All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Ṭā-Hā 20:19 Juzʾ 16 Page 313

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

[Allah] said, "Throw it down, O Moses."

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَقِيلَ؟ قالَ: ﴿ألْقِها يا مُوسى﴾ لِتَرى مِن شَأْنِها ما تَرى، والإلْقاءُ الطَّرْحُ عَلى الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّتْ بِها النَّوى كَما قَرَّ عَيْنًا بِالإيابِ المُسافِرُ
وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِمَزِيدِ التَّنْبِيهِ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِ العَصا، وكَوْنُ قائِلِ هَذا هو اللَّهَ تَعالى هو الظّاهِرُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ المَلِكُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ أبْعَدَ غايَةَ البُعْدِ ﴿فَألْقاها﴾ رَيْثَما قِيلَ لَهُ ألْقِها ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ تَمْشِي وتَنْتَقِلُ بِسُرْعَةٍ، والحَيَّةُ اسْمُ جِنْسٍ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ والأُنْثى والذَّكَرِ، وقَدِ انْقَلَبَتْ حِينَ ألْقاها عَلَيْهِ السَّلامُ ثُعْبانًا وهو العَظِيمُ مِنَ الحَيّاتِ كَما يَفْصَحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ وتَشْبِيهُها بِالجانِّ وهو الدَّقِيقُ مِنها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ مِن حَيْثُ الجَلادَةُ وسُرْعَةُ الحَرَكَةِ لا مِن حَيْثُ صِغَرُ الجُثَّةِ فَلا مُنافاةَ، وقِيلَ: إنَّها انْقَلَبَتْ حِينَ ألْقاها عَلَيْهِ السَّلامُ حَيَّةً صَفْراءَ في غِلَظِ العَصا ثُمَّ انْتَفَخَتْ وغَلُظَتْ فَلِذَلِكَ شُبِّهَتْ بِالجانِّ تارَةً وسُمِّيَتْ ثُعْبانًا أُخْرى، وعَبَّرَ عَنْها بِالِاسْمِ العامِّ لِلْحالَيْنِ، والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِالمَقامِ مَعَ ظُهُورِ اقْتِضاءِ الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْناها لَهُ وبُعْدِها عَنِ التَّأْوِيلِ. وقَدْ رَوى الأمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حانَتْ مِنهُ نَظْرَةٌ بَعْدَ أنْ ألْقاها فَإذا بِأعْظَمِ ثُعْبانٍ نَظَرَ إلَيْهِ النّاظِرُونَ يُرى يُلْتَمَسُ كَأنَّهُ يَبْتَغِي شَيْئًا يُرِيدُ أخْذَهُ يَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ مِثْلَ الخِلْفَةِ مِنَ الإبِلِ فَيَلْتَقِمَها ويَطْعَنَ بِالنّابِ مِن أنْيابِهِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ العَظِيمَةِ فَيَجْتَثُّها، عَيْناهُ تُوقَدانِ نارًا، وقَدْ عادَ المِحْجَنُ عُرْفًا فِيهِ شَعَرٌ مِثْلُ النَّيازِكِ، وعادَ الشُّعْبَتانِ فَما مِثْلَ القَلِيبِ الواسِعِ فِيهِ أضْراسٌ وأنْيابٌ لَها صَرِيفٌ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ بَيْنَ لَحْيَيْهِ أرْبَعِينَ ذِراعًا، فَلَمّا عايَنَ ذَلِكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَذَهَبَ حَتّى أمْعَنَ ورَأى أنَّهُ قَدْ أعْجَزَ الحَيَّةَ

