All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Munāfiqūn 63:6 Juzʾ 28 Page 555

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

It is all the same for them whether you ask forgiveness for them or do not ask forgiveness for them; never will Allah forgive them. Indeed, Allah does not guide the defiantly disobedient people.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ومُغِيثَ بْنَ قَيْسٍ، وجَدَّ بْنَ قَيْسٍ، كانَتْ لَهم أجْسامٌ ومَنظَرٌ، تُعْجِبُكَ أجْسامُهم لِحُسْنِها وجَمالِها، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا صَبِيحًا فَصِيحًا، وإذا قالَ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْلَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ ويَقُولُوا: إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ تَسْمَعُ لِقَوْلِهِمْ، وقُرِئَ يُسْمَعْ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ثُمَّ شَبَّهَهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، وفي الخُشُبِ التَّخْفِيفُ كَبَدَنَةٍ وبُدْنٍ وأسَدٍ وأُسْدٍ، والتَّثْقِيلُ كَذَلِكَ كَثَمَرَةٍ وثُمُرٍ، وخَشَبَةٍ وخُشُبٍ، ومَدَرَةٍ ومُدُرٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، والتَّثْقِيلُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والخُشُبُ لا تَعْقِلُ ولا تَفْهَمُ، فَكَذَلِكَ أهِلُ النِّفاقِ كَأنَّهم في تَرْكِ التَّفَهُّمِ، والِاسْتِبْصارِ بِمَنزِلَةِ الخُشُبِ.

وأمّا المُسَنَّدَةُ يُقالُ: سَنَدَ إلى شَيْءٍ، أيْ مالَ إلَيْهِ، وأسْنَدَهُ إلى الشَّيْءِ، أيْ أمالَهُ فَهو مُسْنَدٌ، والتَّشْدِيدُ لِلْمُبالَغَةِ، وإنَّما وُصِفَ الخُشُبُ بِها، لِأنَّها تُشْبِهُ الأشْجارَ القائِمَةَ الَّتِي تَنْمُو وتُثْمِرُ بِوَجْهٍ ما، ثُمَّ نَسَبَهم إلى الجُبْنِ وعابَهم بِهِ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وقالَ مُقاتِلٌ: إذا نادى مُنادٍ في العَسْكَرِ، وانْفَلَتَتْ دابَّةٌ، أوْ نُشِدَتْ ضالَّةٌ مَثَلًا ظَنُّوا أنَّهم يُرادُونَ بِذَلِكَ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ، وذَلِكَ لِأنَّهم عَلى وجَلٍ مِن أنْ يَهْتِكَ اللَّهُ أسْتارَهم، ويَكْشِفَ أسْرارَهم، يَتَوَقَّعُونَ الإيقاعَ بِهِمْ ساعَةً فَساعَةً، ثُمَّ أعْلَمَ [ اللَّهُ ] رَسُولَهُ بِعَداوَتِهِمْ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أنْ تَأْمَنَهم عَلى السِّرِّ ولا تَلْتَفِتَ إلى ظاهِرِهِمْ فَإنَّهُمُ الكامِلُونَ في العَداوَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُفَسِّرٌ وهو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ

صفحة ١٥
وطَلَبٌ مِن ذاتِهِ أنْ يَلْعَنَهم ويُخْزِيَهم وتَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَدْعُوا بِذَلِكَ، و‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ تَعَجُّبًا مِن جَهْلِهِمْ وضَلالَتِهِمْ وظَنِّهِمُ الفاسِدِ أنَّهم عَلى الحَقِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ قالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ بِصِفَةِ المُنافِقِينَ مَشى إلَيْهِ عَشائِرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ وقالُوا: لَهم ويَلْكُمُ افْتَضَحْتُمْ بِالنِّفاقِ وأهْلَكْتُمْ أنْفُسَكم، فَأْتُوا رَسُولَ اللَّهِ وتُوبُوا إلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ واسْألُوهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَكم، فَأبَوْا ذَلِكَ وزَهِدُوا في الِاسْتِغْفارِ فَنَزَلَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ «لَمّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ مِن أُحُدٍ بِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ مَقَتَهُ المُسْلِمُونَ وعَنَّفُوهُ وأسْمَعُوهُ المَكْرُوهَ، فَقالَ لَهُ بَنُو أبِيهِ: لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ ﷺ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ ويَرْضى عَنْكَ، فَقالَ: لا أذْهَبُ إلَيْهِ، ولا أُرِيدُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِي، وجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ فَنَزَلَتْ» .

