All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Sabaʾ 34:47 Juzʾ 22 Page 433

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Say, "Whatever payment I might have asked of you - it is yours. My payment is only from Allah, and He is, over all things, Witness."

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ .

لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ ما بِهِ جِنَّةٌ لِيَلْزَمَ مِنهُ كَوْنُهُ نَبِيًّا ذَكَرَ وجْهًا آخَرَ يَلْزَمُ مِنهُ أنَّهُ نَبِيٌّ إذا لَمْ يَكُنْ مَجْنُونًا، فالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدَعْواهُ النُّبُوَّةَ يَجْعَلُ نَفْسَهُ عُرْضَةً لِلْهَلاكِ عاجِلًا، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقْصِدُهُ ويُعادِيهِ ولا يَطْلُبُ أجْرًا في الدُّنْيا فَهو يَفْعَلُهُ لِلْآخِرَةِ، والكاذِبُ في الآخِرَةِ مُعَذَّبٌ لا مُثابٌ، فَلَوْ كانَ كاذِبًا لَكانَ مَجْنُونًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ فَلَيْسَ بِكاذِبٍ، فَهو نَبِيٌّ صادِقٌ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ تَقْرِيرٌ آخَرُ لِلرِّسالَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرِّسالَةَ لا تَثْبُتُ إلّا بِالدَّعْوى والبَيِّنَةِ، بِأنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ النُّبُوَّةَ ويُظْهِرَ اللَّهُ لَهُ المُعْجِزَةَ فَهي بَيِّنَةٌ شاهِدَةٌ والتَّصْدِيقُ بِالفِعْلِ يَقُومُ مَقامَ التَّصْدِيقِ بِالقَوْلِ في إفادَةِ العِلْمِ بِدَلِيلِ أنَّ مَن قالَ لِقَوْمٍ: إنِّي مُرْسَلٌ مِن هَذا المَلِكِ إلَيْكم أُلْزِمُكم قَبُولَ قَوْلِي والمَلِكُ حاضِرٌ ناظِرٌ، ثُمَّ قالَ لِلْمَلِكِ: أيُّها المَلِكُ إنْ كُنْتُ أنا رَسُولَكَ إلَيْهِمْ فَقُلْ لَهم: إنِّي رَسُولُكَ، فَإذا قالَ إنَّهُ رَسُولِي إلَيْكم لا يَبْقى فِيهِ شَكٌّ، كَذَلِكَ إذا قالَ: يا أيُّها المَلِكُ إنْ كُنْتُ أنا رَسُولَكَ إلَيْهِمْ فَألْبِسْنِي قَباءَكَ فَلَوْ ألْبَسَهُ قَباءَهُ في عَقِبِ كَلامِهِ يَجْزِمُ النّاسُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، كَذَلِكَ حالُ الرَّسُولِ إذا قالَ الأنْبِياءُ لِقَوْمِهِمْ: نَحْنُ رُسُلُ اللَّهِ، ثُمَّ قالُوا: يا إلَهَنا إنْ كُنّا رُسُلَكَ فَأنْطِقْ هَذِهِ الحِجارَةَ أوْ أنْشِرْ هَذا المَيِّتَ فَفَعَلَهُ؛ حَصَلَ الجَزْمُ بِأنَّهُ صَدَّقَهُ.

‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: يَقْذِفُ بِالحَقِّ في قُلُوبِ المُحِقِّينَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ لِلْآيَةِ بِما قَبْلَها تَعَلُّقٌ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ رِسالَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [سبأ: ٤٦] وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وكانَ مِن عادَةِ المُشْرِكِينَ اسْتِبْعادُ تَخْصِيصِ واحِدٍ مِن بَيْنِهِمْ بِإنْزالِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] ذَكَرَ ما يَصْلُحُ جَوابًا لَهم فَقالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ في القُلُوبِ؛ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ بِيَدِهِ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ويُعْطِي ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إشارَةً إلى جَوابِ سُؤالٍ فاسِدٍ يُذْكَرُ عَلَيْهِ وهو أنَّ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا كَما يُرِيدُ مِن غَيْرِ اخْتِصاصِ مَحَلِّ الفِعْلِ بِشَيْءٍ لا يُوجَدُ في غَيْرِهِ لا يَكُونُ عالِمًا وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ اتِّفاقًا، كَما إذا أصابَ السَّهْمُ مَوْضِعًا دُونَ غَيْرِهِ مَعَ تَسْوِيَةِ المَواضِعِ في المُحاذاةِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ كَيْفَ يَشاءُ وهو عالِمٌ بِما يَفْعَلُهُ وعالِمٌ بِعَواقِبِ ما يَفْعَلُهُ فَهو يَفْعَلُ ما يُرِيدُ لا كَما يَفْعَلُهُ الهاجِمُ الغافِلُ عَنِ العَواقِبِ إذْ هو عَلّامُ الغُيُوبِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ هو أنَّهُ يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ كَما قالَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

صفحة ٢٣٤
﴿الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨] وعَلى هَذا تَعَلُّقُ الآيَةِ بِما قَبْلَها أيْضًا ظاهِرٌ وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ بَراهِينَ التَّوْحِيدِ لَمّا ظَهَرَتْ ودَحَضَتْ شُبَهَهم قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ عَلى باطِلِكم، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى هَذا الوَجْهِ لَهُ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ البُرْهانَ الباهِرَ المَعْقُولَ الظّاهِرَ لَمْ يَقُمْ إلّا عَلى التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ، وأمّا الحَشْرُ فَعَلى وُقُوعِهِ لا بُرْهانَ غَيْرُ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ، وعَنْ أحْوالِهِ وأهْوالِهِ، ولَوْلا بَيانُ اللَّهِ بِالقَوْلِ لَما بانَ لِأحَدٍ بِخِلافِ التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ، فَلَمّا قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ عَلى الباطِلِ، إشارَةً إلى ظُهُورِ البَراهِينِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ما يُخْبِرُهُ عَنِ الغَيْبِ وهو قِيامُ السّاعَةِ وأحْوالُها، فَهو لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ، والآيَةُ تَحْتَمِلُ تَفْسِيرًا آخَرَ وهو أنْ يُقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ ما يَقْذِفُهُ يَقْذِفُهُ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ، والباءُ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالمَفْعُولِ بِهِ؛ أيِ: الحَقُّ مَقْذُوفٌ، وعَلى هَذا الباءُ فِيهِ كالباءِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٦٩] وفي قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [ص: ٢٦] والمَعْنى عَلى هَذا الوَجْهِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى قَذَفَ ما قَذَفَ في قَلْبِ الرُّسُلِ وهو عَلّامُ الغُيُوبِ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِهِمْ وما في قُلُوبِكم.

The same ayah, in another commentary

Sabaʾ 34:47