All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Ash-Shūrā 42:7 Juzʾ 25 Page 483

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And thus We have revealed to you an Arabic Qur'an that you may warn the Mother of Cities [Makkah] and those around it and warn of the Day of Assembly, about which there is no doubt. A party will be in Paradise and a party in the Blaze.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏

واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ ”ذَلِكَ“ لِلْإشارَةِ إلى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي تَشْبِيهَ وحْيِ اللَّهِ بِالقُرْآنِ بِشَيْءٍ هَهُنا قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، ولَيْسَ هَهُنا شَيْءٌ سَبَقَ ذِكْرُهُ يُمْكِنُ تَشْبِيهُ وحْيِ القُرْآنِ بِهِ إلّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٦] يَعْنِي كَما أوْحَيْنا إلَيْكَ أنَّكَ لَسْتَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ولَسْتَ وكِيلًا عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتَكُونَ نَذِيرًا لَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى لِأنَّ البَلَدَ لا تَعْقِلُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وأُمُّ القُرى أصْلُ القُرى وهي مَكَّةُ وسُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ إجْلالًا لَها؛ لِأنَّ فِيها البَيْتَ ومَقامَ إبْراهِيمَ، والعَرَبُ تُسَمِّي أصْلَ كُلِّ شَيْءِ أُمَّهُ حَتّى يُقالَ: هَذِهِ القَصِيدَةُ مِن أُمَّهاتِ قَصائِدِ فُلانٍ، ومَن حَوْلَها مِن أهْلِ البَدْوِ والحَضَرِ وأهْلِ المَدَرِ، والإنْذارُ التَّخْوِيفُ، فَإنْ قِيلَ فَظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أوْحى إلَيْهِ لِيُنْذِرَ أهْلَ مَكَّةَ وأهْلَ القُرى المُحِيطَةِ بِمَكَّةَ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ رَسُولًا إلَيْهِمْ فَقَطْ وأنْ لا يَكُونَ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ. والجَوابُ: أنَّ

صفحة ١٢٨
التَّخْصِيصَ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا سِواهُ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى هَؤُلاءِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [سبأ: ٢٨] يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا إلى كُلِّ العالَمِينَ، أيْضًا لَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَسُولًا إلى أهْلِ مَكَّةَ وجَبَ كَوْنُهُ صادِقًا، ثُمَّ إنَّهُ نُقِلَ إلَيْنا بِالتَّواتُرِ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ، والصّادِقُ إذا أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ وجَبَ تَصْدِيقُهُ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ رَسُولٌ إلى كُلِّ العالَمِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ الأصْلُ أنْ يُقالَ: أنْذَرْتُ فُلانًا بِكَذا، فَكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى بِيَوْمِ الجَمْعِ، وأيْضًا فِيهِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى بِعَذابِ يَوْمِ الجَمْعِ وفي تَسْمِيَتِهِ بِيَوْمِ الجَمْعِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الخَلائِقَ يُجْمَعُونَ فِيهِ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التغابن: ٩] فَيَجْتَمِعُ فِيهِ أهْلُ السَّماواتِ مَعَ أهْلِ الأرْضِ.

الثّانِي: أنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الأرْواحِ والأجْسادِ.

الثّالِثُ: يَجْمَعُ بَيْنَ كُلِّ عامِلٍ وعَمَلِهِ.

الرّابِعُ: يَجْمَعُ بَيْنَ الظّالِمِ والمَظْلُومِ.

وقَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ صِفَةٌ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ تَقْدِيرُهُ لِيَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي مِن صِفَتِهِ يَكُونُ القَوْمُ فِيهِ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَقْتَضِي كَوْنَ القَوْمِ مُجْتَمِعِينَ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي كَوْنَهم مُتَفَرِّقِينَ، والجَمْعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ مُحالٌ، قُلْنا إنَّهم يَجْتَمِعُونَ أوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُونَ فَرِيقَيْنِ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ والمُرادُ تَقْرِيرُ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٦] أيْ لا يَكُنْ في قُدْرَتِكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ البَعْضَ مُؤْمِنًا والبَعْضَ كافِرًا، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أدْخَلَهم في الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى ما أدْخَلَهم في رَحْمَتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ إنَّما دَخَلُوا في رَحْمَتِهِ، لِأنَّهُ كانَ لَهم ولِيٌّ ونَصِيرٌ أدْخَلَهم في تِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهَؤُلاءِ ما كانَ لَهم ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ يُدْخِلُهم في رَحْمَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أوَّلًا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لَسْتَ عَلَيْهِمْ رَقِيبًا ولا حافِظًا، ولا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ شاءُوا أمْ أبَوْا، فَإنَّ هَذا المَعْنى لَوْ كانَ واجِبًا لَفَعَلَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنكَ، ثُمَّ إنَّهُ أعادَ بَعْدَهُ ذَلِكَ الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْكارِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ والفاءُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ أرادُوا أوْلِياءَ بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ لا ولِيَّ سِواهُ؛ لِأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَهو الحَقِيقُ بِأنْ يَتَّخِذَ ولِيًّا دُونَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: وجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى كَما مَنَعَ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَحْمِلَ الكُفّارَ عَلى الإيمانِ قَهْرًا، فَكَذَلِكَ مَنَعَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَشْرَعُوا مَعَهم في الخُصُوماتِ والمُنازَعاتِ، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ ومُعاقَبَةُ المُبْطِلِينَ، وقِيلَ وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ وتَنازَعْتُمْ فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ، ولا تُؤَثِّرُ حُكُومَةُ غَيْرِهِ عَلى حُكُومَتِهِ، وقِيلَ: وما وقَعَ بَيْنَكم فِيهِ خِلافٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عَمَلِهِ كَحَقِيقَةِ الرُّوحِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، قالَ تَعالى:

صفحة ١٢٩
‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [الإسْراءِ: ٨٥] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ كَأنَّهُ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِن نَصِّ اللَّهِ عَلَيْهِ، أوِ المُرادُ: فَحُكْمُهُ مُسْتَفادٌ مِنَ القِياسِ عَلى ما نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالقِياسِ بِأنَّهُ باطِلٌ، فَيُعْتَبَرُ الأوَّلُ، فَوَجَبَ كَوْنُ كُلِّ الأحْكامِ مُثْبَتَةً بِالنَّصِّ، وذَلِكَ يَنْفِي العَمَلَ بِالقِياسِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: فَحُكْمُهُ يُعْرَفُ مِن بَيانِ اللَّهِ تَعالى، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ البَيانُ بِالنَّصِّ أوْ بِالقِياسِ ؟ أُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّحاكُمِ إلى اللَّهِ قَطْعُ الِاخْتِلافِ، والرُّجُوعُ إلى القِياسِ يُقَوِّي حُكْمَ الِاخْتِلافِ ولا يُوَضِّحُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الواجِبُ هو الرُّجُوعَ إلى نُصُوصِ اللَّهِ تَعالى.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ أيْ ذَلِكُمُ الحاكِمُ بَيْنَكم هو ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ في دَفْعِ كَيْدِ الأعْداءِ وفي طَلَبِ كُلِّ خَيْرٍ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ وإلَيْهِ أرْجِعُ في كُلِّ المُهِمّاتِ، وقَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لا أتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ، وهو إشارَةٌ إلى تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قُرِئَ بِالرَّفْعِ والجَرِّ، فالرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”ذَلِكم“، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجَرُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هَكَذا: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مِن جِنْسِكم مِنَ النّاسِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ خَلَقَ مِنَ الأنْعامِ أزْواجًا، ومَعْناهُ: وخَلَقَ أيْضًا لِلْأنْعامِ مِن أنْفُسِها أزْواجًا ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ أيْ يُكَثِّرُكم، يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، أيْ كَثَّرَهم، وقَوْلُهُ ‏‏‏‏ أيْ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو التَّزْوِيجُ، وهو أنْ جَعَلَ النّاسَ والأنْعامَ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ، والضَّمِيرُ في ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، إلّا أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ النّاسِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِ العُقَلاءِ.