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏

So he threw it down, and thereupon it was a snake, moving swiftly.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَقِيلَ؟ قالَ: ﴿ألْقِها يا مُوسى﴾ لِتَرى مِن شَأْنِها ما تَرى، والإلْقاءُ الطَّرْحُ عَلى الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّتْ بِها النَّوى كَما قَرَّ عَيْنًا بِالإيابِ المُسافِرُ
وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِمَزِيدِ التَّنْبِيهِ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِ العَصا، وكَوْنُ قائِلِ هَذا هو اللَّهَ تَعالى هو الظّاهِرُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ المَلِكُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ أبْعَدَ غايَةَ البُعْدِ ‏‏‏‏‏‏‏ رَيْثَما قِيلَ لَهُ ألْقِها ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ تَمْشِي وتَنْتَقِلُ بِسُرْعَةٍ، والحَيَّةُ اسْمُ جِنْسٍ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ والكَبِيرِ والأُنْثى والذَّكَرِ، وقَدِ انْقَلَبَتْ حِينَ ألْقاها عَلَيْهِ السَّلامُ ثُعْبانًا وهو العَظِيمُ مِنَ الحَيّاتِ كَما يَفْصَحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ وتَشْبِيهُها بِالجانِّ وهو الدَّقِيقُ مِنها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ مِن حَيْثُ الجَلادَةُ وسُرْعَةُ الحَرَكَةِ لا مِن حَيْثُ صِغَرُ الجُثَّةِ فَلا مُنافاةَ، وقِيلَ: إنَّها انْقَلَبَتْ حِينَ ألْقاها عَلَيْهِ السَّلامُ حَيَّةً صَفْراءَ في غِلَظِ العَصا ثُمَّ انْتَفَخَتْ وغَلُظَتْ فَلِذَلِكَ شُبِّهَتْ بِالجانِّ تارَةً وسُمِّيَتْ ثُعْبانًا أُخْرى، وعَبَّرَ عَنْها بِالِاسْمِ العامِّ لِلْحالَيْنِ، والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِالمَقامِ مَعَ ظُهُورِ اقْتِضاءِ الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْناها لَهُ وبُعْدِها عَنِ التَّأْوِيلِ. وقَدْ رَوى الأمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حانَتْ مِنهُ نَظْرَةٌ بَعْدَ أنْ ألْقاها فَإذا بِأعْظَمِ ثُعْبانٍ نَظَرَ إلَيْهِ النّاظِرُونَ يُرى يُلْتَمَسُ كَأنَّهُ يَبْتَغِي شَيْئًا يُرِيدُ أخْذَهُ يَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ مِثْلَ الخِلْفَةِ مِنَ الإبِلِ فَيَلْتَقِمَها ويَطْعَنَ بِالنّابِ مِن أنْيابِهِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ العَظِيمَةِ فَيَجْتَثُّها، عَيْناهُ تُوقَدانِ نارًا، وقَدْ عادَ المِحْجَنُ عُرْفًا فِيهِ شَعَرٌ مِثْلُ النَّيازِكِ، وعادَ الشُّعْبَتانِ فَما مِثْلَ القَلِيبِ الواسِعِ فِيهِ أضْراسٌ وأنْيابٌ لَها صَرِيفٌ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ بَيْنَ لَحْيَيْهِ أرْبَعِينَ ذِراعًا، فَلَمّا عايَنَ ذَلِكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَذَهَبَ حَتّى أمْعَنَ ورَأى أنَّهُ قَدْ أعْجَزَ الحَيَّةَ

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

[Allah] said, "Seize it and fear not; We will return it to its former condition.

ثُمَّ ذَكَرَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَوَقَفَ اسْتِحْياءً مِنهُ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ نُودِيَ يا مُوسى (إلَيَّ) ارْجِعْ حَيْثُ كُنْتَ فَرَجَعَ وهو شَدِيدُ الخَوْفِ فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأخْذِها وهو ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا ‏‏‏ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ ‏‏‏‏ أيِ: الحَيَّةَ وكانَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرًا، وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: ( خُذْها بِيَمِينِكَ ) ‏‏ ‏‏‏ مِنها، ولَعَلَّ ذَلِكَ الخَوْفَ
صفحة 178
مِمّا اقْتَضَتْهُ الطَّبِيعَةُ البَشَرِيَّةُ فَإنَّ البَشَرَ بِمُقْتَضى طَبْعِهِ يَخافُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ مِثْلِ ذَلِكَ وهو لا يُنافِي جَلالَةَ القَدْرِ.

