All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Az-Zumar 39:73 Juzʾ 24 Page 466

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

But those who feared their Lord will be driven to Paradise in groups until, when they reach it while its gates have been opened and its keepers say, "Peace be upon you; you have become pure; so enter it to abide eternally therein," [they will enter].

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وقالُوا ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ أهْلِ العِقابِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، شَرَحَ أحْوالَ أهْلِ الثَّوابِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَإنْ قِيلَ: السَّوْقُ في أهْلِ النّارِ لِلْعَذابِ مَعْقُولٌ؛ لِأنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالذَّهابِ إلى مَوْضِعِ العَذابِ والشَّقاوَةِ لا بُدَّ وأنْ يُساقُوا إلَيْهِ، وأمّا أهْلُ الثَّوابِ فَإذا أُمِرُوا بِالذَّهابِ إلى مَوْضِعِ الكَرامَةِ والرّاحَةِ والسَّعادَةِ، فَأيُّ حاجَةٍ فِيهِ إلى السَّوْقِ؟

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المَحَبَّةَ والصَّداقَةَ باقِيَةٌ بَيْنَ المُتَّقِينَ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزُّخْرُفِ: ٦٧] فَإذا قِيلَ لِواحِدٍ مِنهم: اذْهَبْ إلى الجَنَّةِ فَيَقُولُ: لا أدْخُلُها حَتّى يَدْخُلَها أحِبّائِي وأصْدِقائِي، فَيَتَأخَّرُونَ لِهَذا السَّبَبِ، فَحِينَئِذٍ يَحْتاجُونَ إلى أنْ يُساقُوا إلى الجَنَّةِ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم قَدْ عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى لا لِلْجَنَّةِ ولا لِلنّارِ، فَتَصِيرُ شِدَّةُ اسْتِغْراقِهِمْ في مُشاهَدَةِ مَواقِفَ الجَلالِ والجَمالِ مانِعَةً لَهم عَنِ الرَّغْبَةِ في الجَنَّةِ، فَلا جَرَمَ يَحْتاجُونَ إلى أنْ يُساقُوا إلى الجَنَّةِ.

والثّالِثُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«أكْثَرُ أهْلِ الجَنَّةِ البُلْهُ وعِلِّيُّونَ لِلْأبْرارِ» “ فَلِهَذا السَّبَبِ يُساقُونَ إلى الجَنَّةِ. والرّابِعُ: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ وأهْلَ النّارِ يُساقُونَ إلّا أنَّ المُرادَ بِسَوْقِ أهْلِ النّارِ طَرْدُهم إلَيْها بِالهَوانِ والعُنْفِ كَما يُفْعَلُ بِالأسِيرِ إذا سِيقَ إلى الحَبْسِ والقَيْدِ، والمُرادُ بِسَوْقِ أهْلِ الجَنَّةِ سَوْقُ مَراكِبِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يُذْهَبُ بِهِمْ إلّا راكِبِينَ، والمُرادُ بِذَلِكَ السَّوْقِ إسْراعُهم إلى دارِ الكَرامَةِ والرِّضْوانِ كَما يُفْعَلُ بِمَن يُشَرَّفُ ويُكَرَّمُ مِنَ الوافِدِينَ عَلى المُلُوكِ، فَشَتّانَ ما بَيْنَ السَّوْقَيْنِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الآيَةَ، واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ هَذا الكَلامِ شَرْطٌ واحِدٌ مُرَكَّبٌ مِن قُيُودٍ؛ القَيْدُ الأوَّلُ: هو مَجِيئُهم إلى الجَنَّةِ. والقَيْدُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَإنْ قِيلَ: قالَ أهْلَ النّارِ: فُتِحَتْ أبْوابُها، بِغَيْرِ الواوِ، وقالَ هاهُنا بِالواوِ فَما الفَرْقُ؟ قُلْنا: الفَرْقُ أنَّ أبْوابَ جَهَنَّمَ لا تُفْتَحُ إلّا عِنْدَ دُخُولِ أهْلِها فِيها، فَأمّا أبْوابُ الجَنَّةِ فَفَتْحُها يَكُونُ مُتَقَدِّمًا عَلى وُصُولِهِمْ إلَيْها بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ٥٠] فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالواوِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى إذا جاءُوها وقَدْ فُتِحَتْ أبْوابُها. القَيْدُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ خَزَنَةَ
صفحة ٢١
الجَنَّةِ يَذْكُرُونَ لِأهْلِ الثَّوابِ هَذِهِ الكَلِماتِ الثَّلاثِ، فَأوَّلُها: قَوْلُهم ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم يُبَشِّرُونَهم بِالسَّلامَةِ مِن كُلِّ الآفاتِ. وثانِيها: قَوْلُهم ‏‏‏‏ والمَعْنى طِبْتُمْ مِن دَنَسِ المَعاصِي وطَهُرْتُمْ مِن خُبْثِ الخَطايا. وثالِثُها: قَوْلُهم ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والفاءُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الدُّخُولُ مُعَلَّلًا بِالطِّيبِ والطَّهارَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا لا يَدْخُلُها إلّا إذا كانَ طاهِرًا عَنْ كُلِّ المَعاصِي، قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَعالى يُبَدِّلُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُونَ طَيِّبِينَ طاهِرِينَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، فَإنْ قِيلَ: فَهَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هو الشَّرْطُ فَأيْنَ الجَوابُ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ؛ الأوَّلُ: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ والمَقْصُودُ مِنَ الحَذْفِ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّهُ بَلَغَ في الكَمالِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ.
الثّانِي: أنَّ الجَوابَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والواوُ مَحْذُوفٌ، والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ المَلائِكَةَ إذا خاطَبُوا المُتَّقِينَ بِهَذِهِ الكَلِماتِ، قالَ المُتَّقُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فُصِّلَتْ: ٣٠] ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الزُّمَرِ: ٧٤] والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضُ الجَنَّةِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالإرْثِ لِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ الجَنَّةَ كانَتْ في أوَّلِ الأمْرِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٣٥] فَلَمّا عادَتِ الجَنَّةُ إلى أوْلادِ آدَمَ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَسْمِيَتِها بِالإرْثِ. الثّانِي: أنَّ هَذا اللَّفْظَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ القائِلِ: هَذا العَمَلُ أوْرَثَ كَذا وهَذا العَمَلُ أوْرَثَ كَذا، فَلَمّا كانَتْ طاعَتُهم قَدْ أفادَتْهُمُ الجَنَّةَ، لا جَرَمَ قالُوا: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْرَثَنا الجَنَّةَ بِأنْ وفَّقَنا لِلْإتْيانِ بِأعْمالٍ أوْرَثَتِ الجَنَّةَ.