الثّانِي: أنَّهُ غَلَّبَ فِيهِ جانِبَ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”يَذْرَؤُكم“ في هَذا التَّدْبِيرِ، ولِمَ لَمْ يَقُلْ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْنا: جُعِلَ هَذا التَّدْبِيرُ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِهَذا التَّكْثِيرِ، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ١٧٩] .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذِهِ الآيَةُ فِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ عُلَماءُ التَّوْحِيدِ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِهَذِهِ الآيَةِ في نَفْيِ كَوْنِهِ تَعالى جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنَ الأعْضاءِ والأجْزاءِ وحاصِلًا في المَكانِ والجِهَةِ، وقالُوا: لَوْ كانَ جِسْمًا لَكانَ مِثْلًا لِسائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ حُصُولُ الأمْثالِ والأشْباهِ لَهُ، وذَلِكَ باطِلٌ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ويُمْكِنُ إيرادُ هَذِهِ الحُجَّةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَيُقالُ: إمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ في ماهِيّاتِ الذّاتِ، أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ في الصِّفاتِ شَيْءٌ، والثّانِي باطِلٌ؛ لِأنَّ العِبادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ قادِرِينَ، كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ مَذْكُورِينَ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِالمُماثَلَةِ

صفحة ١٣٠
المُساواةُ في حَقِيقَةِ الذّاتِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ شَيْئًا مِنَ الذَّواتِ لا يُساوِي اللَّهَ تَعالى في الذّاتِيَّةِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى جِسْمًا، لَكانَ كَوْنُهُ جِسْمًا ذاتًا لا صِفَةً، فَإذا كانَ سائِرُ الأجْسامِ مُساوِيَةً لَهُ في الجِسْمِيَّةِ، أعْنِي في كَوْنِها مُتَحَيِّزَةً طَوِيلَةً عَرِيضَةً عَمِيقَةً، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ سائِرُ الأجْسامِ مُماثِلَةً لِذاتِ اللَّهِ تَعالى في كَوْنِهِ ذاتًا، والنَّصُّ يَنْفِي ذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا.
واعْلَمْ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أوْرَدَ اسْتِدْلالَ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ في الكِتابِ الَّذِي سَمّاهُ ”بِالتَّوْحِيدِ“، وهو في الحَقِيقَةِ كِتابُ الشِّرْكِ، واعْتَرَضَ عَلَيْها، وأنا أذْكُرُ حاصِلَ كَلامِهِ بَعْدَ حَذْفِ التَّطْوِيلاتِ، لِأنَّهُ كانَ رَجُلًا مُضْطَرِبَ الكَلامِ، قَلِيلَ الفَهْمِ، ناقِصَ العَقْلِ، فَقالَ: ”نَحْنُ نُثْبِتُ لِلَّهِ وجْهًا، ونَقُولُ: إنَّ لِوَجْهِ رَبِّنا مِنَ النُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ ما لَوْ كُشِفَ حِجابُهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أدْرَكَهُ بَصَرُهُ، ووَجْهُ رَبِّنا مَنفِيٌّ عَنْهُ الهَلاكُ والفَناءُ، ونَقُولُ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْها الهَلاكَ والفَناءَ، ونَفى عَنْها الجَلالَ والإكْرامَ، غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالنُّورِ والضِّياءِ والبَهاءِ، ولَوْ كانَ مُجَرَّدُ إثْباتِ الوَجْهِ لِلَّهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ لَكانَ مَن قالَ: إنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا ولِلْخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ وُجُوهًا، لَكانَ قَدْ شَبَّهَ وُجُوهَ بَنِي آدَمَ بِوُجُوهِ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ والكِلابِ. ثُمَّ قالَ: ولا شَكَّ أنَّهُ اعْتِقادُ الجَهْمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ: وجْهُكَ يُشْبِهُ وجْهَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ لَغَضِبَ ولَشافَهَهُ بِالسُّوءِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إثْباتِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ لِلَّهِ إثْباتُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ“ .