وقِيلَ: إنَّما خافَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ رَأى أمْرًا هائِلًا صَدَرَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِلا واسِطَةٍ ولَمْ يَقِفْ عَلى حَقِيقَةِ أمْرِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ كَنارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها صَدَرَتْ عَلى يَدِ عَدُوِّ اللَّهِ تَعالى وكانَتْ حَقِيقَةُ أمْرِها كَنارٍ عَلى عَلَمٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها كَما خافَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحَيَّةِ، وقِيلَ: إنَّما خافَ لِأنَّهُ عَرَفَ ما لَقِيَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ حَيْثُ كانَ لَهُ مَدْخَلٌ في خُرُوجِ أبِيهِ مِنَ الجَنَّةِ، وإنَّما عُطِفَ النَّهْيُ عَلى الأمْرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ عَدَمَ المَنهِيِّ عَنْهُ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ لا لِتَحْقِيقِ المَأْمُورِ بِهِ فَقَطْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (سَنُعِيدُها) أيْ: بَعْدَ الأخْذِ (سِيرَتَها) أيْ: حالَتَها (الأُولى) الَّتِي هي العَصَوِيَّةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ فَإنَّ إعادَتَها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِن مُوجِباتِ أخْذِها وعَدَمِ الخَوْفِ مِنها، ودَعْوى أنَّ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ عُدَّةٌ كَرِيمَةٌ بِإظْهارِ مُعْجِزَةٍ أُخْرى عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإيذانًا بِكَوْنِها مُسَخَّرَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَكُونَ عَلى طُمَأْنِينَةٍ مِن أمْرِهِ ولا تَعْتَرِيهِ شائِبَةٌ تُزَلْزَلُ عِنْدَ مَحاجَّةِ فِرْعَوْنَ لا تَخْلُو عَنْ خَفاءٍ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ حِكْمَةَ انْقِلابِها حَيَّةً وأمْرِهِ بِأخْذِها ونَهْيِهِ عَنِ الخَوْفِ تَأْنِيسُهُ فِيما يَعْلَمُ سُبْحانَهُ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ مَعَ فِرْعَوْنَ، ولَعَلَّ هَذا مَأْخَذُ تِلْكَ الدَّعْوى.

قِيلَ: بَلَغَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ هَذا الخِطابِ مِنَ الثِّقَةِ وعَدَمِ الخَوْفِ إلى حَيْثُ كانَ يُدْخِلُ يَدَهُ في فَمِها ويَأْخُذُ بِلَحْيَيْها، وفي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِها أدْنى طَرَفَ المِدْرَعَةِ عَلى يَدِهِ وكانَتْ عَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِن صُوفٍ قَدْ خَلَّها بِخِلالٍ مِن عِيدانٍ فَقالَ لَهُ مَلَكٌ: أرَأيْتَ يا مُوسى لَوْ أذِنَ اللَّهُ تَعالى بِما تُحاذِرُ أكانَتِ المِدْرَعَةُ تُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟ قالَ: لا ولَكِنِّي ضَعِيفٌ ومِن ضَعْفٍ خُلِقْتُ فَكَشَفَ عَنْ يَدِهِ، ثُمَّ وضَعَها عَلى فَمِ الحَيَّةِ، حَتّى سَمِعَ حِسَّ الأضْراسِ والأنْيابِ، ثُمَّ قَبَضَ فَإذا هي عَصاهُ الَّتِي عَهِدَها وإذا يَدُهُ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَ يَضَعُها فِيهِ إذا تَوَكَّأ بَيْنَ الشُّعْبَتَيْنِ.

والرِّوايَةُ الأُولى أوْفَقُ بِمَنصِبِهِ الجَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نُودِيَ المَرَّةَ الأُولى: يا مُوسى خُذْها فَلَمْ يَأْخُذْها ثُمَّ نُودِيَ الثّانِيَةَ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ فَلَمْ يَأْخُذْها ثُمَّ نُودِيَ الثّالِثَةَ ﴿إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ فَأخَذَها، وذَكَرَ مَكِّيٌّ في تَفْسِيرِهِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ بَعِيدٌ عَنْ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ فَلَعَلَّ الخَبَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ.

