All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Sabaʾ 34:46 Juzʾ 22 Page 433

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Say, "I only advise you of one [thing] - that you stand for Allah, [seeking truth] in pairs and individually, and then give thought." There is not in your companion any madness. He is only a warner to you before a severe punishment.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ .

وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ تَأْكِيدٌ لِبَيانِ تَقْلِيدِهِمْ يَعْنِي يَقُولُونَ عِنْدَما تُتْلى عَلَيْهِمُ الآياتُ البَيِّناتُ: هَذا رَجُلٌ كاذِبٌ، وقَوْلُهم: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ ولا كِتابٍ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ولا رَسُولٍ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، فالآياتُ البَيِّناتُ لا تُعارَضَ إلّا بِالبَراهِينِ العَقْلِيَّةِ، ولَمْ يَأْتُوا بِها أوْ بِالتَّقَلُّباتِ وما عِنْدَهم كِتابٌ ولا رَسُولٌ غَيْرَكَ، والنَّقْلُ المُعْتَبَرُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ خَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم كالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: وما بَلَغَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِعْشارَ ما آتَيْنا المُتَقَدِّمِينَ مِنَ القُوَّةِ والنِّعْمَةِ وطُولِ العُمُرِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أخَذَهم وما نَفَعَتْهم قُوَّتُهم، فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ، وعِنْدِي [ أنَّهُ ] يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وجْهًا آخَرَ وهو أنْ يُقالَ: المُرادُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْنا قَوْمَ مُحَمَّدٍ مِنَ البَيانِ والبُرْهانِ، وذَلِكَ لِأنَّ كِتابَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أكْمَلُ مِن سائِرِ الكُتُبِ وأوْضَحُ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الرُّسُلِ وأفْصَحُ، وبُرْهانُهُ أوْفى، وبَيانُهُ أشَفى، ثُمَّ إنَّ المُتَقَدِّمِينَ لَمّا كَذَّبُوا بِما جاءَهم مِنَ الكُتُبِ وبِمَن أتاهم مِنَ الرُّسُلِ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وكَيْفَ لا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كَذَّبُوا بِما جاءَهم مِنَ الكُتُبِ وبِمَن أتاهم مِنَ الرُّسُلِ ؟ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وكَيْفَ لا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كَذَّبُوا بِأفْصَحِ الرُّسُلِ، وأوْضَحِ السُّبُلِ ؟ يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي غَيْرَ القُرْآنِ ما آتَيْناهم كِتابًا وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ، فَلَمّا كانَ

