكِينَ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ والمَعْنى عَلى جَمِيعِ الرِّواياتِ: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدى مَن خالَفَكَ حَتّى تَمْنَعَهُمُ الصَّدَقَةَ لِأجْلِ أنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهِمْ لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا تُوقِفْ ذَلِكَ عَلى إسْلامِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المُمْتَحَنَةِ: ٨] فَرَخَّصَ في صِلَةِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ المُشْرِكِينَ.

صفحة ٦٨
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ ﷺ كانَ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الكَهْفِ: ٦] ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشُّعَراءِ: ٣] وقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [يُونُسَ: ٩٩] وقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ١٢٨] فَأعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ بَعَثَهُ بَشِيرًا ونَذِيرًا، وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا ومُبَيِّنًا لِلدَّلائِلِ، فَأمّا كَوْنُهم مُهْتَدِينَ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنكَ ولا بِكَ، فالهُدى هَهُنا بِمَعْنى الِاهْتِداءِ، فَسَواءٌ اهْتَدَوْا أوْ لَمْ يَهْتَدُوا فَلا تَقْطَعْ مَعُونَتَكَ وبِرَّكَ وصَدَقَتَكَ عَنْهم، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تُلْجِئَهم إلى الِاهْتِداءِ بِواسِطَةِ أنْ تُوقِفَ صَدَقَتَكَ عَنْهم عَلى إيمانِهِمْ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الإيمانِ لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، بَلِ الإيمانُ المَطْلُوبُ مِنهُمُ الإيمانُ عَلى سَبِيلِ التَّطَوُّعِ والِاخْتِيارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ خِطابٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ولَكِنَّ المُرادَ بِهِ هو وأُمَّتُهُ، ألا تَراهُ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٧١] وهَذا خِطابٌ عامٌّ، ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهو في الظّاهِرِ خاصٌّ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وهَذا عامٌّ فَيُفْهَمُ مِن عُمُومِ ما قَبْلَ الآيَةِ، وعُمُومُ ما بَعْدَها عُمُومُها أيْضًا.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ الأصْحابُ عَلى أنَّ هِدايَةَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ عامَّةٍ، بَلْ هي مَخْصُوصَةٌ بِالمُؤْمِنِينَ قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ إثْباتٌ لِلْهِدايَةِ الَّتِي نَفاها بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لَكِنَّ المَنفِيَّ بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هو حُصُولُ الِاهْتِداءِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ عِبارَةً عَنْ حُصُولِ الِاهْتِداءِ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاهْتِداءُ الحاصِلُ بِالِاخْتِيارِ واقِعًا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى وتَخْلِيقِهِ وتَكْوِينِهِ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ يَهْدِي بِالإثابَةِ والمُجازاةِ مَن يَشاءُ مِمَّنِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ.

وثانِيها: يَهْدِي بِالألْطافِ وزِياداتِ الهُدى مَن يَشاءُ.

وثالِثُها: ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي بِالإكْراهِ مَن يَشاءُ عَلى مَعْنى أنَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ.

ورابِعُها: أنَّهُ يَهْدِي بِالِاسْمِ والحُكْمِ مَن يَشاءُ، فَمَنِ اهْتَدى اسْتَحَقَّ أنْ يُمْدَحَ بِذَلِكَ.

أجابَ الأصْحابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ بِأسْرِها أنَّ المُثْبَتَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ هو المَنفِيُّ أوَّلًا بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لَكِنَّ المُرادَ بِذَلِكَ المَنفِيِّ بِقَوْلِهِ أوَّلًا: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هو الِاهْتِداءُ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، فالمُثْبَتُ بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو الِاهْتِداءَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِيارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يُسْقِطُ كُلَّ الوُجُوهِ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فالمَعْنى: وكُلُّ نَفَقَةٍ تُنْفِقُونَها مِن نَفَقاتِ الخَيْرِ فَإنَّما هو لِأنْفُسِكم أيْ لِيَحْصُلَ لِأنْفُسِكم ثَوابُهُ فَلَيْسَ يَضُرُّكم كُفْرُهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَسْتُمْ في صَدَقَتِكم عَلى أقارِبِكم مِنَ المُشْرِكِينَ تَقْصِدُونَ إلّا وجْهَ اللَّهِ، فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ هَذا مِن قُلُوبِكم، فَأنْفِقُوا عَلَيْهِمْ إذا كُنْتُمْ إنَّما تَبْتَغُونَ بِذَلِكَ

صفحة ٦٩
وجْهَ اللَّهِ في صِلَةِ رَحِمٍ وسَدِّ خَلَّةِ مُضْطَرٍّ؛ ولَيْسَ عَلَيْكُمُ اهْتِداؤُهم حَتّى يَمْنَعَكم ذَلِكَ مِنَ الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ.
الثّانِي: أنَّ هَذا وإنْ كانَ ظاهِرُهُ خَبَرًا إلّا أنَّ مَعْناهُ نَهْيٌ، أيْ ولا تُنْفِقُوا إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، ووَرَدَ الخَبَرُ بِمَعْنى الأمْرِ والنَّهْيِ كَثِيرًا، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٣٣] ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٢٨].

الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ولا تَكُونُوا مُنْفِقِينَ مُسْتَحِقِّينَ لِهَذا الِاسْمِ الَّذِي يُفِيدُ المَدْحَ حَتّى تَبْتَغُوا بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذُكِرَ في الوَجْهِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّكَ إذا قُلْتَ: فَعَلْتُهُ لِوَجْهِ زَيْدٍ فَهو أشْرَفُ في الذِّكْرِ مِن قَوْلِكَ: فَعَلْتُهُ لَهُ؛ لِأنَّ وجْهَ الشَّيْءِ أشْرَفُ ما فِيهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ يُعَبَّرُ عَنِ الشَّرَفِ بِهَذا اللَّفْظِ. والثّانِي: أنَّكَ إذا قُلْتَ: فَعَلْتُ هَذا الفِعْلَ لَهُ فَهَهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: فَعَلْتَهُ لَهُ ولِغَيْرِهِ أيْضًا، أمّا إذا قُلْتَ فَعَلْتُ هَذا الفِعْلَ لِوَجْهِهِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّكَ فَعَلْتَ الفِعْلَ لَهُ فَقَطْ ولَيْسَ لِغَيْرِهِ فِيهِ شَرِكَةٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكاةِ إلى غَيْرِ المُسْلِمِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةً بِصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وجَوَّزَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَرْفَ صَدَقَةِ الفِطْرِ إلى أهْلِ الذِّمَّةِ، وأباهُ غَيْرُهُ، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ كانَ شَرَّ خَلْقِ اللَّهِ لَكانَ لَكَ ثَوابُ نَفَقَتِكَ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ يُوَفَّ إلَيْكم جَزاؤُهُ في الآخِرَةِ، وإنَّما حَسُنَ قَوْلُهُ: (إلَيْكم) مَعَ التَّوْفِيَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ مَعْنى التَّأْدِيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ لا تُنْقَصُونَ مِن ثَوابِ أعْمالِكم شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الكَهْفِ: ٣٣] يُرِيدُ لَمْ تَنْقُصْ.

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:272