All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Āl ʿImrān 3:175 Juzʾ 4 Page 73

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الإشارَةُ إلى المُثَبِّطِ بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ، والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ بِمَعْنى إبْلِيسَ لِأنَّهُ عَلَمٌ لَهُ بِالغَلَبَةِ خَبَرُهُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِشَيْطَنَتِهِ، أوْ حالٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّيْطانُ صِفَةً لِاسْمِ الإشارَةِ عَلى التَّشْبِيهِ أيْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا حَيْثُ جَعَلَهُ هو ويُخَوِّفُ هو الخَبَرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذا إشارَةً إلى قَوْلِ المُثَبِّطِ فَلا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ قَوْلُ الشَّيْطانِ، والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ أيْضًا، ولا تَجَوُّزَ فِيهِ عَلى الصَّحِيحِ، وإنَّما التَّجَوُّزُ في الإضافَةِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ القَوْلُ بِوَسْوَسَتِهِ وسَبَبِهِ جُعِلَ كَأنَّهُ قَوْلُهُ، والمُسْتَكِنُّ في (يُخَوِّفُ) إمّا لِلْمُقَدَّرِ وإمّا لِلشَّيْطانِ بِحَذْفِ الرّاجِعِ إلى المُقَدَّرِ أيْ يُخَوِّفُ بِهِ، والمُرادُ بِأوْلِيائِهِ إمّا أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ لِيُخَوِّفُ مَحْذُوفٌ أيْ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ بِأنْ يُعَظِّمَهم في قُلُوبِكم، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ وبِذِكْرِ هَذا المَفْعُولِ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقَرَأُ بَعْضُهم يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ، وعَلى هَذا المَعْنى أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُما، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ فَلا تَخافُوا أوْلِياءَهُ الَّذِينَ خَوَّفَكم إيّاهم ‏‏‏‏‏‏ في مُخالَفَةِ أمْرِي، وإمّا المُتَخَلِّفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَأوْلِياءَهُ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمَفْعُولُ الثّانِي إمّا مَتْرُوكٌ أوْ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ يُوقِعُهم في الخَوْفِ، أوْ يُخَوِّفُهم مِن أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، وعَلى هَذا لا يَصِحُّ عَوْدُ ضَمِيرِ ‏‏‏‏‏‏ إلى الأوْلِياءِ بَلْ هو راجِعٌ إلى النّاسِ. الثّانِي كَضَمِيرِ –اخْشَوْهم - فَهو رَدٌّ لَهُ أيْ فَلا تَخافُوا النّاسَ وتَقْعُدُوا عَنِ القِتالِ وتَجْبُنُوا ‏‏‏‏‏‏ فَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي وسارِعُوا إلى امْتِثالِ ما يَأْمُرُكم بِهِ، وإلى هَذا الوَجْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وادَّعى الطِّيبِيُّ أنَّ النَّظْمَ يُساعِدُ عَلَيْهِ، والخِطابُ حِينَئِذٍ لِفَرِيقَيِ الخارِجِينَ
صفحة 130
والمُتَخَلِّفِينَ، والقَصْدُ التَّعْرِيضُ بِالطّائِفَةِ الأخِيرَةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لَها، و‏‏‏‏‏‏‏ إذْ ذاكَ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أوْلِياءُ الشَّيْطانِ، واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم هَذا القِيلَ مُطْلَقًا مُعَلِّلًا لَهُ بِأنَّ الخارِجِينَ لَمْ يَخافُوا إلّا اللَّهَ تَعالى.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ قِيامَ احْتِمالِ التَّعْرِيضِ يُمْرِضَ هَذا التَّعْلِيلِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ أوِ الِانْتِهاءِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ كَوْنَ المُخَوِّفِ شَيْطانًا أوْ قَوْلًا لَهُ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ الخَوْفِ والنَّهْيِ عَنْهُ، وأثْبَتَ أبُو عَمْرٍو ياءَ (وخافُونِ) وصْلًا، وحَذَفَها وقْفًا، والباقُونَ يَحْذِفُونَها مُطْلَقًا وهي ضَمِيرُ المَفْعُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (175) إنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُتَخَلِّفِينَ فالأمْرُ فِيهِ واضِحٌ، وإنْ كانَ لِلْخارِجِينَ كانَ مُساقًا لِلْإلْهابِ والتَّهْيِيجِ لَهم لِتَحَقُّقِ إيمانِهِمْ، وإنْ كانَ لِلْجَمِيعِ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، وأيًّا ما كانَ فالجَزاءُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: إنْ كانَ الخِطابُ فِيما تَقَدَّمَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلى الجَزاءِ لِكَوْنِهِ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، وإنْ كانَ لِلْآخَرِينَ افْتُقِرَ إلَيْهِ، وكَأنَّ المَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَخافُونِي وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِي؛ لِأنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي أنْ تُؤْثِرُوا خَوْفَ اللَّهِ تَعالى عَلى خَوْفِ النّاسِ.
