All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Adh-Dhāriyāt 51:23 Juzʾ 26 Page 521

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then by the Lord of the heaven and earth, indeed, it is truth - just as [sure as] it is that you are speaking.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إشارَةً إلى دَلِيلِ الأنْفُسِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وإنَّما اخْتارَ مِن دَلائِلَ الآفاقِ ما في الأرْضِ لِظُهُورِها لِمَن عَلى ظُهُورِها فَإنَّ في أطْرافِها وأكْنافِها ما لا يُمْكِنُ عَدُّ أصْنافِها فَدَلِيلُ الأنْفُسِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عامٌّ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما أتى بِصِيغَةِ الخِطابِ لِأنَّها أظْهَرُ لِكَوْنِ عِلْمِ الإنْسانِ بِما في نَفْسِهِ أتَمَّ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفِيكم، يُقالُ الحِجارَةُ في نَفْسِها صُلْبَةٌ ولا يُرادُ بِها النَّفْسُ الَّتِي هي مَنبَعُ الحَياةِ والحِسِّ والحَرَكاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفي نُفُوسِكُمُ الَّتِي بِها حَياتُكم آياتٌ وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِالِاسْتِفْهامِ إشارَةٌ إلى ظُهُورِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: في السَّحابِ المَطَرُ.

ثانِيها: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَكْتُوبٌ.

ثالِثُها: تَقْدِيرُ الأرْزاقِ كُلِّها مِنَ السَّماءِ ولَوْلاهُ لَما حَصَلَ في الأرْضِ حَبَّةُ قُوتٍ، وفي الآياتِ الثَّلاثِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ أُمُورٌ يَحْتاجُ إلَيْها لا بُدَّ مِن سَبْقِها حَتّى يُوجَدَ هو في نَفْسِهِ وأُمُورٌ تُقارِنُهُ في الوُجُودِ وأُمُورٌ تَلْحَقُهُ وتُوجَدُ بَعْدَهُ لِيَبْقى بِها، فالأرْضُ هي المَكانُ وإلَيْهِ يَحْتاجُ الإنْسانُ ولا بُدَّ مِن سَبْقِها فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ثُمَّ في نَفْسِ الإنْسانِ أُمُورٌ مِنَ الأجْسامِ والأعْراضِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ثُمَّ بَقاؤُهُ بِالرِّزْقِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَوْلا السَّماءُ لَما كانَ لِلنّاسِ البَقاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: الجَنَّةُ المَوْعُودُ بِها لِأنَّها في السَّماءِ.

ثانِيها: هو مِنَ الإيعادِ لِأنَّ البِناءَ لِلْمَفْعُولِ مِن أوْعَدَ يُوعِدُ أيْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إمّا مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ فَيَكُونُ إيعادًا عامًّا، وإمّا مِنَ العَذابِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الخِطابُ مَعَ الكُفّارِ فَيَكُونُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ كافِيَةٌ، وأمّا أنْتُمْ أيُّها الكافِرُونَ فَفي أنْفُسِكم آياتٌ هي أظْهَرُ الآياتِ وتَكْفُرُونَ بِها لِحُطامِ الدُّنْيا وحُبِّ الرِّياسَةِ، وفي السَّماءِ الأرْزاقُ، فَلَوْ نَظَرْتُمْ وتَأمَّلْتُمْ حَقَّ التَّأمُّلِ، لَما تَرَكْتُمُ الحَقَّ لِأجْلِ الرِّزْقِ، فَإنَّهُ واصِلٌ بِكُلِّ طَرِيقٍ ولاجْتَنَبْتُمُ الباطِلَ اتِّقاءً لِما تُوعِدُونَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
وفِي المُقْسَمِ عَلَيْهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ما تُوعَدُونَ لَحَقٌّ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وعَلى هَذا يَعُودُ كُلُّ ما قُلْناهُ في وُجُوهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إنْ قُلْنا إنَّ ذَلِكَ هو الجَنَّةُ فالمُقْسَمُ عَلَيْهِ هو هي.

ثانِيها: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ وفِيما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ دَلِيلُ هَذِهِ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ تَكَلَّمَ بِهِ المَلَكُ النّازِلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهِ مِثْلَ ما أنَّكم تَتَكَلَّمُونَ وسَنَذْكُرُهُ.

ثالِثُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

رابِعُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى اليَوْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُ اللَّهِ اليَوْمَ بِالحَقِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ [النبأ: ٣٩] .