وعِنْدَ الأكْثَرِينَ، إنَّما دُعِيَ إلى الِاسْتِغْفارِ لِأنَّهُ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المنافقون: ٨] وقالَ: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ فَقِيلَ لَهُ: تَعالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: ماذا قُلْتُ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقُرِئَ: ”لَوَوْا“ بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدِ لِلْكَثْرَةِ، والكِنايَةُ قَدْ تُجْعَلُ جَمْعًا والمَقْصُودُ واحِدٌ وهو كَثِيرٌ في أشْعارِ العَرَبِ قالَ جَرِيرٌ:

لا بارَكَ اللَّهُ فِيمَن كانَ يَحْسَبُكم إلّا عَلى العَهْدِ حَتّى كانَ ما كانا
وإنَّما خاطَبَ بِهَذا امْرَأةً وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ عَنِ اسْتِغْفارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ذَكَرَ تَعالى أنَّ اسْتِغْفارَهُ لا يَنْفَعُهم فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ وذَلِكَ لِأنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«خَيَّرَنِي رَبِّي فَلَأزِيدَنَّهم عَلى السَّبْعِينَ» “ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُنافِقِينَ، وقالَ قَوْمٌ: فِيهِ بَيانٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْلِكُ هِدايَةً وراءَ هِدايَةِ البَيانِ، وهي خَلْقُ فِعْلِ الِاهْتِداءِ فِيمَن عَلِمَ مِنهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَهْدِيهِمْ لِفِسْقِهِمْ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ لا يُسَمِّيهِمُ المُهْتَدِينَ إذا فَسَقُوا وضَلُّوا وفي الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: لِمَ شَبَّهَهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ لا بِغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ المُنْتَفِعِ بِها ؟ نَقُولُ لِاشْتِمالِ هَذا التَّشْبِيهِ عَلى فَوائِدَ كَثِيرَةٍ لا تُوجَدُ في الغَيْرِ:

الأُولى: قالَ في الكَشّافِ: شُبِّهُوا في اسْتِنادِهِمْ وما هم إلّا أجْرامٌ خالِيَةٌ عَنِ الإيمانِ والخَيْرِ، بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إلى الحائِطِ، ولِأنَّ الخَشَبَ إذا انْتُفِعَ بِهِ كانَ في سَقْفٍ أوْ جِدارٍ أوْ غَيْرِهِما مِن مَظانِّ الِانْتِفاعِ، وما دامَ مَتْرُوكًا فارِغًا غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ أُسْنِدَ إلى الحائِطِ، فَشُبِّهُوا بِهِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الأصْنامُ المَنحُوتَةُ مِنَ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إلى الحائِطِ شُبِّهُوا بِها في حُسْنِ صُوَرِهِمْ، وقِلَّةِ جَدْواهم.

الثّانِيَةُ: الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ في الأصْلِ كانَتْ غُصْنًا طَرِيًّا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مِنَ الأشْياءِ المُنْتَفَعِ بِها، ثُمَّ تَصِيرُ غَلِيظَةً يابِسَةً، والكافِرُ والمُنافِقُ كَذَلِكَ كانَ في الأصْلِ صالِحًا لِكَذا وكَذا، ثُمَّ يَخْرُجُ عَنْ تِلْكَ الصَّلاحِيَّةِ.

الثّالِثَةُ: الكَفَرَةُ مِن جِنْسِ الإنْسِ حَطَبٌ، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ٩٨] والخُشُبُ المُسَنَّدَةُ حَطَبٌ. أيْضًا.

الرّابِعَةُ: أنَّ الخُشُبَ المُسَنَّدَةَ إلى الحائِطِ أحَدُ طَرَفَيْها إلى جِهَةٍ، والآخَرُ إلى جِهَةٍ أُخْرى، والمُنافِقُونَ كَذَلِكَ، لِأنَّ المُنافِقَ أحَدُ طَرَفَيْهِ وهو الباطِنُ إلى جِهَةِ أهْلِ الكُفْرِ، والطَّرَفُ الآخَرُ وهو الظّاهِرُ إلى جِهَةِ أهْلِ الإسْلامِ.

الخامِسَةُ: المُعْتَمِدُ عَلَيْهِ الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ ما يَكُونُ مِنَ الجَماداتِ والنَّباتاتِ، والمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ لِلْمُنافِقِينَ كَذَلِكَ، وإذا كانُوا مِنَ المُشْرِكِينَ إذْ هو الأصْنامُ، إنَّها مِنَ الجَماداتِ أوِ النَّباتاتِ.

الثّانِي مِنَ المَباحِثِ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، ثُمَّ قالَ مِن بَعْدُ ما يُنافِي هَذا التَّشْبِيهَ وهو

صفحة ١٦
قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ والخُشُبُ المُسَنَّدَةُ لا يَحْسَبُونَ أصْلًا، نَقُولُ: لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ والمُشَبَّهُ بِهِ يَشْتَرِكانِ في جَمِيعِ الأوْصافِ، فَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِانْتِفاعِ وعَدَمِ الِانْتِفاعِ، ولَيْسُوا كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِماعِ وعَدَمِ الِاسْتِماعِ لِلصَّيْحَةِ وغَيْرِها.
الثّالِثُ: قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: القَوْمَ الكافِرِينَ أوِ المُنافِقِينَ أوِ المُسْتَكْبِرِينَ مَعَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مِن جُمْلَةِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ. نَقُولُ: كُلُّ أحَدٍ مِن تِلْكَ الأقْوامِ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: (الفاسِقِينَ) أيِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم وهُمُ الكافِرُونَ والمُنافِقُونَ والمُسْتَكْبِرُونَ.

The same ayah, in another commentary

Al-Munāfiqūn 63:6