* * *
هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) في الآياتِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ بِسَيْفِ المَحَبَّةِ ‏‏ ‏‏‏ بِالمَوْتِ الِاخْتِبارِيِّ ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ أيْ سَتْرٌ لِوُجُودِكم ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ مِنهُ تَعالى بِتَحَلِّيكم بِصِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ أهْلُ الكَثْرَةِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ أيْ بِاتِّصافِكَ بِرَحْمَةٍ رَحِيمِيَّةٍ أيْ رَحْمَةٍ تابِعَةٍ لِوُجُودِكَ المَوْهُوبِ الإلَهِيِّ لا الوُجُودِ البَشَرِيِّ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ النَّفْسِ كالفَظاظَةِ والغِلَظِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ولَمْ يَتَحَمَّلُوا مُؤْنَةَ ذَلِكَ، أوْ يُقالُ: لَوْ لَمْ تَغْلِبْ صِفاتُ الجَمالِ فِيكَ عَلى نُعُوتِ الجَلالِ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ ولَما صَبَرُوا مَعَكَ، أوْ يُقالُ: لَوْ سَقَيْتَهم صَرْفَ شَرابِ التَّوْحِيدِ غَيْرَ مَمْزُوجٍ بِما فِيهِ لَهم حَظٌّ لَتَفَرَّقُوا هائِمِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ غَيْرَ مُطِيقِينَ الوُقُوفَ مَعَكَ لَحْظَةً، أوْ يُقالُ: لَوْ كُنْتَ مُدَقِّقًا عَلَيْهِمْ أحْكامَ الحَقائِقِ لَضاقَتْ صُدُورُهم ولَمْ يَتَحَمَّلُوا أثْقالَ حَقِيقَةِ الآدابِ في الطَّرِيقِ، ولَكِنْ سامَحْتَهم بِالشَّرِيعَةِ والرُّخَصِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فِيما يَتَعَلَّقُ بِكَ مِن تَقْصِيرِهِمْ مَعَكَ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وكَوْنِكَ لا تَرى في الوُجُودِ غَيْرَ اللَّهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى لِاعْتِذارِهِمْ أوِ اسْتَغْفِرْ لَهم ما يَجْرِي في صُدُورِهِمْ مِنَ الخَطِراتِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِالمَعْرِفَةِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ إذا كُنْتَ في مَقامِ الفِعْلِ اخْتِبارًا لَهم وامْتِحانًا لِمَقامِهِمْ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وذَلِكَ إذا كُنْتَ في مَقامِ مُشاهِدَةِ الرُّبُوبِيَّةِ والخُرُوجِ مِنَ التَّفْرِقَةِ إلى الجَمْعِ، ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ فَإنَّهُ حَسْبُكَ فِيما يُرِيدُ مِنكَ وتُرِيدُ مِنهُ، وذَكَرَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُفْهَمَ مِنَ الآيَةِ كَوْنُ الخِطابِ مَعَ الرُّوحِ الإنْسانِيِّ، وأنَّهُ لِأنَّ لِصِفاتِ النَّفْسِ وقُواها الشَّهَوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ لِتَسْتَوْفِيَ حَظَّها، ويَرْتَبِطُ بِذَلِكَ بَقاءُ النَّسْلِ وصَلاحُ المَعاشِ، ولَوْلا ذَلِكَ لاضْمَحَلَّتْ تِلْكَ القُوى وتَلاشَتْ واخْتَلَّتِ الحِكْمَةُ وفُقِدَتِ الكِمالاتُ الَّتِي خُلِقَ الإنْسانُ لِأجْلِها.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ تَحْقِيقٌ لِمَعْنى التَّوَكُّلِ والتَّوْحِيدِ في الأفْعالِ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السّادَةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّ نَصْرَ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ مُتَفاوِتُ المَراتِبِ، فَنَصْرُهُ المُرِيدِينَ بِتَوْفِيقِهِمْ لِقَمْعِ الشَّهَواتِ، ونَصْرُهُ المُحِبِّينَ بِنَعْتِ المُداناتِ، ونَصْرُهُ العارِفِينَ بِكَشْفِ المُشاهِداتِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّما يُدْرِكُ نَصْرَ اللَّهِ تَعالى مَن تَبَرَّأ مِن حَوْلِهِ وقَوَّتِهِ واعْتَصَمَ بِرَبِّهِ في جَمِيعِ أسْبابِهِ، ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ لِكَمالِ قُدُسِهُ وغايَةِ أمانَتِهِ فَلَمْ يُخْفِ حَقَّ اللَّهِ تَعالى عَنْ عِبادِهِ، وأعْطى عِلْمَ الحَقِّ لِأهْلِ الحَقِّ، ولَمْ يَضَعْ أسْرارَهُ إلّا عِنْدَ الأُمَناءِ مِن أمَتِّهِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ أيِ النَّبِيِّ في مَقامِ الرِّضْوانِ الَّتِي هي جَنَّةُ الصِّفاتِ، لِاتِّصافِهِ بِصِفاتِ