صفحة ٢٣٢
المُؤْتى في الآيَةِ الأُولى هو الكِتابَ، فَحَمْلُ الإيتاءِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ عَلى إيتاءِ الكِتابِ أوْلى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
ذَكَرَ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ في هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ما سَبَقَ مِنهُ تَقْرِيرُها بِالدَّلائِلِ فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ إشارَةٌ إلى الرِّسالَةِ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى اليَوْمِ الآخِرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ إلّا بِالتَّوْحِيدِ، والإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا بِالِاعْتِرافِ بِالرِّسالَةِ والحَشْرِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الحَصْرُ المَذْكُورُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ؟ فَنَقُولُ: التَّوْحِيدُ هو المَقْصُودُ ومَن وحَّدَ اللَّهَ حَقَّ التَّوْحِيدِ يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ ويَرْفَعُ في الآخِرَةِ قَدْرَهُ فالنَّبِيُّ ﷺ أمَرَهم بِما يَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ العِباداتِ ويُهَيِّئُ لَهم أسْبابَ السَّعاداتِ، وجَوابٌ آخَرُ وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما قالَ: إنِّي لا آمُرُكم في جَمِيعِ عُمُرِي إلّا بِشَيْءٍ واحِدٍ، وإنَّما قالَ: أعِظُكم أوَّلًا بِالتَّوْحِيدِ ولا آمُرُكم في أوَّلِ الأمْرِ بِغَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ سابِقٌ عَلى الكُلِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فَإنَّ التَّفَكُّرَ أيْضًا صارَ مَأْمُورًا بِهِ ومَوْعُوظًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ قالَ المُفَسِّرُونَ: أنَّثَها عَلى أنَّها صِفَةُ خَصْلَةٍ؛ أيْ: أعِظُكم بِخَصْلَةٍ واحِدَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ حَسَنَةٌ واحِدَةٌ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ حَسَنَةٌ وإحْسانٌ، وقَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النحل: ٩٠] أنَّ العَدْلَ نَفْيُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، والإحْسانَ إثْباتُ الإلَهِيَّةِ لَهُ، وقِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرحمن: ٦٠] أنَّ المُرادَ: هَلْ جَزاءُ الإيمانِ إلّا الجِنانُ، وكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ [فصلت: ٣٣] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الأحْوالِ، فَإنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مَعَ غَيْرِهِ أوْ يَكُونَ وحْدَهُ، فَإذا كانَ مَعَ غَيْرِهِ دَخَلَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ وإذا كانَ وحْدَهُ دَخَلَ في قَوْلِهِ: ﴿فُرادى﴾ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: تَقُومُوا لِلَّهِ مُجْتَمِعِينَ ومُنْفَرِدِينَ لا تَمْنَعُكُمُ الجَمْعِيَّةُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ ولا يُحْوِجُكُمُ الِانْفِرادُ إلى مُعِينٍ يُعِينُكم عَلى ذِكْرِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي اعْتَرِفُوا بِما هو الأصْلُ والتَّوْحِيدُ ولا حاجَةَ فِيهِ إلى تَفَكُّرٍ ونَظَرٍ بَعْدَ ما بانَ وظَهَرَ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا فِيما أقُولُ بَعْدَهُ مِنَ الرِّسالَةِ والحَشْرِ، فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَفَكُّرٍ، وكَلِمَةُ ثُمَّ تُفِيدُ ما ذَكَرْنا، فَإنَّهُ قالَ: أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ وهو أمْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ يُفِيدُ كَوْنَهُ رَسُولًا وإنْ كانَ لا يَلْزَمُ في كُلِّ مَن لا يَكُونُ بِهِ جِنَّةٌ أنْ يَكُونَ رَسُولًا، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَظْهَرُ مِنهُ أشْياءُ لا تَكُونُ مَقْدُورَةً لِلْبَشَرِ، وغَيْرُ البَشَرِ مِمَّنْ تَظْهَرُ مِنهُ العَجائِبُ إمّا الجِنُّ أوِ المَلَكُ، وإذا لَمْ يَكُنِ الصّادِرُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِواسِطَةِ الجِنِّ يَكُونُ بِواسِطَةِ المَلَكِ أوْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو رَسُولُ اللَّهِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الطُّرُقِ، وهو أنْ يُثْبِتَ الصِّفَةَ الَّتِي هي أشْرَفُ الصِّفاتِ في البَشَرِ بِنَفْيِ أخَسِّ الصِّفاتِ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ أوَّلًا هو رَسُولُ اللَّهِ كانُوا يَقُولُونَ: فِيهِ النِّزاعُ، فَإذا قالَ: ما هو مَجْنُونٌ؛ لَمْ يَسَعْهم إنْكارُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وحالِهِ في قُوَّةِ لِسانِهِ

صفحة ٢٣٣
وبَيانِهِ فَإذا ساعَدُوا عَلى ذَلِكَ لَزِمَتْهُمُ المَسْألَةُ. ولِهَذا قالَ بَعْدَهُ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي إمّا هو بِهِ جِنَّةٌ أوْ هو رَسُولٌ لَكِنْ تَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ بِهِ جَنَّةٌ فَهو نَذِيرٌ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى قُرْبِ العَذابِ كَأنَّهُ قالَ: يُنْذِرُكم بِعَذابٍ حاضِرٍ يَمَسُّكم عَنْ قَرِيبٍ بَيْنَ يَدَيِ العَذابِ أيْ سَوْفَ يَأْتِي العَذابُ بَعْدَهُ.

The same ayah, in another commentary

Sabaʾ 34:46