والسِّيرَةُ فِعْلَةٌ مِنَ السَّيْرِ تُقالُ لِلْهَيْئَةِ والحالَةِ الواقِعَةِ فِيهِ ثُمَّ جُرِّدَتْ لِمُطْلَقِ الهَيْئَةِ والحالَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الشَّيْءُ، ومِن ذَلِكَ اسْتِعْمالُها في المَذْهَبِ والطَّرِيقَةِ في قَوْلِهِمْ: سِيرَةُ السَّلَفِ، وقَوْلِ الشّاعِرِ:

فَلا تَغْضَبَنْ مِن سِيرَةٍ أنْتَ سِرْتَها فَأوَّلَ راضٍ سِيرَةً مَن يَسِيرُها
واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ نَصْبِها في الآيَةِ فَقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِنَزْعِ الخافِضِ والأصْلُ إلى سِيرَتِها أوْ لِسِيرَتِها وهو كَثِيرٌ، وإنْ قالُوا: إنَّهُ لَيْسَ بِمَقِيسٍ، وهَذا ظاهِرُ قَوْلِ الحُوفِيِّ: إنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِنُعِيدَها عَلى حَذْفِ الجارِّ نَحْوَ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ وارْتَضاهُ ابْنُ هِشامٍ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ أعادَ مَنقُولًا مِن عادَهُ بِمَعْنى عادَ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

فَصَرِّمْ حَبْلَها إذْ صَرَّمَتْهُ ∗∗∗ وعادَكَ أنَّ تَلاقِيَها عَداءُ
فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّهُ غَيْرُ التَّوْجِيهِ الأوَّلِ لِاعْتِبارِ النَّقْلِ فِيهِ والخافِضُ يُحْذَفُ مِن أعادَ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى ثُلاثَيْهِ وتَعَدّى عادَ بِنَفْسِهِ مِمّا صَحَّ بِهِ النَّقْلُ، فَقَدْ نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنْ عادَكَ في البَيْتِ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى صَرَفَكَ، وكَذا نَقَلَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ. وفي المُغْرِبِ العَوْدُ الصَّيْرُورَةُ ابْتِداءً وثانِيًا، ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِإلى وعَلى وفي واللّامِ.

صفحة 179
وفِي مَشارِقِ اللُّغَةِ لِلْقاضِي عِياضٍ مِثْلُهُ، ونُقِلَ عَنِ الحَدِيثِ ( «أعُدْتَ فَتّانًا يا مُعاذُ» ؟ )