صفحة 131
اللَّهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ وهو الغالُّ المُحْتَجِبُ بِصِفاتِ نَفْسِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهي أسْفَلُ حَضِيضِ النَّفْسِ المُظْلِمَةِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ كُلٌّ مِن أهْلِ الرِّضا والسُّخْطِ مُتَفاوِتُونَ في المَراتِبِ حَسْبَ الِاسْتِعْداداتِ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إذْ هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِرْآةُ الحَقِّ يَتَجَلّى مِنهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولَوْ تَجَلّى لَهم صِرْفًا لاحْتَرَقُوا بِأوَّلِ سَطَواتِ عَظَمَتِهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (مِن أنْفُسِهِمْ) كَوْنُهُ في لِباسِ البَشَرِ ظاهِرًا بِالصُّورَةِ الَّتِي هم عَلَيْها، وحَمْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى العارِفِينَ، والرَّسُولُ عَلى الرُّوحِ الإنْسانِيِّ المُنَوَّرِ بِنُورِ الأسْماءِ والصِّفاتِ المَبْعُوثِ لِإصْلاحِ القُوى غَيْرُ بَعِيدٍ في مَقامِ الإشارَةِ ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ في أثْناءِ السَّيْرِ في اللَّهِ تَعالى وهي مُصِيبَةُ الفَتْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم ﴿قَدْ أصَبْتُمْ﴾ قُوى النَّفْسِ ﴿مِثْلَيْها﴾ مَرَّةً عِنْدَ وُصُولِكم إلى مَقامِ تَوْحِيدِ الأفْعالِ، ومَرَّةً عِنْدَ وُصُولِكم إلى مَقامِ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ ﴿قُلْتُمْ أنّى﴾ أصابَنا هَذا ونَحْنُ في بَيْداءِ السَّيْرِ في اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ، ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ لِأنَّهُ بَقِيَ فِيها بَقِيَّةٌ ما مِن صِفاتِها، ولا يُنافِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ لِأنَّ السَّبَبَ الفاعِلَ في الجَمِيعِ هو الحَقُّ جَلَّ شَأْنُهُ، والسَّبَبَ القابِلِيَّ أنْفُسُهم، ولا يَفِيضُ مِنَ الفاعِلِ إلّا ما يَلِيقُ بِالِاسْتِعْدادِ، ويَقْتَضِيهِ، فَبِاعْتِبارِ الفاعِلِ يَكُونُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبِاعْتِبارِ القابِلِ يَكُونُ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ورُبَّما يُقالُ ما يَكُونُ مِن أنْفُسِهِمْ أيْضًا يَكُونُ مِنَ اللَّهِ تَعالى نَظَرًا إلى التَّوْحِيدِ إذْ لا غَيْرَ ثَمَّةَ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ سَواءٌ قُتِلُوا بِالجِهادِ الأصْغَرِ وبَذْلِ الأنْفُسِ طَلَبًا لِرِضا اللَّهِ تَعالى، أوْ بِالجِهادِ الأكْبَرِ وكَسْرِ النَّفْسِ وقَمْعِ الهَوى بِالرِّياضَةِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ بِالحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ مُقَرَّبِينَ في حَضْرَةِ القُدُسِ ﴿يُرْزَقُونَ﴾ مِنَ الأرْزاقِ المَعْنَوِيَّةِ وهي المَعارِفُ والحَقائِقُ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجُوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَدُورُ في أنْهارِ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ»، ونَقَلَ ذَلِكَ بِهَذا اللَّفْظِ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ، وجَعَلَ الطَّيْرَ الخُضْرَ إشارَةً إلى الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ، والقَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ إشارَةً إلى الكَواكِبِ، وأنْهارَ الجَنَّةِ مَنابِعَ العُلُومِ ومَشارِعَها، وثِمارَها الأحْوالَ والمَعارِفَ.

