All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Al-Ḥijr 15:3 Juzʾ 14 Page 262

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Let them eat and enjoy themselves and be diverted by [false] hope, for they are going to know.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ أيِ اتْرُكْهم وقَدِ اسْتَغْنى غالِبًا عَنْ ماضِيهِ بِماضِيهِ وجاءَ قَلِيلًا وذَرْ، وفي الحَدِيثِ ««ذَرُوا الحَبَشَةَ ما وذَرُوكم»».

والمُرادُ مِنَ الأمْرِ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ شَهَواتِهِمْ إذْ لَمْ تَنْفَعُهُمُ النَّصِيحَةُ وِالإنْذارُ كَأنَّهُ قِيلَ: خَلِّهِمْ وشَأْنَهم ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ بِدُنْياهُمْ، وفي تَقْدِيمِ الأكْلِ إيذانٌ بِأنَّ تَمَتُّعَهم إنَّما هو مِن قَبِيلِ تَمَتُّعِ البَهائِمِ بِالمَآكِلِ والمَشارِبِ، والفِعْلُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، وأشارَ في الكَشّافِ أنَّ المُرادَ المُبالَغَةُ في تَخْلِيَتِهِمْ حَتّى كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ أنْ يَأْمُرَهم بِما لا يَزِيدُهم إلّا نَدَمًا، ووَجَّهَهُ المُدَقِّقُ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: أُرِيدَ الأمْرُ مِن حَيْثُ المَعْنى لِأنَّهُ جَعَلَ أكْلَهم وتَمَتُّعَهُمُ الغايَةَ المَطْلُوبَةَ مِنَ الأمْرِ بِالتَّخْلِيَةِ، والغاياتُ المَطْلُوبَةُ إنْ صَحَّ الأمْرُ بِها كانَتْ مَأْمُورًا بِها بِنَفْسِ الأمْرِ وأبْلَغَ مِن صَرِيحِهِ فَإذا قُلْتَ: لازِمْ سُدَّةَ العالِمِ تَعَلَّمْ مِنهُ ما يُنْجِيكَ في الآخِرَةِ كانَ أبْلَغَ مِن قَوْلِكَ: لازِمْ وتَعَلَّمْ لِأنَّكَ جَعَلْتَ الأمْرَ وسِيلَةَ الثّانِي فَهو أشَدُّ مَطْلُوبِيَّةٍ وإنْ لَمْ يَصِحَّ جُعِلْتَ مَأْمُورًا بِها مَجازًا كَقَوْلِكَ: أسْلِمْ تَدْخُلِ الجَنَّةَ، وما نَحْنُ فِيهِ لَمّا جَعَلَ غايَةَ الأمْرِ عَلى التَّجَوُّزِ صارَ مَأْمُورًا بِهِ عَلى ما أرْشَدْتُ إلَيْهِ اه، وهو مِنَ النَّفاسَةِ بِمَكانٍ، وظَنَّ أنَّ انْفِهامَ الأمْرِ مِن تَقْدِيرِ لامِهِ، قَبْلَ الفِعْلِ مِن بَعْضِ الأمْرِ، وما في البَحْرِ مِن أنَّهُ إذا جَعَلَ ‏‏‏‏ أمْرًا بِتَرْكِ نَصِيحَتِهِمْ. وشُغْلُ بالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِمْ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَوابُ لِأنَّهم يَأْكُلُونَ ويَتَمَتَّعُونَ سَواءٌ تَرْكَ نَصِيحَتَهم أمْ لا وُقُوفَ في ساحِلِ التَّحْقِيقِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن غاصَ في لُجَّةِ المَعانِي فاسْتَخْرَجَ دُرَرَ الأسْرارِ واسْتَظْهَرَ أنَّهُ أمْرٌ بِتَرْكِ قِتالِهِمْ وتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ ومُوادِعَتِهِمْ ثُمَّ قالَ: ولِذَلِكَ صَحَّ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ جَوابًا لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ شَغَلَهم بِالقِتالِ ومُصالَتَةِ السُّيُوفِ وإيقاعِ الحُرُوبِ ما هَنَأهم أكْلٌ ولا تَمَتُّعٌ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وهو كَما تَرى.

ثُمَّ المُرادُ عَلى ما قِيلَ دَوامُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ لا إحْداثُ ما ذُكِرَ أوْ تَمَتُّعُهم بِلا اسْتِمْتاعٍ ما يُنَغِّصُ عَيْشَهم والتَّمَتُّعُ كَذَلِكَ أمْرٌ حادِثٌ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلى تَخْلِيَتِهِمْ وشَأْنَهم فَتَأمَّلْ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ويَشْغَلُهُمُ التَّوَقُّعُ لِطُولِ الأعْمارِ وبُلُوغِ الأوْطارِ واسْتِقامَةِ الأحْوالِ وأنْ لا يُلْقُوا إلّا خَيْرًا في العاقِبَةِ والمَآلِ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ أوْ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيما يَصِيرُونَ إلَيْهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ سُوءَ صَنِيعِهِمْ إذا عايَنُوا جَزاءَهُ ووَخامَةَ عاقِبَتِهِ أوْ حَقِيقَةَ الحالِ الَّتِي ألْجَأتْهم إلى التَّمَنِّي.

وظاهِرُ كَلامِ الأكْثَرِينَ أنَّ المُرادَ عِلْمُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ سَوْفَ يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الذُّلِّ والقَتْلِ والسَّبْيِ وفي الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ السَّرْمَدِيِّ، وهَذا كَما قِيلَ مَعَ كَوْنِهِ وعِيدًا أيُّما وعِيدٍ وتَهْدِيدٍ غَبَّ تَهْدِيدٍ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالتَّرْكِ، وفِيهِ إلْزامُ الحُجَّةِ ومُبالَغَةٌ في الإنْذارِ إذْ لا يَتَحَقَّقُ الأمْرُ بِالضِّدِّ حَسْبَما عَلِمْتَ إلّا بَعْدَ تَكَرُّرِ الإنْذارِ وتَقَرُّرِ الجُحُودِ والإنْكارِ ومَن أنْذَرَ فَقَدْ أعْذَرَ، وكَذَلِكَ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الأكْلِ وما بَعْدَهُ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّلَذُّذَ والتَّنَعُّمَ وعَدَمَ الِاسْتِعْدادِ لِلْآخِرَةِ والتَّأهُّبِ لَها لَيْسَ مِن أخْلاقِ مَن يَطْلُبُ النَّجاةَ، وجاءَ عَنِ الحَسَنِ: ما أطالَ عَبْدٌ الأمَلَ إلّا أساءَ العَمَلَ.

صفحة 10
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ لا أعْلَمُهُ إلّا رَفْعَهُ قالَ: «صَلاحُ أوَّلِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالزُّهْدِ واليَقِينِ ويَهْلَكُ آخِرُها بِالبُخْلِ والأمَلِ».

وفِي بَعْضِ الآثارِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّما أخْشى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ طُولَ الأمَلِ واتِّباعَ الهَوى فَإنَّ طُولَ الأمَلِ يُنْسِي الآخِرَةَ واتِّباعَ الهَوى يَصُدُّ عَنِ الحَقِّ.

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥijr 15:3