All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Al-Baqarah 2:131 Juzʾ 1 Page 20

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

When his Lord said to him, "Submit", he said "I have submitted [in Islam] to the Lord of the worlds."

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ظَرْفٌ (لِاصْطَفَيْناهُ)، والمُتَوَسِّطُ المَعْطُوفُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، لِأنَّهُ لِتَقْدِيرِ المُتَعَلِّقِ المَعْطُوفِ تَأْكِيدُهُ، لِأنَّ اصْطِفاءَهُ في الدُّنْيا إنَّما هو لِلرِّسالَةِ، وما يَتَعَلَّقُ بِصَلاحِ الآخِرَةِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ يُجْعَلَ اعْتِراضًا أوْ حالًا مُقَدَّرَةً كَما قِيلَ بِهِ، أوْ تَعْلِيلٌ لَهُ، أوْ مَنصُوبٌ (بِاذْكُرْ) كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِتَقِفَ عَلى أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ وأنَّهُ ما نالَ ما نالَ إلّا بِالمُبادَرَةِ والِانْقِيادِ إلى ما أُمِرَ بِهِ، وإخْلاصِ سِرِّهِ حِينَ دَعاهُ رَبُّهُ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ ظَرْفًا لِقالَ، ولَيْسَ الأمْرُ وما في جَوابِهِ عَلى حَقِيقَتِهِما، بَلْ هو تَمْثِيلٌ، والمَعْنى: أخَطَرَ بِبالِهِ الدَّلائِلُ المُؤَيِّدَةُ إلى المَعْرِفَةِ، واسْتَدَلَّ بِها، وأذْعَنَ بِمَدْلُولاتِها، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَوْلَيْنِ تَصْوِيرًا لِسُرْعَةِ الِانْتِقالِ بِسُرْعَةِ الإجابَةِ، فَهو إشارَةٌ إلى اسْتِدْلالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالكَوْكَبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ، واطِّلاعِهِ عَلى أماراتِ الحُدُوثِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الحَسَنِ، وابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَبْلَ البُلُوغِ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ قالَ: المُرادُ الأمْرُ بِالطّاعَةِ، والإذْعانُ لِجُزْئِيّاتِ الأحْكامِ، والِاسْتِقامَةُ، والثَّباتُ عَلى التَّوْحِيدِ عَلى حَدِّ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ولا يُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى الحَقِيقَةِ أعْنِي إحْداثَ الإسْلامِ والإيمانِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ عَنِ الكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها، ولِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الوَحْيُ، والِاسْتِنْباءُ قَبْلَ الإسْلامِ، نَعَمْ إذا حُمِلَ الإسْلامُ عَلى العَمَلِ بِالجَوارِحِ لا عَلى مَعْنى الإيمانِ أمْكَنَ الحَمْلُ عَلى الحَقِيقَةِ كَما قِيلَ بِهِ، وفي الِالتِفاتِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والإضافَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إظْهارٌ لِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ، والِاعْتِناءِ بِتَرْبِيَتِهِ، وإضافَةُ الرَّبِّ في الجَوابِ إلى العامِلِينَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُوَّةِ إسْلامِهِ حَيْثُ أتْقَنَ حِينَ النَّظَرِ شُمُولَ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ قاطِبَةً لا لِنَفْسِهِ فَقَطْ، كَما هو المَأْمُورُ بِهِ ظاهِرًا

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allah has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."

