All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Al-Baqarah 2:252 Juzʾ 2 Page 41

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

These are the verses of Allah which We recite to you, [O Muhammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن حَدِيثِ الأُلُوفِ ومَوْتِهِمْ، وإحْيائِهِمْ، وتَمْلِيكِ طالُوتَ، وإظْهارِهِ بِالآيَةِ، وإهْلاكِ الجَبابِرَةِ عَلى يَدِ صَبِيٍّ، وما فِيهِ مِنَ البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، وفِيهِ بُعْدٌ، والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ إمّا حالٌ مِنَ الآياتِ، والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ، وإمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ‏‏‏‏‏ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( نَتْلُوها ) أيْ: مُتَلَبِّسَةً بِاليَقِينِ الَّذِي لا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الكُتّابِ وأرْبابِ التَّوارِيخِ، لِما يَجِدُونَها مُوافَقَةً لِما عِنْدَهُمْ، أوْ لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتابَ فِيهِ، أوْ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: نَتْلُوها عَلَيْكَ مُتَلَبِّسِينَ بِالحَقِّ والصَّوابِ، وهو مَعَنا أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ وهو مَعَكَ
صفحة 175
‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ حَيْثُ تُخْبِرُ بِتِلْكَ الآياتِ، وقَصَصِ القُرُونِ الماضِيَةِ، وأخْبارِها عَلى ما هي عَلَيْهِ، مِن غَيْرِ مُطالِعَةِ كِتابٍ، ولا اجْتِماعٍ بِأحَدٍ يُخْبِرُ بِذَلِكَ، ووَجْهُ مُناسَبَةِ هَذِهِ القِصَّةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالقِتالِ في سَبِيلِهِ وكانَ قَدْ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ قِصَّةَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ حَذَرَ المَوْتِ إمّا بِالطّاعُونِ أوِ القِتالِ عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ والتَّثْبِيتِ لِلْمُؤْمِنِينَ والإعْلامِ أنَّهُ لا يُنْجِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ؛ أرْدَفَ ذَلِكَ بِأنَّ القِتالَ كانَ مَطْلُوبًا مَشْرُوعًا في الأُمَمِ السّابِقَةِ، فَلَيْسَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي خُصِصْتُمْ بِها؛ لِأنَّ ما وقَعَ فِيهِ الِاشْتِراكُ كانَتِ النَّفْسُ أمْيَلَ لِقَبُولِهِ مِنَ التَّكْلِيفِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الِانْفِرادُ.
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في هَذِهِ الآياتِ ( ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ) مَلَإ القُوى ( ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ) البَدَنِ ( ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ) القَلْبِ ( ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ) عُقُولِهِمُ: ( ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ) وطَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ بِواسِطَةِ أمْرِهِ وإرْشادِهِ ( ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ) أيْ: إنِّي أتَوَقَّعُ مِنكم عَدَمَ المُقاتَلَةِ؛ لِانْغِماسِكم في أوْحالِ الطَّبِيعَةِ ( ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ) في طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى ( ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ) مِن دِيارِ اسْتِعْداداتِنا الأصْلِيَّةِ الَّتِي لَمْ نَزَلْ بِالحَنِينِ إلَيْها، واغْتَرَبْنا عَنْ أبْناءِ كَمالاتِنا اللّاتِي لَمْ نَبْرَحْ عَنْ مَزِيدِ البُكاءِ عَلَيْها ( ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ) لِعَدُوِّهِمُ الَّذِي تَسَبَّبَ لَهُمُ الِاغْتِرابَ، وأحَلَّ بِهِمُ العَجَبَ العُجابَ؛ ( ﴿تَوَلَّوْا﴾ )، وأعْرَضُوا عَنْ مُقاتَلَتِهِ، وانْتَظَمُوا في سِلْكِ شِيعَتِهِ، ( ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ) وهُمُ القُوى المُسْتَعِدَّةُ ( ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ) الَّذِينَ نَقَصُوا حُظُوظَهم ( ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ) الرُّوحَ الإنْسانِيَّ ( ﴿مَلِكًا﴾ ) مُتَوَّجًا بِتاجِ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، جالِسًا عَلى كِسْرى التَّدْبِيراتِ الصَّمَدانِيَّةِ؛ ( ﴿قالُوا﴾ ) لِاحْتِجابِهِمْ بِحِجابِ الأنانِيَّةِ، وغَفْلَتِهِمْ عَنِ العُلُومِ الحَقّانِيَّةِ: كَيْفَ يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا مَعَ انْحِطاطِ مَرْتَبَتِهِ بِتَنزُّلِهِ إلى عالَمِ الكَثافَةِ مِن عالَمِهِ الأصْلِيِّ، ولَيْسَ فِيهِ مُشابَهَةٌ لَنا، ( ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ )؛ لِاشْتِراكِنا في عالَمِنا، ومُشابِهَةِ بَعْضِنا بَعْضًا، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مَيّالٌ إلَيْهِ، قَرِيبُ اتِّباعِهِ لَهُ

ولِكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ مِن جِنْسِهِ

( ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ) مِن مالِ التَّصَرُّفِ، إذْ لا يُتَصَرَّفُ إلّا بِالواسِطَةِ؟ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَهُ عَلَيْكُمْ؛ لِبَساطَتِهِ وتَرَكُّبِكُمْ، وزادَهُ سَعَةً في العِلْمِ الإلَهِيِّ، وقُوَّةً في الذّاتِ النُّورانِيِّ، ( ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ) فَيُدَبِّرُهُ بِإذْنِهِ ( ‏‏‏ ‏‏‏ ) لِسَعَةِ الإطْلاقِ، ( ﴿عَلِيمٌ﴾ ) بِالحِكَمِ الَّتِي تَقْتَضِي الظُّهُورَ، والتَّجَلِّيَ بِمَظاهِرِ الأسْماءِ ( ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ) عَلَيْكم وخِلافَتِهِ مِن قِبَلِ الرَّبِّ فِيكم ( ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ) تابُوتُ الصَّدْرِ، ( ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ) أيْ: طُمَأْنِينَةٌ ( ‏‏ ‏‏‏‏ ) وهي الطُّمَأْنِينَةُ بِالإيمانِ، والأُنْسِ بِاللَّهِ تَعالى ( ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ) القَلْبُ ( ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ) السِّرُّ، وهي مِنَ التَّوْحِيدِ، وعَصا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، الَّتِي تَلْقَفُ عَظِيمَ سِحْرِ صِفاتِ النَّفْسِ، وطِسْتِ تَجَلِّي الأنْوارِ، الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ قُلُوبُ الأنْبِياءِ، وشَيْءٍ مِن تَوْراةِ الإلْهاماتِ، تَحْمِلُهُ مَلائِكَةُ الِاسْتِعْداداتِ لَدى طالُوتَ الرُّوحِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُسَلَّمُ لَهُ الخِلافَةُ، ويَنْقادُ لَهُ جَمِيعُ أسْباطِ صِفاتِ الإنْسانِ، ( فَلِما فَصَلَ طالُوتُ وجُنُودُهُ ) مِن وزِيرِ العَقْلِ، ومُشِيرِ القَلْبِ، ومُدَبِّرِ الأفْهامِ، ونِظامِ الحَواسِّ؛ ( ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ) الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ، المُتْرَعِ بِمِياهِ الشَّهَواتِ، ( ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ )، وكَرَعَ مُفْرِطًا في الرَّيِّ؛ فَلَيْسَ مِن أشْياعِي الَّذِينَ هم مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، وأهْلِ مُكاشَفاتِ الصِّفاتِ، ( ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ) ويَذُقْهُ؛ فَإنَّهُ مِن سُكّانِ حَظائِرِ القُدْسِ، وحُضّارِ جِلْوَةِ عَرائِسِ مِنَصَّةِ الأُنْسِ، ( ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ )، وقَنِعَ مِن ذَلِكَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، ولِاحْتِياجٍ مِن غَيْرِ حِرْصٍ وانْهِماكٍ ( ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ) وكَرَعُوا وانْهَمَكُوا فِيهِ ( ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ) وهُمُ المُتَنَزِّهُونَ عَنِ الأقْذارِ الطَّبِيعِيَّةِ، المُتَقَدِّسُونَ عَنْ مَلابِسِها، المُتَجَرِّدُونَ عَنْ غَواشِيها، وقَلِيلٌ ما هُمْ، فَلَمّا جاوَزَ طالُوتُ الرُّوحُ نَهَرَ الطَّبِيعَةِ وعَبَرَهُ ( ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ) مِنَ القَلْبِ والعَقْلِ والمُلْكِ وغَيْرِهِمْ مِنَ اتِّباعِ الرُّوحِ مَعَهُ؛ قالَ بَعْضُهم وهُمُ الضُّعَفاءُ الَّذِينَ