وذَكَرَ في فَصْلٍ آخَرَ مِن هَذا الكِتابِ ”أنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى وُقُوعِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ خَلْقِهِ في صِفاتٍ كَثِيرَةٍ، ولَمْ يَلْزَمْ مِنها أنْ يَكُونَ القائِلُ مُشَبِّهًا، فَكَذا هَهُنا“ ونَحْنُ نَعُدُّ الصُّوَرَ الَّتِي ذَكَرَها عَلى الِاسْتِقْصاءِ.

فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وقالَ في حَقِّ الإنْسانِ ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنْسانِ: ٢] .

الثّانِي: قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ١٠٥] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النَّحْلِ: ٧٩]

الثّالِثُ: قالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هُودٍ: ٣٧] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الطُّورِ: ٤٨] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [المائِدَةِ: ٨٣]

الرّابِعُ: قالَ لِإبْلِيسَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ٧٥] وقالَ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائِدَةِ: ٦٤] وقالَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنْفالِ: ٥١]، ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏، [الحَجِّ: ١٠] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏، [الفَتْحِ: ١٠]

الخامِسُ: قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [طه: ٥] وقالَ في الَّذِينَ يَرْكَبُونَ الدَّوابَّ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٣] وقالَ في سَفِينَةِ نُوحٍ ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هُودٍ: ٤٤]

السّادِسُ: سَمّى نَفْسَهُ عَزِيزًا، فَقالَ: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾ [الحَشْرِ: ٢٣]، ثُمَّ ذَكَرَ هَذا الِاسْمَ في حَقِّ المَخْلُوقِينَ بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [يُوسُفَ: ٧٨]، ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [يُوسُفَ: ٨٨] .

السّابِعُ: سَمّى نَفْسَهُ بِالمَلِكِ، وسَمّى بَعْضَ عَبِيدِهِ أيْضًا بِالمَلِكِ، فَقالَ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يُوسُفَ: ٥٤] وسَمّى نَفْسَهُ بِالعَظِيمِ، ثُمَّ أوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٩] وسَمّى نَفْسَهُ بِالجَبّارِ المُتَكَبِّرِ، وأوْقَعَ هَذا الِاسْمَ عَلى المَخْلُوقِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [غافِرٍ: ٣٥] ثُمَّ طَوَّلَ في ضَرْبِ الأمْثِلَةِ مِن هَذا الجِنْسِ، وقالَ: ومَن وقَفَ عَلى الأمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرْناها أمْكَنَهُ الإكْثارُ مِنها، فَهَذا ما أوْرَدَهُ هَذا الرَّجُلُ في هَذا الكِتابِ.