. وقالَ أبُو البَقاءِ: هي بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ سَنُعِيدُها في طَرِيقَتِها الأُولى.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ قائِلًا: إنَّ سِيرَتَها وطَرِيقَتَها ظَرْفٌ مُخْتَصٌّ فَلا يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ عَلى طَرِيقَةِ الظَّرْفِيَّةِ إلّا بِوَساطَةِ في ولا يَجُوزُ الحَذْفُ إلّا في ضَرُورَةٍ أوْ فِيما شَذَّتْ فِيهِ العَرَبُ، وحاصِلُهُ أنَّ شَرْطَ الِانْتِصابِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ هُنا وهو الإبْهامُ مَفْقُودٌ، وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ عَنْ نُحاةِ المَغْرِبِ أنَّهم قَسَّمُوا المُبْهَمَ إلى أقْسامٍ مِنها المُشْتَقُّ مِنَ الفِعْلِ كالمَذْهَبِ والمَصْدَرِ المَوْضُوعِ مَوْضِعَ الظَّرْفِ نَحْوَ قَصْدِكَ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ المَخْتُومِ بِالتّاءِ وغَيْرِهِ، فالنَّصْبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ فِيما ذُكِرَ غَيْرُ شاذٍّ ولا ضَرُورَةَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ واسْتَحْسَنَهُ أنْ يَكُونَ (سَنُعِيدُها) مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِسِيرَتِها بِمَعْنى أنَّها أُنْشِئَتْ أوَّلَ ما أُنْشِئَتْ عَصًا ثُمَّ ذَهَبَتْ وبَطَلَتْ بِالقَلْبِ حَيَّةً، فَسَنُعِيدُها بَعْدَ الذَّهابِ كَما أنْشَأْناها أوَّلًا، (وسِيرَتَها) مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ تَسِيرُ سِيرَتَها الأُولى أيْ سَنُعِيدُها سائِرَةً سِيرَتَها الأُولى حَيْثُ كُنْتَ تَتَوَكَّأُ عَلَيْها وتَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِكَ ولَكَ فِيها المَآرِبُ الَّتِي عَرَفْتَها. انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّهُ جَعَلَ الجُمْلَةَ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ وفاعِلِهِ حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنْ ما ذَكَرَهُ وإنْ حَسُنَ مَعْنًى إلّا أنَّهُ خِلافَ المُتَبادِرِ، هَذا والآيَةُ ظاهِرَةٌ في جَوازِ انْقِلابِ الشَّيْءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ كانْقِلابِ النُّحاسِ إلى الذَّهَبِ وبِهِ قالَ جَمْعٌ، ولا مانِعَ في القُدْرَةِ مِن تَوَجُّهِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ إلى ذَلِكَ، وتَخْصِيصُ الإرادَةِ لَهُ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ لِأنَّ قَلْبَ الحَقائِقِ مُحالٌ والقُدْرَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ والحَقُّ الأوَّلُ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ بَدَلَ النُّحاسِ مَثَلًا ذَهَبًا عَلى ما هو رَأْيُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أوْ بِأنْ يَسْلُبَ عَنْ أجْزاءِ النُّحاسِ الوَصْفَ الَّذِي صارَ بِهِ نُحاسًا ويَخْلُقُ فِيهِ الوَصْفَ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ ذَهَبًا

( عَلى ما هو رَأْيُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ مِن تَجانُسِ الجَواهِرِ واسْتِوائِها في قَبُولِ الصِّفاتِ، والمُحالُ إنَّما هو انْقِلابُهُ ذَهَبًا مَعَ كَوْنِهِ نُحاسًا لِامْتِناعِ كَوْنِ الشَّيْءِ في الزَّمَنِ الواحِدِ نُحاسًا وذَهَبًا، وانْقِلابُ العَصا حَيَّةً كانَ بِأحَدِ هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأيِّهِما كانَ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ الثّانِي فَإنَّ في كَوْنِ خَلْقِ البَدَلِ انْقِلابًا خَفاءً كَما لا يَخْفى.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And draw in your hand to your side; it will come out white without disease - another sign,

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ ما أخَذَ الحَيَّةَ وانْقَلَبَتْ عَصا كَما كانَتْ والضَّمُّ الجَمْعُ، والجَناحُ كَما في القامُوسِ اليَدُ والعَضُدُ والإبِطُ والجانِبُ ونَفْسُ الشَّيْءِ ويُجْمَعُ عَلى أجْنِحَةٍ وأجْنُحٌ، وفي البَحْرِ الجَناحُ حَقِيقَةٌ في جَناحِ الطّائِرِ والمَلِكِ ثُمَّ تَوَسَّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلى اليَدِ والعَضُدِ وجَنْبِ الرَّجُلِ.