صفحة 176
لَمْ يَصِلُوا إلى مَقامِ التَّمْكِينَ: ( ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ) بِمُحارَبَةِ جالُوتَ النَّفْسِ وأعْوانِهِ؛ لِعَراقَتِهِمْ بِالخُدَعِ والدَّسائِسِ، ( ‏‏‏ ‏‏‏‏ ) يَتَيَقَّنُونَ ( ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ) بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ: ( ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ) وقَهَرَتْها، حَتّى أذْهَبَتْ كَثْرَتَها ( ‏‏‏ ‏‏ ) وتَيْسِيرِهِ، ( ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ) بِالتَّجَلِّي الخاصِّ لَهُمْ، ( فَلَمّا بَرَزُوا ) لِحَرْبِ جالُوتَ وجُنُودِهِ؛ تَبَرَّءُوا مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وقالُوا: ( ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ) واسْتِقامَةً، ( ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ) في مَيادِينِ الجِهادِ، حَتّى لا نَرْجِعَ القَهْقَرى مِن بَعْدُ، ( ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ) أعْدائِنا الَّذِينَ سَتَرُوا الحَقَّ، وهُمُ النَّفْسُ الأمّارَةُ وصِفاتُها، ( ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ ) وكَسَرُوهم ( ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ) القَلْبُ ( ﴿جالُوتَ﴾ ) النَّفْسَ، ووَصَلُوا كُلُّهم إلى مَقامِ التَّمْكِينِ، فَلا يَخْشَوْنَ الرَّجْعَةَ والرِّدَّةَ، وكانَ قَدْ رَماهُ بِحَجَرِ التَّسْلِيمِ، في مِقْلاعِ الرِّضا، بِيَدِ تَرْكِ الِالتِفاتِ إلى السِّوى، فَأصابَ ذَلِكَ دِماغَ هَواهُ، فَخَرَّ صَرِيعًا، فَأتى اللَّهُ تَعالى داوُدَ مُلْكَ الخِلافَةِ، وحِكْمَةَ الإلْهاماتِ، ( ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ) مِن صَنْعَةِ لَبُوسِ الحُرُوبِ، ومَنطِقِ طُيُورِ الوارِداتِ، وتَسْبِيحِ جِبالِ الأبْدانِ، ( ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ) كَأرْبابِ الطَّلَبِ ( ﴿بِبَعْضٍ﴾ ) كالمَشايِخِ الواصِلِينَ؛ لَفَسَدَتْ أرْضُ اسْتِعْداداتِهِمُ المَخْلُوقَةُ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، عِنْدَ اسْتِيلاءِ جالُوتَ النَّفْسِ، ( ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ )، ومَن فَضْلِهِ: تَحْرِيكُ سِلْسِلَةِ طَلَبِ الطّالِبِينَ، وإلْهامِ أسْرارِهِمْ إرادَةَ المَشايِخِ الكامِلِينَ، وتَوْفِيقِهِمْ لِلتَّمَسُّكِ بِذَيْلِ تَرْبِيَتِهِمْ، والتَّشَبُّثِ بِأهْدابِ سِيرَتِهِمْ، فَسُبْحانَهُ مِن جَوادٍ لا يَبْخَلُ، ومُتَفَضِّلٍ عَلى مَن سَألَ ومَن لَمْ يَسْألْ.

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:252