صفحة ١٣١

وأقُولُ: هَذا المِسْكِينُ الجاهِلُ إنَّما وقَعَ في أمْثالِ هَذِهِ الخُرافاتِ لِأنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ المِثْلَيْنِ، وعُلَماءُ التَّوْحِيدِ حَقَّقُوا الكَلامَ في المِثْلَيْنِ، ثُمَّ فَرَّعُوا عَلَيْهِ الِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَنَقُولُ: المِثْلانِ هُما اللَّذانِ يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ في حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ مَسْبُوقٌ بِمُقَدِّمَةٍ أُخْرى، فَنَقُولُ: المُعْتَبَرُ في كُلِّ شَيْءٍ، إمّا تَمامُ ماهِيَّتِهِ، وإمّا جُزْءٌ مِن أجْزاءِ ماهِيَّتِهِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وإمّا أمْرٌ خارِجٌ عَنْ ماهِيَّتِهِ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن لَوازِمِ تِلْكَ الماهِيَّةِ، وهَذا التَّقْسِيمُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ ذاتِ الشَّيْءِ وبَيْنَ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِهِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالبَدِيهَةِ، فَإنّا نَرى الحَبَّةَ مِنَ الحُصْرُمِ كانَتْ في غايَةِ الخُضْرَةِ والحُمُوضَةِ، ثُمَّ صارَتْ في غايَةِ السَّوادِ والحَلاوَةِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُخْتَلِفَةٌ والذّاتُ الباقِيَةُ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ، وأيْضًا نَرى الشَّعْرَ قَدْ كانَ في غايَةِ السَّوادِ ثُمَّ صارَ في غايَةِ البَياضِ، فالذّاتُ باقِيَةٌ والصِّفاتُ مُتَبَدِّلَةٌ، والباقِي غَيْرُ المُتَبَدِّلِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الذَّواتَ مُغايِرَةٌ لِلصِّفاتِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتِلافُ الصِّفاتِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ البَتَّةَ، لِأنّا نَرى الجِسْمَ الواحِدَ كانَ ساكِنًا ثُمَّ يَصِيرُ مُتَحَرِّكًا، ثُمَّ يَسْكُنُ بَعْدَ ذَلِكَ، فالذَّواتُ باقِيَةٌ في الأحْوالِ كُلِّها عَلى نَهْجٍ واحِدٍ ونَسَقٍ واحِدٍ، والصِّفاتُ مُتَعاقِبَةٌ مُتَزايِلَةٌ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ اخْتِلافَ الصِّفاتِ والأعْراضِ لا يُوجِبُ اخْتِلافَ الذَّواتِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأجْسامُ مِنها تَألَّفَ وجْهُ الكَلْبِ والقِرْدِ - مُساوِيَةٌ لِلْأجْسامِ الَّتِي تَألَّفَ مِنها وجْهُ الإنْسانِ والفَرَسِ، وإنَّما حَصَلَ الِاخْتِلافُ بِسَبَبِ الأعْراضِ القائِمَةِ، وهي الألْوانُ والأشْكالُ والخُشُونَةُ والمَلاسَةُ وحُصُولُ الشُّعُورِ فِيهِ وعَدَمُ حُصُولِها، فالِاخْتِلافُ إنَّما وقَعَ بِسَبَبِ الِاخْتِلافِ في الصِّفاتِ والأعْراضِ، فَأمّا ذَواتُ الأجْسامِ فَهي مُتَماثِلَةٌ إلّا أنَّ العَوامَّ لا يَعْرِفُونَ الفَرْقَ بَيْنَ الذَّواتِ وبَيْنَ الصِّفاتِ، فَلا جَرَمَ يَقُولُونَ إنَّ وجْهَ الإنْسانِ مُخالِفٌ لِوَجْهِ الحِمارِ، ولَقَدْ صَدَقُوا، فَإنَّهُ حَصَلَتْ تِلْكَ بِسَبَبِ الشَّكْلِ واللَّوْنِ وسائِرِ الصِّفاتِ، فَأمّا الأجْسامُ مِن حَيْثُ إنَّها أجْسامٌ فَهي مُتَماثِلَةٌ مُتَساوِيَةٌ، فَثَبَتَ أنَّ الكَلامَ الَّذِي أوْرَدَهُ إنَّما ذَكَرَهُ لِأجْلِ أنَّهُ كانَ مِنَ العَوامِّ، وما كانَ يَعْرِفُ أنَّ المُعْتَبَرَ في التَّماثُلِ والِاخْتِلافِ حَقائِقُ الأشْياءِ وماهِيّاتُها، لا الأعْراضُ والصِّفاتُ القائِمَةُ بِها، بَقِيَ هَهُنا أنْ يُقالَ: فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأجْسامَ كُلَّها مُتَماثِلَةٌ ؟ فَنَقُولُ: لَنا هَهُنا مَقامانِ:

المَقامُ الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ إمّا أنْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً أوْ لا تَكُونُ مُسَلَّمَةً، فَإنْ كانَتْ مُسَلَّمَةً فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَتْ مَمْنُوعَةً، فَنَقُولُ: فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إلَهُ العالَمِ هو الشَّمْسُ أوِ القَمَرُ أوِ الفَلَكُ أوِ العَرْشُ أوِ الكُرْسِيُّ، ويَكُونُ ذَلِكَ الجِسْمُ مُخالِفًا لِماهِيَّةِ سائِرِ الأجْسامِ، فَكانَ هو قَدِيمًا أزَلِيًّا واجِبَ الوُجُودِ، وسائِرُ الأجْسامِ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، ولَوْ أنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يُسْقِطُوا هَذا الإلْزامَ عَنِ المُجَسِّمَةِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ؟ فَإنْ قالُوا: هَذا باطِلٌ؛ لِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأفْلاكَ كُلَّها مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، فَيُقالُ: هَذا مِن بابِ الحَماقَةِ المُفْرِطَةِ؛ لِأنَّ صِحَّةَ القُرْآنِ وصِحَّةَ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ مُفَرَّعَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ، فَإثْباتُ مَعْرِفَةِ الإلَهِ بِالقُرْآنِ وقَوْلِ النَّبِيِّ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ يَفْهَمُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ.

والمَقامُ الثّانِي: أنَّ عُلَماءَ الأُصُولِ أقامُوا البُرْهانَ القاطِعَ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ في الذَّواتِ والحَقِيقَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ جِسْمًا لَكانَتْ ذاتُهُ مُساوِيَةً لِذَواتِ الأجْسامِ، إلّا أنَّ هَذا باطِلٌ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ، أمّا العَقْلُ فَلِأنَّ ذاتَهُ إذا كانَتْ مُساوِيَةً لِذَواتِ سائِرِ الأجْسامِ وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلَيْهِ ما يَصِحُّ عَلى سائِرِ الأجْسامِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا قابِلًا لِلْعَدَمِ والفَناءِ قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ.

وأمّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَهَذا تَمامُ الكَلامِ في تَقْرِيرِ هَذا الدَّلِيلِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنّا لا نَقُولُ بِأنَّهُ مَتى حَصَلَ الِاسْتِواءُ في

صفحة ١٣٢
الصِّفَةِ لَزِمَ حُصُولُ الِاسْتِواءِ في تَمامِ الحَقِيقَةِ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَمّا ثَبَتَ أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَلَوْ كانَتْ ذاتُهُ جِسْمًا لَكانَ ذَلِكَ الجِسْمُ مُساوِيًا لِسائِرِ الأجْسامِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ جِسْمٍ مِثْلًا لَهُ؛ لِما بَيَّنّا أنَّ المُعْتَبَرَ في حُصُولِ المُماثَلَةِ اعْتِبارُ الحَقائِقِ مِن حَيْثُ هي هي، لا اعْتِبارُ الصِّفاتِ القائِمَةِ بِها، فَظَهَرَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ حُجَّةَ أهْلِ التَّوْحِيدِ في غايَةِ القُوَّةِ، وأنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ الَّتِي أوْرَدَها هَذا الإنْسانُ إنَّما أوْرَدَها؛ لِأنَّهُ كانَ بَعِيدًا عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقائِقِ، فَجَرى عَلى مَنهَجِ كَلِماتِ العَوامِّ، فاغْتَرَّ بِتِلْكَ الكَلِماتِ الَّتِي ذَكَرَها، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى حُسْنَ الخاتِمَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إشْكالٌ، فَإنَّهُ يُقالُ: المَقْصُودُ مِنها نَفْيُ المِثْلِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وظاهِرُها يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ المِثْلِ عَنْ مِثْلِهِ، لا عَنْهُ، وذَلِكَ يُوجِبُ إثْباتَ المِثْلِ لِلَّهِ تَعالى، وأجابَ العُلَماءُ عَنْهُ بِأنْ قالُوا: إنَّ العَرَبَ، تَقُولُ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، أيْ: أنْتَ لا تَبْخَلُ، فَنَفَوُا البُخْلَ عَنْ مِثْلِهِ، وهم يُرِيدُونَ نَفْيَهُ عَنْهُ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: هَذا الكَلامُ لا يُقالُ لِمِثْلِي، أيْ: لا يُقالُ لِي، قالَ الشّاعِرُ:

ومِثْلِي كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ
والمُرادُ مِنهُ المُبالَغَةُ، فَإنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَنفِيًّا عَمَّنْ كانَ مُشابِهًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُشابِهًا لَهُ، فَلِأنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا عَنْهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي، والمَقْصُودُ: أنَّ سَلامَ اللَّهِ إذا كانَ واقِعًا عَلى مَجْلِسِهِ ومَوْضِعِهِ فَلِأنْ يَكُونَ واقِعًا عَلَيْهِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، فَكَذا هَهُنا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ والمَعْنى: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ؛ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلَمْ يَكُنْ هَذا اللَّفْظُ ساقِطًا عَدِيمَ الأثَرِ، بَلْ كانَ مُفِيدًا لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وزَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ مَعْناهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ هو مُسَمًّى بِاسْمِ الشَّيْءِ، وعِنْدِي فِيهِ طَرِيقَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّشْبِيهِ الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنِ المِثْلِ، وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، وهَذا مُحالٌ، فَإثْباتُ المِثْلِ لَهُ مُحالٌ، أمّا بَيانُ أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلَ نَفْسِهِ، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، وأمّا بَيانُ أنَّ هَذا مُحالٌ فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ مِثْلَ مِثْلِ نَفْسِهِ لَكانَ مُساوِيًا لِمِثْلِهِ في تِلْكَ الماهِيَّةِ ومُبايِنًا لَهُ في نَفْسِهِ، وما بِهِ المُشارَكَةُ - غَيْرُ ما بِهِ المُبايَنَةُ. فَتَكُونُ ذاتُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُرَكَّبًا، وكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ؛ لَما كانَ هو في نَفْسِهِ واجِبَ الوُجُودِ، إذا عَرَفْتَ هَذا، فَقَوْلُهُ ”لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ“ - إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مِثْلُ مِثْلِ نَفْسِهِ لَما كانَ هو شَيْئًا؛ بِناءً عَلى ما بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ حَصَلَ لِواجِبِ الوُجُودِ مِثْلٌ لَما كانَ واجِبَ الوُجُودِ، فَهَذا ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى نَفْيِ المِثْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الرُّومِ: ٢٧] يَقْتَضِي إثْباتَ المَثَلِ، فَلا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَهُما، فَنَقُولُ: المِثْلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لِلشَّيْءِ في تَمامِ الماهِيَّةِ، والمَثَلُ هو الَّذِي يَكُونُ مُساوِيًا لَهُ في بَعْضِ الصِّفاتِ الخارِجَةِ عَنِ الماهِيَّةِ، وإنْ كانَ مُخالِفًا في تَمامِ الماهِيَّةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ تَعالى سامِعًا لِلْمَسْمُوعاتِ مُبْصِرًا لِلْمَرْئِيّاتِ، فَإنْ قِيلَ: يَمْتَنِعُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ قَرْعٌ أوْ قَلْعٌ انْقَلَبَ الهَواءُ مِن بَيْنَ ذَيْنِكَ الجِسْمَيْنِ انْقِلابًا بِعُنْفٍ فَيَتَمَوَّجُ الهَواءُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ويَتَأدّى ذَلِكَ التَّمَوُّجُ إلى سَطْحِ الصِّماخِ، فَهَذا هو