وقِيلَ: لِمُجَنِّبَتَيِ العَسْكَرِ جَناحانِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ وسُمِّي جَناحُ الطّائِرِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُجْنِحُهُ أيْ يُمِيلُهُ عِنْدَ الطَّيَرانِ، والمُرادُ أدْخِلْ يَدَكَ اليُمْنى مِن طَوْقِ مِدْرَعَتَكَ واجْعَلْها تَحْتَ إبْطِ اليُسْرى أوْ تَحْتَ عَضُدِها عِنْدَ الإبِطِ أوْ تَحْتَها عِنْدَهُ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏، ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ جَعَلَهُ بَعْضُهم مَجْزُومًا في جَوابِ الأمْرِ المَذْكُورِ عَلى اعْتِبارِ مَعْنى الإدْخالِ فِيهِ، وقالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: إنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ أمْرٍ مُقَدَّرٍ وأصْلُ الكَلامِ اضْمُمْ يَدَكَ تَنْضَمَّ وأخْرِجْها تَخْرُجُ فَحَذِفَ ما حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ. والثّانِي وأبْقى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَهو إيجازٌ يُسَمّى بِالِاحْتِباكِ، ونَصْبُ (بَيْضاءَ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (تَخْرُجْ) والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (بَيْضاءَ) أوْ صِفَةٌ لِبَيْضاءَ كَما قالَ الحُوفِيُّ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ كَما قالَ
صفحة 180
أبُو حَيّانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ابْيَضَّتْ مِن غَيْرِ سُوءٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَخَرُّجٍ كَما جَوَّزَهُ غَيْرُ واحِدٍ. والسُّوءُ الرَّداءَةُ والقُبْحُ في كُلِّ شَيْءٍ، وكُنِّيَ بِهِ عَنِ البَرَصِ كَما كُنِّيَ عَنِ العَوْرَةِ بِالسَّوْأةِ لِما أنَّ الطِّباعَ تَنْفِرُ عَنْهُ الأسْماعُ تَمُجُّهُ. وهو أبْغَضُ شَيْءٍ عِنْدَ العَرَبِ ولِهَذا كَنَّوْا عَنْ جُذَيْمَةَ صاحِبِ الزَّبّاءِ وكانَ أبْرَصَ بِالأبْرَشِ والوَضّاحِ، وفائِدَةُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ ذَلِكَ الِاحْتِراسِ فَإنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأُوهِمَ ولَوْ عَلى بُعْدٍ أنَّ ذَلِكَ مِن بَرَصٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاحْتِراسُ عَنْ تَوَهُّمِ عَيْبِ الخُرُوجِ عَنِ الخِلْقَةِ الأصْلِيَّةِ عَلى أنَّ المَعْنى: تَخْرُجُ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ عَيْبٍ وقُبْحٍ في ذَلِكَ الخُرُوجِ أوْ عَنْ تَوَهُّمِ عَيْبٍ مُطْلَقًا. يُرْوى أنَّها خَرَجَتْ بَيْضاءَ لَها شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ يُغْشِي البَصَرَ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ آدَمَ اللَّوْنِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: مُعْجِزَةً أُخْرى غَيْرَ العَصا. وانْتِصابُها عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (تَخْرُجْ) والصَّحِيحُ جَوازُ تَعَدُّدِ الحالِ لِذِي حالٍ واحِدٍ أوْ مِن ضَمِيرِ (بَيْضاءَ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى ما قِيلَ أوْ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن (بَيْضاءَ) ويَرْجِعُ إلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (تَخْرُجْ)، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ خُذْ آيَةً وحُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ. وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ جَوازُ تَقْدِيرِ دُونَكَ عامِلًا وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما هو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ مِن جَوازِ عَمَلِ اسْمِ الفِعْلِ مَحْذُوفًا ومَنَعَهُ أبُو حَيّانَ لِأنَّهُ نائِبٌ عَنِ الفِعْلِ ولا يُحْذَفُ النّائِبُ والمَنُوبُ عَنْهُ، ونُقِضَ بَيا النِّدائِيَّةِ فَإنَّها تُحْذَفُ مَعَ أنَّها نائِبَةٌ عَنْ أدَعُو، وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعَ مَفْعُولِهِ الأوَّلِ أيْ جَعَلْناها أوْ آتَيْناكَ آيَةً أُخْرى، وجَعَلَ هَذا القائِلُ قَوْلَهُ تَعالى:

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

That We may show you [some] of Our greater signs.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقًا بِذَلِكَ المَحْذُوفِ. ومَن قَدَّرَ خُذْ ونَحْوَهُ جَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِهِ، وجَوَّزَ الحُوفِيُّ تَعَلُّقَهُ بِاضْمُمْ، وتَعَلُّقَهُ بِتَخْرُجْ، وأبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ (آيَةً) أيْ دَلَّلْنا بِها لِنُرِيَكَ. ومَنَعَ تَعَلُّقَهُ بِها لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ.

