All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

An-Nūr 24:49 Juzʾ 18 Page 356

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

But if the right is theirs, they come to him in prompt obedience.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أتْبَعَهُ بِذَمِّ قَوْمٍ اعْتَرَفُوا بِالدِّينِ بِألْسِنَتِهِمْ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْبَلُوهُ بِقُلُوبِهِمْ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٩
المسألة الأُولى: قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بِشْرٍ المُنافِقِ وكانَ قَدْ خاصَمَ يَهُودِيًّا في أرْضٍ، وكانَ اليَهُودِيُّ يَجُرُّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُما، وجَعَلَ المُنافِقُ يَجُرُّهُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، ويَقُولُ إنَّ مُحَمَّدًا يَحِيفُ عَلَيْنا وقَدْ مَضَتْ قِصَّتُهُما في سُورَةِ النِّساءِ. وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في المُغِيرَةِ بْنِ وائِلٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أرْضٌ فَتَقاسَما فَوَقَعَ إلى عَلِيٍّ مِنها ما لا يُصِيبُهُ الماءُ إلّا بِمَشَقَّةٍ، فَقالَ المُغِيرَةُ بِعْنِي أرْضَكَ فَباعَها إيّاهُ وتَقابَضا، فَقِيلَ لِلْمُغِيرَةِ أخَذْتَ سَبْخَةً لا يَنالُها الماءُ. فَقالَ لِعَلِيٍّ اقْبِضْ أرْضَكَ فَإنَّما اشْتَرَيْتُها إنْ رَضِيتُها ولَمْ أرْضَها فَلا يَنالُها الماءُ، فَقالَ عَلِيٌّ بَلِ اشْتَرَيْتَها ورَضِيتَها وقَبَضْتَها وعَرَفْتَ حالَها لا أقْبَلُها مِنكَ، ودَعاهُ إلى أنْ يُخاصِمَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ المُغِيرَةُ: أمّا مُحَمَّدٌ فَلَسْتُ آتِيهِ ولا أُحاكِمُ إلَيْهِ فَإنَّهُ يُبْغِضُنِي وأنا أخافُ أنْ يَحِيفَ عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُسِرُّونَ الكُفْرَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإيمانَ لا يَكُونُ بِالقَوْلِ، إذْ لَوْ كانَ بِهِ لَما صَحَّ أنْ يَنْفِيَ كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ، وقَدْ فَعَلُوا ما هو إيمانٌ في الحَقِيقَةِ، فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ كُلِّهِمْ أنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا، ثُمَّ حَكى عَنْ فَرِيقٍ مِنهُمُ التَّوَلِّيَ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَقُولَ في جَمِيعِهِمْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مَعَ أنَّ الَّذِي تَوَلّى مِنهم هو البَعْضُ ؟ قُلْنا إنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ راجِعٌ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا لا إلى الجُمْلَةِ الأُولى، وأيْضًا فَلَوْ رَجَعَ إلى الأوَّلِ يَصِحُّ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ يَرْجِعُ هَذا الفَرِيقُ إلى الباقِينَ مِنهم فَيُظْهِرُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ الرُّجُوعَ عَمّا أظْهَرُوهُ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ، وهَذا تَرْكٌ لِلرِّضا بِحُكْمِ الرَّسُولِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى أنَّهم إنَّما يُعْرِضُونَ مَتى عَرَفُوا الحَقَّ لِغَيْرِهِمْ، أوْ شَكُّوا فَأمّا إذا عَرَفُوهُ لِأنْفُسِهِمْ عَدَلُوا عَنِ الإعْراضِ، بَلْ سارَعُوا إلى الحُكْمِ وأذْعَنُوا بِبَذْلِ الرِّضا، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِهِمُ اتِّباعُ الحَقِّ، وإنَّما يُرِيدُونَ النَّفْعَ المُعَجَّلَ، وذَلِكَ أيْضًا نِفاقٌ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: كَلِمَةُ ”أمْ“ لِلِاسْتِفْهامِ وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى اللَّهِ تَعالى. والجَوابُ: اللَّفْظُ اسْتِفْهامٌ ومَعْناهُ الخَبَرُ. كَما قالَ جَرِيرٌ:

ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا [وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ]
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهم لَوْ خافُوا أنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَدِ ارْتابُوا في الدِّينِ، وإذِ ارْتابُوا فَفي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فالكُلُّ واحِدٌ، فَأيُّ فائِدَةٍ في التَّعْدِيدِ ؟ الجَوابُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ إشارَةٌ إلى النِّفاقِ. وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى أنَّهُ حَدَثَ هَذا الشَّكُّ والرَّيْبُ بَعْدَ تَقْرِيرِ الإسْلامِ في القَلْبِ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى أنَّهم بَلَغُوا في حُبِّ الدُّنْيا إلى حَيْثُ يَتْرُكُونَ الدِّينَ بِسَبَبِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مُتَغايِرَةٌ ولَكِنَّها مُتَلازِمَةٌ فَكَيْفَ أدْخَلَ عَلَيْها كَلِمَةَ ”أمْ“ ؟ الجَوابُ:

صفحة ٢٠
الأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى ذَمَّهم عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأوْصافِ فَكانَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهو النِّفاقُ، وكانَ فِيها شَكٌّ وارْتِيابٌ، وكانُوا يَخافُونَ الحَيْفَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ كُفْرٌ ونِفاقٌ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ لِأنَّ الظُّلْمَ يَتَناوَلُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ كَما قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [لُقْمانَ: ١٣] إذِ المَرْءُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ ظالِمًا لِنَفْسِهِ أوْ ظالِمًا لِغَيْرِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا لَمّا ذَكَرَ تَعالى في الأقْسامِ كَوْنَهم خائِفِينَ مِنَ الحَيْفِ، أبْطَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ لا يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأمانَتِهِ وصِيانَتِهِ، وإنَّما هم ظالِمُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَظْلِمُوا مَن لَهُ الحَقُّ عَلَيْهِمْ وهم لَهُ جُحُودٌ، وذَلِكَ شَيْءٌ لا يَسْتَطِيعُونَهُ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَأْبَوْنَ المُحاكَمَةَ إلَيْهِ.

The same ayah, in another commentary

An-Nūr 24:49