الثّالِثُ: أنَّ الوارِثَ يَتَصَرَّفُ فِيما يَرِثُهُ كَما يَشاءُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ ولا مُدافِعٍ، فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ يَتَصَرَّفُونَ في الجَنَّةِ كَيْفَ شاءُوا وأرادُوا، والمُشابَهَةُ عِلَّةُ حُسْنِ المَجازِ، فَإنْ قِيلَ ما مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَلْ يَتَبَوَّأُ أحَدُهم مَكانَ غَيْرِهِ؟ قُلْنا: يَكُونُ لِكُلِّ أحَدٍ جَنَّةٌ لا يَحْتاجُ مَعَها إلى جَنَّةِ غَيْرِهِ، قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: الجَنّاتُ نَوْعانِ: الجَنّاتُ الجُسْمانِيَّةُ والجَنّاتُ الرُّوحانِيَّةُ؛ فالجَنّاتُ الجُسْمانِيَّةُ لا تَحْتَمِلُ المُشارَكَةَ فِيها، أمّا الرُّوحانِيّاتُ فَحُصُولُها لِواحِدٍ لا يَمْنَعُ مِن حُصُولِها لِلْآخَرِينَ، ولَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى صِفَةَ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ مُقاتِلٌ: لَيْسَ هَذا مِن كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ، بَلْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمّا حَكى ما جَرى بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ المُتَّقِينَ مِن صِفَةِ ثَوابِ أهْلِ الجَنَّةِ قالَ بَعْدَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَمّا قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ثَوابَ المَلائِكَةِ فَقالَ: كَما أنَّ دارَ ثَوابِ المُتَّقِينَ المُؤْمِنِينَ هي الجَنَّةُ، فَكَذَلِكَ دارُ ثَوابِ المَلائِكَةِ جَوانِبُ العَرْشِ وأطْرافُهُ، فَلِهَذا قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ مُحَلِّقِينَ بِالعَرْشِ. قالَ اللَّيْثَ: يُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا: إذا طافُوا بِهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا، فَنَقُولُ: بَيَّنَ تَعالى أنَّ دارَ ثَوابِهِمْ هو جَوانِبُ العَرْشِ وأطْرافُهُ ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّ ثَوابَهم هو عَيْنُ ذَلِكَ التَّحْمِيدِ والتَّسْبِيحِ، وحِينَئِذٍ رَجَعَ حاصِلُ الكَلامِ إلى أنَّ أعْظَمَ دَرَجاتِ الثَّوابِ اسْتِغْراقُ قُلُوبِ العِبادِ في دَرَجاتِ التَّنْزِيهِ ومَنازِلِ التَّقْدِيسِ.

The same ayah, in another commentary

Az-Zumar 39:73