صفحة ١٣٣
السَّماعُ، وأمّا الإبْصارُ فَهو عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحَدَقَةِ بِصُورَةِ المَرْئِيِّ، فَثَبَتَ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَأثُّرِ الحاسَّةِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ السَّمْعِ والبَصَرِ عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِالمَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ غَيْرُ جائِزٍ، والجَوابُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ السَّماعَ مُغايِرٌ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ أنّا إذا سَمِعْنا الصَّوْتَ عَلِمْنا أنَّهُ مِن أيِّ الجَوانِبِ جاءَ، فَعَلِمْنا أنّا أدْرَكْنا الصَّوْتَ حَيْثُ وُجِدَ ذَلِكَ الصَّوْتُ في نَفْسِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إدْراكَ الصَّوْتِ حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأْثِيرِ الصِّماخِ عَنْ تَمَوُّجِ ذَلِكَ الهَواءِ.
وأمّا الرُّؤْيَةُ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّها حالَةٌ مُغايِرَةٌ لِتَأثُّرِ الحَدَقَةِ، فَذَلِكَ لِأنَّ نُقْطَةَ النّاظِرِ جِسْمٌ صَغِيرٌ فَيَسْتَحِيلُ انْطِباعُ الصُّورَةِ العَظِيمَةِ فِيهِ، فَنَقُولُ: الصُّورَةُ المُنْطَبِعَةُ صَغِيرَةٌ، والصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ في نَفْسِ العالَمِ عَظِيمَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مُغايِرَةٌ لِنَفْسِ ذَلِكَ الِانْطِباعِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يَلْزَمُ مِنِ امْتِناعِ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ امْتِناعُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ، فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ حالَتانِ مُغايِرَتانِ لِتَأثُّرِ الحاسَّةِ إلّا أنَّ حُصُولَهُما مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ التَّأثُّرِ، فَلَمّا كانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّأثُّرِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعًا كانَ حُصُولُ السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّ اللَّهِ مُمْتَنِعًا، فَنَقُولُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سَمِيعًا بَصِيرًا، فَلَمْ يَجُزْ لَنا أنْ نَعْدِلَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ إلّا إذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الحاسَّةَ المُسَمّاةَ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مَشْرُوطَةٌ بِحُصُولِ التَّأثُّرِ، والتَّأثُّرُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ، فَكانَ حُصُولُ الحاسَّةِ المُسَمّاةِ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ مُمْتَنِعًا، وأنْتُمُ المُدَّعُونَ لِهَذا الِاشْتِراطِ فَعَلَيْكُمُ الدَّلالَةُ عَلى حُصُولِهِ، وإنَّما نَحْنُ مُتَمَسِّكُونَ بِظاهِرِ اللَّفْظِ إلى أنْ تَذْكُرُوا ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنْهُ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَما مَعْنى هَذا الحَصْرِ، مَعَ أنَّ العِبادَ أيْضًا مَوْصُوفُونَ بِكَوْنِهِمْ سَمِيعِينَ بَصِيرِينَ ؟ فَنَقُولُ: السَّمِيعُ والبَصِيرُ لَفْظانِ مُشْعِرانِ بِحُصُولِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، والكَمالُ في كُلِّ الصِّفاتِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، فَهَذا هو المُرادُ مِن هَذا الحَصْرِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ تَعالى فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا فَهو خالِقُ أنْفُسِنا وأزْواجِنا، وخالِقُ أوْلادِنا مِنّا ومِن أزْواجِنا، والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وأيْضًا (فَلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ) والأصْنامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والمَقْصُودُ مِنَ الكُلِّ بَيانُ القادِرِ المُنْعِمِ الكَرِيمِ الرَّحِيمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ الأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ مُساوِيَةً لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ ؟ فَقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يُرِيدُ مَفاتِيحَ الرِّزْقِ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَمَقالِيدُ السَّماواتِ الأمْطارُ، ومَقالِيدُ الأرْضِ النَّباتُ، وذَكَرْنا تَفْسِيرَ المَقالِيدِ في سُورَةِ الزُّمَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِأنَّ مَفاتِيحَ الأرْزاقِ بِيَدِهِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ مِنَ البَسْطِ والتَّقْدِيرِ ﴿عَلِيمٌ﴾ .

The same ayah, in another commentary

Ash-Shūrā 42:7