روح المعانيAl-Ālūsī

صفحة 389
‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مَدْحٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَكْمِيلِهِ غَيْرَهُ إثْرَ مَدْحِهِ بِكَمالِهِ في نَفْسِهِ، وفِيهِ تَوْكِيدٌ لِوُجُودِ الرَّغْبَةِ في مِلَّتِهِ، والتَّوْصِيَةُ التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ بِفِعْلٍ فِيهِ صَلاحٌ وقُرْبَةٌ، سَواءٌ كانَ حالَةُ الِاحْتِضارِ أوَّلًا، وسَواءٌ كانَ ذَلِكَ التَّقَدُّمُ بِالقَوْلِ، أوِ الدِّلالَةِ، وإنْ كانَ الشّائِعُ في العُرْفِ اسْتِعْمالُها في القَوْلِ المَخْصُوصِ حالَةَ الِاحْتِضارِ، وأصْلُها الوَصْلُ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ واصِيَةٌ، أيْ مُتَّصِلَةُ النَّباتِ، ويُقالُ: وصّاهُ إذا وصَلَهُ، وفَصّاهُ إذا فَصَلَهُ، كَأنَّ المُوصِيَ يَصِلُ فَعْلُهُ بِفِعْلِ الوَصِيِّ، والضَّمِيرُ في (بِها) إمّا لِلْمِلَّةِ، أوْ لِقَوْلِهِ: أسْلَمْتُ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ، أوِ الجُمْلَةِ، ويُرَجِّحُ الأوَّلَ كَوْنُ المَرْجِعِ مَذْكُورًا صَرِيحًا، وكَذا تَرْكُ المُضْمَرِ إلى المُظْهَرِ، وعَطْفُ (يَعْقُوبَ) عَلَيْهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ شُرُوعٌ في كَلامٍ آخَرَ لِبَيانِ تَواصِي الأنْبِياءِ بِاسْتِمْساكِ الدِّينِ الحَقِّ الجامِعِ لِجَمِيعِ أحْكامِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، لِيَتَوارَثُوا المِلَّةَ القَوِيمَةَ، والشَّرْعَ المُسْتَقِيمَ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ، وذَكَرَ يَعْقُوبُ الدِّينَ في تَوْصِيَتِهِ لِبَنِيهِ، وهو والمِلَّةُ أخَوانِ، ولَوْ كانَ الضَّمِيرُ لِلثّانِي لَكانَ الإسْلامُ بَدَلَهُ، ويُؤَيِّدُ الثّانِيَ كَوْنُ المُوصى بِهِ مُطابِقًا في اللَّفْظِ لِأسْلَمْتُ، وقُرِّبَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قالَ أسْلَمْتُ، أيْ ما اكْتَفى بِالِامْتِثالِ بَلْ ضَمَّ تَوْصِيَةَ بَنِيهِ بِالسَّلامِ بِخِلافِ التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (مَن يَرْغَبُ)، لِأنَّهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في مَعْنى النَّفْيِ، وخَصَّ البَنِينَ لِأنَّهُ عَلَيْهِمْ أشْفَقَ، وهم بِقَبُولِ وصِيَّتِهِ أجْدَرُ، ولِأنَّ النَّفْعَ بِهِمْ أكْثَرُ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ (أوْصى)، ولا دِلالَةَ فِيها عَلى التَّكْثِيرِ كالأُولى الدّالَّةِ عَلَيْهِ لِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ.

‏‏‏‏‏‏ عُطِفَ عَلى إبْراهِيمَ، ورَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، وحُذِفَ الخَبَرُ، أيْ يَعْقُوبُ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وجَعْلُهُ فاعِلًا لِوَصّى مُضْمَرًا بَعِيدٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى بَنِيهِ، والمُرادُ بِهِمْ أبْناءُ الصُّلْبِ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ نافِلَةً، وإنَّما سُمِّيَ يَعْقُوبَ لِأنَّهُ وعِيصًا كانا تَوْأمَيْنِ فَتَقَدَّمَ عِيصٌ وخَرَجَ يَعْقُوبُ عَلى أثَرِهِ آخِذًا بِعَقِبِهِ، كَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا أظُنُّ صِحَّتَهُ، ﴿يا بَنِيَّ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ويُقَدَّرُ بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى تَقْدِيرِ نَصْبِ يَعْقُوبَ، أيْ قالَ أوْ قائِلًا، وبِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ الرَّفْعِ، ووُقُوعُ الجُمْلَةِ بَعْدَ القَوْلِ مَشْرُوطٌ بِأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ الحِكايَةِ، والكَلامُ المَحْكِيُّ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ، وإنْ كانَ المُخاطَبُونَ في الحالَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى عَدَمِ الإضْمارِ، لِأنَّ التَّوْصِيَةَ لِاشْتِمالِها عَلى مَعْنى القَوْلِ بَلْ هي القَوْلُ المَخْصُوصُ كانَ حُكْمُها حُكْمَهُ، فَيَجُوزُ وُقُوعُ الجُمْلَةِ في حَيِّزِ مَفْعُولِها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (أنْ يا بَنِيَّ)، ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهم عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، وبَنُو إبْراهِيمَ عَلى ما في الإتْقانِ اثْنا عَشَرَ وهُمْ: إسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ومَدْيَنُ، وزَمْزانُ، وسَرْحٌ، ونَقْشٌ، ونَقْشانُ، وأُمَيْمٌ، وكَيْسانُ، وسَوْرَجُ، ولَوْطانُ، ونافِسُ، وبَنُو يَعْقُوبَ أيْضًا كَذَلِكَ، وهم يُوسُفُ، ورُوبِيلُ، وشَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ودانِي، وتَفْتانِي، وكادُ، وأسْبَرُ، وإيساجِرُ، ورايْكُونُ، وبِنْيامِينُ.