خامِسُها: أنَّهُ راجِعٌ

صفحة ١٨٠
إلى القَوْلِ الَّذِي يُقالُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وفي التَّفْسِيرِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: الفاءُ تَسْتَدْعِي تَعْقِيبَ أمْرٍ لِأمْرٍ فَما الأمْرُ المُتَقَدِّمُ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الدَّلِيلُ المُتَقَدِّمُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ لَحَقٌّ بِالبُرْهانِ المُبِينِ، ثُمَّ بِالقَسَمِ واليَمِينِ.

ثانِيهِما: القَسَمُ المُتَقَدِّمُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿والذّارِياتِ﴾ ثُمَّ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وعَلى هَذا يَكُونُ الفاءُ حَرْفَ عَطْفٍ أُعِيدَ مَعَهُ حَرْفُ القَسَمِ كَما يُعادُ الفِعْلُ إذْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ ومَرَرْتُ بِعَمْرٍو، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ عَطْفٌ مِن غَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ القَسَمِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعَ إعادَةِ حَرْفِهِ، والسَّبَبُ فِيهِ وُقُوعُ الفَصْلِ بَيْنَ القَسَمَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ الأمْرُ المُتَقَدِّمُ هو بَيانُ الثَّوابِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ وفِيهِ فائِدَةٌ، وهو أنَّ الفاءَ تَكُونُ تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا حاجَةَ إلى اليَمِينِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَشْفِ المُبِينِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ ورَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ، كَما يَقُولُ القائِلُ بَعْدَما يُظْهِرُ دَعْواهُ هَذا واللَّهِ إنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُ فَيُؤَكِّدُ قَوْلَهُ بِاليَمِينِ، ويُشِيرُ إلى ثُبُوتِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ.

البَحْثُ الثّانِي: أقْسَمَ مِن قَبْلُ بِالأُمُورِ الأرْضِيَّةِ وهي الرِّياحُ وبِالسَّماءِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ولَمْ يُقْسِمْ بِرَبِّها، وهَهُنا أقْسَمَ بِرَبِّها نَقُولُ كَذَلِكَ التَّرْتِيبُ يُقْسِمُ المُتَكَلِّمُ أوَّلًا بِالأدْنى فَإنْ لَمْ يُصَدَّقْ بِهِ يَرْتَقِي إلى الأعْلى، ولِهَذا قالَ بَعْضُ النّاسِ إذا قالَ قائِلٌ وحَياتِكَ واللَّهِ لا يَكْفُرُ وإذا قالَ: واللَّهِ وحَياتِكَ لا شَكَّ يَكْفُرُ وهَذا اسْتِشْهادٌ، وإنْ كانَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قالَهُ ذَلِكَ القائِلُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ إمّا بِالقَلْبِ، أوْ بِاللَّفْظِ الظّاهِرِ في أمْرِ القَلْبِ، أوْ بِالفِعْلِ الظّاهِرِ، وما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِظاهِرٍ في تَعْظِيمِ جانِبِ غَيْرِ اللَّهِ، والعَجَبُ مِن ذَلِكَ القائِلِ أنَّهُ لا يَجْعَلُ التَّأْخِيرَ في الذِّكْرِ مُفِيدًا لِلتَّرْتِيبِ في الوُضُوءِ وغَيْرِهِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قُرِئَ ”مِثْلُ“ بِالرَّفْعِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ وصْفًا لِقَوْلِهِ ”لَحَقٌّ“ ومِثْلُ وإنْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ جَوازِ وصْفِ المُنْكَّرِ بِهِ، تَقُولُ رَأيْتُ رَجُلًا مِثْلَ عَمْرٍو؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُهُ تَعْرِيفًا لِأنَّهُ في غايَةِ الإبْهامِ وقُرِئَ:”مِثْلَ“ بِالنَّصْبِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا لِإضافَتِهِ إلى ما هو ضَعِيفٌ وإلّا جازَ أنْ يُقالَ زَيْدٌ قاتِلُ مَن يَعْرِفُهُ أوْ ضارِبُ مَن يَشْتُمُهُ.

ثانِيهِما: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى البَيانِ تَقْدِيرُهُ لَحَقٌّ حَقًّا مِثْلَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، ووَجْهُهُ أنّا دَلَّلَنا أنَّ المُرادَ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ هو القُرْآنُ فَكَأنَّهُ قالَ إنَّ القُرْآنَ لَحَقٌّ نَطَقَ بِهِ المَلَكُ نُطْقًا ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وما مَجْرُورٌ لا شَكَّ فِيهِ.

The same ayah, in another commentary

Adh-Dhāriyāt 51:23