والمَعْنى أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَتَعَلَّقُ بِالنَّيِّراتِ مِنَ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ بِنَزاهَتِها، وتَرِدُ مَشارِعُ العُلُومِ وتَكْتَسِبُ هُناكَ المَعارِفَ والأحْوالَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مِمّا لا يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما سَبَقَ، فَإنْ كانَ ولا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ فَلْيُجْعَلِ الطَّيْرُ إشارَةً إلى الصُّوَرِ الَّتِي تَظْهَرُ بِها الأرْواحُ بِناءً عَلى أنَّها جَواهِرُ مُجَرَّدَةٌ، وأُطْلِقَ اسْمُ الطَّيْرِ عَلَيْها إشارَةً إلى خِفَّتِها ووُصُولِها بِسُرْعَةٍ حَيْثُ أذِنَ لَها.

ونَظِيرُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ: ”«الأطْفالُ هم دَعامِيصُ الجَنَّةِ“» والدَّعامِيصُ جَمْعُ دُعْمُوصٍ وهي دُوْيَّبَةٌ تَكُونُ في مُسْتَنْقَعِ الماءِ كَثِيرَةُ الحَرَكَةِ لا تَكادُ تَسْتَقِرُّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأطْفالَ لَيْسُوا تِلْكَ الدُّوْيَّبَةَ في الجَنَّةِ، لَكِنَّهُ أرادَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الإخْبارَ بِأنَّهم سَيّاحُونَ في الجَنَّةِ، فَعَبَّرَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، ووَصْفُ الطَّيْرِ بِالخُضْرِ إشارَةٌ إلى حُسْنِها وطَراوَتِها، ومِنهُ خَبَرُ: «إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ» .

وقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّ الغَزْوَ حُلْوٌ خَضِرٌ.

ومِن أمْثالِهِمُ: النَّفْسُ خَضْراءُ، وقَدْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنَّها تَمِيلُ لِكُلِّ شَيْءٍ وتَشْتَهِيهِ، وأمْرُ الظَّرْفِيَّةِ في الخَبَرِ سَهْلٌ، وباقِي ما فِيهِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ، وإمّا مُؤَوَّلٌ، وعَلى الثّانِي يُرادُ مِنَ الجَنَّةِ الجَنَّةُ المَنَوِيَّةُ وهي جَنَّةُ الذّاتِ والصِّفاتِ، ومِن أنْهارِها ما يَحْصُلُ مِنَ التَّجَلِّياتِ، ومِن ثِمارِها ما يُعَقِّبُ تِلْكَ التَّجَلِّياتِ مِنَ الآثارِ، ومِنَ القَنادِيلِ المُعَلَّقَةِ في ظِلِّ العَرْشِ مَقاماتٌ لا تَكْتَنِهُ مُعَلَّقَةٌ في ظِلِّ عَرْشِ الوُجُودِ المُطْلَقِ المُحِيطِ، وكَوْنُها مِن ذَهَبٍ إشارَةً إلى عَظَمَتِها، وأنَّها لا تُنالُ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ.