وبَعْضُهم تَعَلَّقَهُ بِألْقِ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا لِنُرِيَكَ بَعْضَ آياتِنا الكُبْرى عَلى أنَّ (الكُبْرى) صِفَةٌ لِآياتِنا عَلى حَدِّ (مَآرِبُ أُخْرى) و(مِن آياتِنا) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي ومِن فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِنُرِيَكَ بِذَلِكَ الكُبْرى مِن آياتِنا عَلى أنَّ (الكُبْرى) هو المَفْعُولُ الثّانِي لِنُرِيَكَ و(مِن آياتِنا) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٍ مِنهُ، ومِن فِيهِ لِلِابْتِداءِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ. وتَقْدِيمُ الحالِ مَعَ أنَّ صاحِبَهُ مَعْرِفَةٌ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. وجَوَّزَ كِلا الإعْرابَيْنِ في ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الحُوفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ وغَيْرُهم.

واخْتارَ في البَحْرِ الإعْرابَ الأوَّلَ ورَجَّحَهُ بِأنَّ فِيهِ دَلالَةً عَلى أنَّ آياتِهِ تَعالى كُلَّها كُبْرى بِخِلافِ الإعْرابِ الثّانِي وبِأنَّهُ عَلى الثّانِي لا تَكُونُ (الكُبْرى) صِفَةَ العَصا واليَدِ مَعًا وإلّا لَقِيلَ: الكُبْرَيَيْنِ. ولا يُمْكِنُ أنْ يُخَصَّ أحَدُهُما لِأنَّ في كُلٍّ مِنهُما مَعْنى التَّفْضِيلِ، ويَبْعُدُ ما قالَ الحَسَنُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن أنَّ اليَدَ أعْظَمُ في الإعْجازِ مِنَ العَصا لِأنَّهُ لَيْسَ في اليَدِ إلّا تَغْيِيرُ اللَّوْنِ، وأمّا العَصا فَفِيها تَغْيِيرُ اللَّوْنِ وخَلْقُ الزِّيادَةِ في الجِسْمِ وخَلْقُ الحَياةِ والقُدْرَةِ والأعْضاءِ المُخْتَلِفَةِ مَعَ عَوْدِها عَصًا بَعْدَ ذَلِكَ، فَكانَتْ أعْظَمَ في الإعْجازِ مِنَ اليَدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (الكُبْرى) صِفَةً لَهُما ولِاتِّحادِ المَقْصُودِ جُعِلَتا آيَةً واحِدَةً وأفْرَدَتِ الصِّفَةَ لِذَلِكَ. وأنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْيَدِ والعَصا غَنِيَّةٌ عَنِ الوَصْفِ بِها لِظُهُورِ كَوْنِها كُبْرى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا كُلَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ. وكَذا ما قِيلَ: مِن أنَّ مِن عَلى الإعْرابِ الثّانِي لِلْبَيانِ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ لِنُرِيَكَ الآياتِ الكُبْرى مِن آياتِنا لِيَصِحَّ الحَمْلُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ البَيانُ ولا يَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ الإعْرابِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ ولا يُساوِيهِ أصْلًا. ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ كُلَّ احْتِمالٍ مِنِ احْتِمالاتِ مُتَعَلِّقِ اللّامِ خَلا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وصْفِ آيَةِ
صفحة 181
العَصا بِالكِبَرِ، لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، ويُعْتَذَرَ بِأنَّ عَدَمَ الوَصْفَ لِلظُّهُورِ مَعَ ظُهُورِ الِاحْتِمالِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الِاعْتِذارِ عَنْ ذَلِكَ المَقالِ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى العاصِمُ مِنَ الزَّلَلِ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Ṭā-Hā 20:19