All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Māʾidah 5:77 Juzʾ 6 Page 120

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ أوَّلًا عَلى أباطِيلِ اليَهُودِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ ثانِيًا عَلى أباطِيلِ النَّصارى وأقامَ الدَّلِيلَ القاهِرَ عَلى بُطْلانِها وفَسادِها، فَعِنْدَ ذَلِكَ خاطَبَ مَجْمُوعَ الفَرِيقَيْنِ بِهَذا الخِطابِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ والغُلُوُّ نَقِيضُ التَّقْصِيرِ، ومَعْناهُ الخُرُوجُ عَنِ الحَدِّ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، ودِينَ اللَّهِ بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ صِفَةُ المَصْدَرِ، أيْ لا تَغْلُوا في دِينِكم غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ، أيْ غُلُوًّا باطِلًا، لِأنَّ الغُلُوَّ في الدِّينِ نَوْعانِ: غُلُوُّ حَقٍّ، وهو أنْ يُبالَغَ في تَقْرِيرِهِ وتَأْكِيدِهِ، وغُلُوُّ باطِلٍ وهو أنْ يُتَكَلَّفَ في تَقْرِيرِ الشُّبَهِ وإخْفاءِ الدَّلائِلِ، وذَلِكَ الغُلُوُّ هو أنَّ اليَهُودَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ نَسَبُوهُ إلى الزِّنا، وإلى أنَّهُ كَذّابٌ، والنَّصارى ادَّعَوْا فِيهِ الإلَهِيَّةَ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الأهْواءُ هَهُنا المَذاهِبُ الَّتِي تَدْعُو إلَيْها الشَّهْوَةُ دُونَ الحُجَّةِ، قالَ الشَّعْبِيُّ: ما ذَكَرَ اللَّهُ لَفْظَ الهَوى في القُرْآنِ إلّا ذَمَّهُ، قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [ص: ٢٦]، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ [طه: ١٦]، ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [النَّجْمِ: ٣]، ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الجاثِيَةِ: ٢٣] قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ نَجِدِ الهَوى يُوضَعُ إلّا في مَوْضِعِ الشَّرِّ، لا يُقالُ: فُلانٌ يَهْوى الخَيْرَ، إنَّما يُقالُ: يُرِيدُ الخَيْرَ ويُحِبُّهُ، وقالَ بَعْضُهم: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: سُمِّيَ الهَوى هَوًى؛ لِأنَّهُ يَهْوِي بِصاحِبِهِ في النّارِ، وأنْشَدَ في ذَمِّ الهَوى:

إنَّ الهَوى لَهو الهَوانُ بِعَيْنِهِ فَإذا هَوَيْتَ فَقَدْ لَقِيتَ هَوانًا
وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ هَوايَ عَلى هَواكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ هَوًى ضَلالَةٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِثَلاثِ دَرَجاتٍ في الضَّلالِ، فَبَيَّنَ أنَّهم كانُوا ضالِّينَ مِن قَبْلُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم كانُوا مُضِلِّينَ لِغَيْرِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى تِلْكَ الحالَةِ حَتّى إنَّهُمُ الآنَ ضالُّونَ كَما كانُوا، ولا نَجِدُ حالَةً أقْرَبَ إلى العَبْدِ مِنَ اللَّهِ والقُرْبِ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى مِن هَذِهِ الحالَةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا، ثُمَّ ضَلُّوا بِسَبَبِ اعْتِقادِهِمْ في ذَلِكَ الإضْلالِ أنَّهُ إرْشادٌ إلى الحَقِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالضَّلالِ الأوَّلِ الضَّلالَ عَنِ الدِّينِ، وبِالضَّلالِ الثّانِي الضَّلالَ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:77