صفحة 132
وحاصِلُ المَعْنى عَلى هَذا أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ الَّذِينَ جادُوا بِأنْفُسِهِمْ في مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ قَتَلَهُمُ الشَّوْقُ إلَيْهِ -عَزَّ شَأْنُهُ- تَتَمَثَّلُ صُوَرًا حَسَنَةً ناعِمَةً طَرِيَّةً يَسْتَحْسِنُها مَن رَآها، تَطِيرُ بِجَناحِيِ القَبُولِ والرِّضا في أنْواعِ التَّجَلِّياتِ الإلَهِيَّةِ، وتَكْتَسِبُ بِذَلِكَ أنْواعًا مِنَ اللَّذائِذِ المَعْنَوِيَّةِ، الَّتِي لا يُقَدِّرُ قَدْرَها، ويَتَجَدَّدُ لَها في مِقْدارِ كَلِّ لَيْلَةٍ مَقامٌ جَلِيلٌ، لا يُنالُ إلّا بِمِثْلِ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ هو النَّعِيمُ المُقِيمُ، والفَوْزُ العَظِيمُ، وكَأنَّ مَن أوَّلَ هَذا الخَبَرَ وأمْثالَهُ قَصَدَ سَدَّ بابِ التَّناسُخُ، ولَعَلَّهُ بِالمَعْنى الَّذِي يَقُولُ بِهِ أهْلُ الضَّلالِ غَيْرُ لازِمٍ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ في آيَةِ البَقَرَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ مِنَ الكَرامَةِ والنِّعْمَةِ والزُّلْفى عِنْدَهُ، ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وهُمُ الغُزاةُ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا بَعْدُ، أوِ السّالِكُونَ المُجاهِدُونَ أنْفُسَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَهم إلى ذَلِكَ الوَقْتِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ لِفَوْزِهِمْ بِالمَأْمَنِ الأعْظَمِ، والحَبِيبِ الأكْرَمِ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ عَظِيمَةٍ، وهي جَنَّةُ الصِّفاتِ ﴿وفَضْلٍ﴾ أيْ: زِيادَةٍ عَلَيْها، وهي جَنَّةُ الذّاتِ، ومَعَ ذَلِكَ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ أجْرَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي هو جَنَّةُ الأفْعالِ، وثَوابُ الأعْمالِ، ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِالفَناءِ بِالوَحْدَةِ الذّاتِيَّةِ، والقِيامِ بِحَقِّ الِاسْتِقامَةِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: كَسْرُ النَّفْسِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهُمُ الثّابِتُونَ في مَقامِ المُشاهِدَةِ وأتْقَنُوا النَّظَرَ إلى نُفُوسِهِمْ لَهم ‏‏‏ ‏‏‏‏ وراءَ أجْرِ الإيمانِ، ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ المُنْكِرُونَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى المُشاهَدَةِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ وتَحَشَّدُوا لِلْإنْكارِ عَلَيْكم ﴿فاخْشَوْهُمْ﴾، واتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴿فَزادَهُمْ﴾ ذَلِكَ القَوْلُ ﴿إيمانًا﴾، أيْ يَقِينًا وتَوْحِيدًا بِنَفْيِ الغَيْرِ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِ، وتَوَصَّلُوا بِنَفْيِ ما سِوى اللَّهِ تَعالى إلى إثْباتِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ فَشاهَدُوهُ ثُمَّ رَجَعُوا إلى تَفاصِيلِ الصِّفاتِ بِالِاسْتِقامَةِ، وقالُوا: نِعْمَ الوَكِيلُ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: رَجَعُوا بِالوُجُودِ الحَقّانِيِّ في جَنَّةِ الصِّفاتِ والذّاتِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏: لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ؛ إذْ لا أحَدَ إلّا الأحَدُ، ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ في حالِ سُلُوكِهِمْ حَتّى فازُوا بِجَنَّةِ الذّاتِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ المَحْجُوبِينَ بِأنْفُسِهِمْ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المُنْكِرِينَ ‏‏‏‏‏‏؛ إذْ لَيْسَ في الوُجُودِ سِوايَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ مُوَحِّدِينَ تَوْحِيدًا حَقِيقِيًّا، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوَكِيلُ

The same ayah, in another commentary

Āl ʿImrān 3:175