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ جَعَلَ لَكُمُ الدِّينَ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ بِأنْ شَرَعَهُ لَكُمْ، ووَفَّقَكم لِلْأخْذِ بِهِ، والمُرادُ بِهِ دِينُ الإسْلامِ الَّذِي بِهِ الإخْلاصُ لِلَّهِ تَعالى، والِانْقِيادُ لَهُ، ولَيْسَ المُرادُ ما يَتَراءى مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ صَفْوَةَ الأدْيانِ لَكُمْ، لِأنَّ هَذا الدِّينَ صَفْوَةٌ في نَفْسِهِ، لا اخْتِصاصَ لَهُ بِأحَدٍ، ولَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُهُ، ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ دِينِنا، لَكِنَّ العُرْفَ خَصَّصَهُ بِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم عَدَمَ الإطْلاقِ، وألَّفَ في ذَلِكَ رِسالَةً تَكَلَّفَ بِها غايَةَ التَّكَلُّفِ:

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ نَهْيٌ عَنِ الِاتِّصافِ بِخِلافِ حالِ الإسْلامِ وقْتَ المَوْتِ، والمَفْهُومُ
صفحة 390
مِنَ الآيَةِ، فَظاهِرًا النَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى خِلافِ تِلْكَ الحالِ، ولَيْسَ بِمَقْصُودٍ، لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وإنَّما المَقْدُورُ قَيْدُهُ، فَيَعُودُ النَّهْيُ إلَيْهِ، كَما سَمِعْتَ، لِما أنَّ الِامْتِناعَ عَنِ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الحالِ يَسْتَتْبِعُ الِامْتِناعَ عَنِ المَوْتِ في تِلْكَ الحالِ، فَأمّا أنْ يُقالَ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ المَوْضُوعُ لِلْأوَّلِ في الثّانِي فَيَكُونُ مَجازًا، أوْ يُقالُ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ في مَعْناهُ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى مَلْزُومِهِ، فَيَكُونُ كِنايَةً، وقالَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ: إنَّ هَذا كِنايَةٌ بِنَفْيِ الذّاتِ عَنْ نَفْيِ الحالِ، عَلى عَكْسِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ مِن أنَّهُ كِنايَةٌ بِنَفْيِ الحالِ عَنْ نَفْيِ الذّاتِ، وفِيهِ أنَّ نَفْيَ الذّاتِ إنَّما يَصِيرُ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ جَمِيعِ الصِّفاتِ، لا عَنْ صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فافْهَمْ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ ذَلِكَ النَّهْيُ الثَّباتُ عَلى الإسْلامِ، لِأنَّهُ اللّازِمُ لَهُ، والمَقْصُودُ مِنَ التَّوْصِيَةِ، ولِأنَّ أصْلَ الإسْلامِ كانَ حاصِلًا لَهُمْ، وإنَّما أُدْخِلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلى الفِعْلِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مَنهِيًّا عَنْهُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ مَوْتَهم لا عَلى الإسْلامِ مَوْتٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وأنَّ حَقَّهُ أنْ لا يَحِلَّ بِهِمْ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَحْذَرُوهُ غايَةَ الحَذَرِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الإسْلامَ المَأْمُورَ بِهِ هُنا ما يَكُونُ بِالقَلْبِ دُونَ العَمَلِ بِالجَوارِحِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَكادُ يُمْكِنُ عِنْدَ المَوْتِ، ولِهَذا ورَدَ في الحَدِيثِ: «(اللَّهُمَّ مَن أحْيَيْتَهُ مِنّا فَأحْيِهِ عَلى الإسْلامِ، ومَن تَوَفَّيْتَهُ مِنّا فَتَوَفَّهُ عَلى الإيمانِ)،» ولا يَخْفى ما فِيهِ،

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God. And we are Muslims [in submission] to Him."

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الخِطابُ لِجِنْسِ اليَهُودِ، أوِ المَوْجُودِينَ في زَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ، فَقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ حِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا ماتَ أوْصى بَنِيهِ بِاليَهُودِيَّةِ، (وأمْ) إمّا مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ، وهَمْزَةِ الإنْكارِ، ومَعْنى بَلِ الإضْرابُ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، وهو بَيانُ التَّوْصِيَةِ إلى تَوْبِيخِ اليَهُودِ عَلى ادِّعائِهِمُ اليَهُودِيَّةَ عَلى يَعْقُوبَ وأبْنائِهِ، وفائِدَتُهُ الِانْتِقالُ مِن جُمْلَةٍ إلى أُخْرى أهَمَّ مِنها، أيْ ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ حِينَ احْتِضارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسُؤالِهِ بَنِيهِ عَنِ الدِّينِ، فَلِمَ تَدَّعُونَ ما تَدَّعُونَ؟! ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ، أيْ كانَتْ أوائِلُكم حاضِرِينَ حِينَ وصّى بَنِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإسْلامِ والتَّوْحِيدِ، وأنْتُمْ عالِمُونَ بِذَلِكَ، فَما لَكم تَدَّعُونَ عَلَيْهِ خِلافَ ما تَعْلَمُونَ؟! فَيَكُونُ قَدْ نَزَلَ عِلْمُهم بِشَهادَةِ أوائِلِهِمْ مَنزِلَةَ الشَّهادَةِ، فَخُوطِبُوا بِما خُوطِبُوا، وإمّا مُتَّصِلَةٌ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أكُنْتُمْ غائِبِينَ أمْ كُنْتُمْ شاهِدِينَ، ولَيْسَ الِاسْتِفْهامُ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِهِ لِلْعِلْمِ بِتَحَقُّقِ الأوَّلِ، وانْتِفاءِ الثّانِي، بَلْ هو لِلْإلْزامِ، والتَّبْكِيتِ، أيْ أيُّ الأمْرَيْنِ كانَ فَمُدَّعاكم باطِلٌ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّهُ رَجْمٌ بِالغَيْبِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّهُ خِلافُ المَشْهُورِ، واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ عَلى هَذا الوَجْهِ: بِأنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا أجازَ حَذْفَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها في (أمِ) المُتَّصِلَةِ، وإنَّما سُمِعَ حَذْفُ (أمْ) مَعَ المَعْطُوفِ، لِأنَّ الثَّوانِيَ تَحْتَمِلُ ما لا تَحْتَمِلُ الأوائِلُ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَعْنى بَلِ الإضْرابُ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ، والأخْذُ فِيما هو الأهَمُّ، وهو التَّحْرِيضُ عَلى اتِّباعِهِ ﷺ بِإثْباتِ بَعْضِ مُعْجِزاتِهِ، وهو الإخْبارُ عَنْ أحْوالِ الأنْبِياءِ السّابِقِينَ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ، وقِراءَةٍ مِن كِتابٍ، كَأنَّهُ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ ما تَقَدَّمَ التَفَتَ إلى مُؤْمِنِي الأُمَّةِ، أما شَهِدْتُمْ ما جَرى، وأما عَلِمْتُمْ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، وإخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ، فَعَلَيْكم بِاتِّباعِهِ، إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ مُقاوَلَةِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ، لِيُعْلَمَ عَدَمُ حُضُورِهِمْ حِينَ تَوْصِيَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ الأوْلى، ولا يَخْفى أنَّ هَذا القائِلَ لَمْ يَعْتَبِرْ سَبَبَ النُّزُولِ، ولَعَلَّهُ لِما فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ حَتّى قالَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ: لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، (والشُّهَداءُ) جَمْعُ شَهِيدٍ أوْ شاهِدٍ، بِمَعْنى حاضِرٍ، وحَضَرَ مِن بابِ قَعَدَ، وقُرِئَ (حَضِرَ) بِالكَسْرِ ومُضارِعُهُ أيْضًا يَحْضُرُ بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ شاذَّةٌ، وقِيلَ: إنَّها عَلى التَّداخُلِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ بَدَلٌ مِن ‏‏ ‏‏‏ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وكِلاهُما مَقْصُودانِ، كَما هو المُقَرَّرُ في إبْدالِ الجُمَلِ، إلّا أنَّ في البَدَلِ زِيادَةَ بَيانٍ لَيْسَتْ في المُبْدَلِ مِنهُ، ولَوْ تَعَلَّقَتْ (إذْ) هُنا (بِقالُوا) لَمْ يَنْتَظِمِ الكَلامُ
صفحة 391
‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ بَعْدَ مَوْتِي، (ما) في مَحَلِّ رَفْعٍ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وكَوْنُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ مُفَوِّتٌ لِلتَّقْوى المُناسِبِ لِمَقامِ: ويُسْألُ بِها عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَإذا عُرِّفَ خُصَّ العُقَلاءُ (بِمَن) إذا سُئِلَ عَنْ تَعَيُّنِهِ، فَيُجابُ بِما يُفِيدُهُ، وإذا سَألَ عَنْ وصْفِهِ قِيلَ: ما زَيْدٌ أكاتِبٌ أمْ شاعِرٌ، وفي السُّؤالِ عَنْ حالِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الغَرَضَ حَثُّهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ حالَ حَياتِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ وأخْذِ المِيثاقِ مِنهم عَلَيْهِ، فَلَيْسَ الِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيًّا، وكانَ هَذا بَعْدَ أنْ دَخَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِصْرَ ورَأى فِيها مَن يَعْبُدُ النّارَ، فَخافَ عَلى ولَدِهِ فَحَثَّهم عَلى ما حَثَّهُمْ، ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ عَنْ حِكايَةِ السُّؤالِ، وفي إضافَةِ الإلَهِ إلى المُتَعَدِّدِ إشارَةٌ إلى الِاتِّفاقِ عَلى وُجُودِهِ، وأُلُوهِيَّتِهِ، وقُدِّمَ إسْماعِيلُ في الذِّكْرِ عَلى إسْحاقَ لِكَوْنِهِ أسَنَّ مِنهُ، وعَدَّهُ مِن آباءِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ عَمُّهُ تَغْلِيبًا لِلْأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ، أوْ لِأنَّهُ شَبَّهَ العَمَّ بِالأبِ لِانْخِراطِهِما في سِلْكٍ واحِدٍ، وهو الأُخُوَّةُ، فَأطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَهُ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ: «(عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ)،» وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُرادُ بِآبائِكَ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ كَيْلا يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ، والمَجازِ، والآيَةُ عَلى حَدِّ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (احْفَظُونِي في العَبّاسِ، فَإنَّهُ بَقِيَّةُ آبائِي)، وقَرَأ الحَسَنُ (أبِيكَ)، وهو إمّا مُفْرَدٌ، وإسْماعِيلُ وإسْحاقُ عَطْفُ نَسَقٍ عَلَيْهِ، وإبْراهِيمُ وحْدَهُ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ جَمْعٍ، وسَقَطَتْ نُونُهُ لِلْإضافَةِ، كَما في قَوْلِهِ:

فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْواتُنا بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبْيَنا
‏‏‏‏ ‏‏‏‏ بَدَلٌ مِن ”إلَهِ آبائِك“ والنَّكِرَةُ تُبْدَلُ مِنَ المَعْرِفَةِ بِشَرْطِ أنْ تُوصَفَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾ والبَصْرِيُّونَ لا يَشْتَرِطُونَ فِيها ذَلِكَ، وفائِدَةُ الإبْدالِ دَفْعُ تَوَهُّمِ التَّعَدُّدِ النّاشِئِ مِن ذِكْرِ الإلَهِ مَرَّتَيْنِ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوِ الحالِ المُوَطِّئَةِ كَما في البَحْرِ، ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مُذْعِنُونَ مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وقِيلَ: خاضِعُونَ مُنْقادُونَ مُسْتَسْلِمُونَ لِنَهْيِهِ وأمْرِهِ قَوْلًا وعَقْدًا، وقِيلَ: داخِلُونَ في الإسْلامِ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أوِ المَفْعُولِ، أوْ مِنهُما لِوُجُودِ ضَمِيرَيْهِما، أوِ اعْتِراضِيَّةٌ مُحَقِّقَةٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ في آخِرِ الكَلامِ بِلا كَلامٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الأبْلَغُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى (نَعْبُدُ) فَيَكُونُوا قَدْ أجابُوا بِشَيْئَيْنِ، وهو مِن بابِ الجَوابِ المُرَبّى عَنِ السُّؤالِ

You read 2:131–133 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:131