All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Āl ʿImrān 3:189 Juzʾ 4 Page 75

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allah is over all things competent.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ حَيْثُ أفادَ أنَّ لِلَّهِ وحْدَهُ السُّلْطانَ القاهِرَ في جَمِيعِ العالَمِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَما يَشاءُ ويَخْتارُ إيجادًا وإعْدامًا، إحْياءً وإماتَةً، تَعْذِيبًا وإثابَةً، ومَن هو كَذَلِكَ فَهو مالِكُ أمْرِهِمْ لا رادَّ لَهُ عَمّا أرادَ بِهِمْ.

‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ (189) تَقْرِيرٌ إثْرَ تَقْرِيرٍ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ مَعَ الإشْعارِ بِمَناطِ الحُكْمِ، فَإنَّ شُمُولَ القُدْرَةِ لِجَمِيعِ الأشْياءِ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ والرَّمْزِ إلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ بِالتَّقْرِيرِ، وقِيلَ: مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ مَسُوقٌ لِرَدِّ قَوْلِ اليَهُودِ السّابِقِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏
صفحة 153
وضُعِّفَ بِالبُعْدِ - ولَوْ قِيلَ -: وفِيهِ رَدٌّ لَهانَ الأمْرُ.
* * *
هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ‏‏ ‏‏‏‏ لِتَوَقُّعِ الضَّرَرِ أوْ لِشِدَّةِ الغَيْرَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ لِحِجابِهِمُ الأصْلِيِّ وظُلْمَتِهِمُ الذّاتِيَّةِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فَإنَّ ساحَةَ الكِبْرِياءِ مُقَدَّسَةٌ عَنْ هُجُومِ ظِلالِ الضَّلالِ، أوِ المُرادُ لَنْ يَضُرُّوكَ أيُّها المُظْهِرُ الأعْظَمُ إلّا أنَّهُ تَعالى أقامَ نَفْسَهُ تَعالى مَقامَ نَفْسِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى الفَرْقِ والجَمْعِ ‏‏‏‏ ‏‏ إظْهارًا لِصِفَةِ قَهْرِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِعِظَمِ حِجابِهِمْ ونَظَرِهِمْ إلى الأغْيارِ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وأخَذُوهُ بِالإيمانِ بَدَلَهُ لِقُبْحِ اسْتِعْدادِهِمْ وسُوءِ اخْتِيارِهِمُ الغَيْرِ المَجْعُولِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ولَكِنْ يَضُرُّونَ أنْفُسَهم لِحِرْمانِها تَجَلِّي الجَمالِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ لِكَوْنِهِمْ غَدَوْا بِذَلِكَ مَظْهَرَ الجَلالِ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ونَزِيدُ في مَدَدِهِمْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يَنْتَفِعُونَ بِهِ في القُرْبِ إلَيْنا ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِسَبَبِ ذَلِكَ لِازْدِيادِهِمْ حِجابًا عَلى حِجابٍ وبُعْدًا عَلى بُعْدٍ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ مَنبَعِ العِزِّ.

‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مِن ظاهِرِ الإسْلامِ وتَصْدِيقِ اللِّسانِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مِن صِفاتِ النَّفْسِ وحُظُوظِ الشَّيْطانِ ودَواعِي الهَوى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهو صِفاتُ القَلْبِ كالإخْلاصِ واليَقِينِ والمُكاشَفَةِ ومُشاهَدَةِ الرُّوحِ ومُناغاةِ السِّرِّ ومُسامَراتِهِ، وذَلِكَ بِوُقُوعِ الفِتَنِ والمَصائِبِ بَيْنَكم ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ أيْ غَيْبِ وُجُودِكم مِنَ الحَقائِقِ الكامِنَةِ فِيكم بِلا واسِطَةِ الرَّسُولِ لِلْبُعْدِ وعَدَمِ المُناسِبَةِ وانْتِفاءِ اسْتِعْدادِ التَّلَقِّي مِنهُ سُبْحانَهُ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَيُطْلِعُهُ عَلى ذَلِكَ ويَهْدِيكم إلى ما غابَ عَنْكم مِن كُنُوزِ وجُودِكم وأسْرارِهِ لِلْجِنْسِيَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهُ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ بِالتَّصْدِيقِ والتَّمَسُّكِ بِالشَّرِيعَةِ لِيُمْكِنُكُمُ التَّلَقِّي مِنهم ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَعْدَ ذَلِكَ الإيمانِ الحَقِيقِيِّ الحاصِلِ بِالسُّلُوكِ والمُتابَعَةِ في الطَّرِيقَةِ ﴿وتَتَّقُوا﴾ الحُجُبَ والمَوانِعَ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ مِن كَشْفِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى غُيُوبًا: غَيْبَ الظّاهِرِ وغَيْبَ الباطِنِ وغَيْبَ الغَيْبِ وسِرَّ الغَيْبِ وغَيْبَ السِّرِّ، فَغَيْبُ الظّاهِرِ هو ما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ، وغَيْبُ الباطِنِ هو غَيْبُ المَقْدُوراتِ المَكْنُونَةِ عَنْ قُلُوبِ الأغْيارِ، وغَيْبُ الغَيْبِ هو سِرُّ الصِّفاتِ في الأفْعالِ، وسِرُّ الغَيْبِ هو نُورُ الذّاتِ في الصِّفَةِ، وغَيْبُ السِّرِّ هو غَيْبُ القِدَمِ وسِرِّ الحَقِيقَةِ والِاطِّلاعِ بِالواسِطَةِ عَلى ما عَدا الأخِيرِ واقِعٌ لِلسّالِكِينَ عَلى حَسَبِ مَراتِبِهِمْ، وأمّا الِاطِّلاعُ عَلى الأخِيرِ فَغَيْرُ واقِعٍ لِأحَدٍ أصْلًا، فَإنَّ الأزَلِيَّةَ مُنَزَّهَةٌ عَنِ الإدْراكٍ وخاصَّةٌ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، مِن ذَلِكَ المَعْنى رُؤْيَتُهُ بِنَعْتِ الكَشْفِ لَهُ وابْتِسامِ صَباحِ الأزَلِ في وجْهِهِ لا بَنَعْتِ الإحاطَةِ والإدْراكِ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ مِنَ المالِ أوِ العِلْمِ أوِ القُدْرَةِ أوِ النَّفْسِ فَلا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ عَلى المُسْتَحِقِّينَ أوِ المُسْتَعِدِّينَ أوِ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِينَ في الذَّبِّ عَنْهم، أوْ في الفَناءِ في اللَّهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ لِاحْتِجابِهِمْ بِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ويُلْزَمُونَ وبالَهُ ويَبْقى ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ عِنْدَ هَلاكِهِمْ عَلى ما يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّ مِن أعْظَمِ أنْواعِ البُخْلِ كَتْمَ الأسْرارِ عَنْ أهْلِها وعَدَمَ إظْهارِ مَواهِبِ اللَّهِ تَعالى عَلى المُرِيدِينَ وإبْقائِهِمْ في مَهامِهِ الطَّرِيقِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِن إرْشادِهِمْ ويُقالُ: إنَّ مَبْنى الطَّرِيقِ عَلى السَّخاءِ، وإنَّ السَّخاءَ بِالمالِ وصْفُ المُرِيدِينَ، والسَّخاءَ بِالنَّفْسِ وصْفُ المُحِبِّينَ، وبِالرُّوحِ وصْفُ العارِفِينَ.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: السَّخاءُ بَذْلُ النَّفْسِ والسِّرِّ والرُّوحِ والكُلِّ، ومَن بَخِلَ في طَرِيقِ الحَقِّ بِمالِهِ حُجِبَ وبَقِيَ
صفحة 154
مَعَهُ، ومَن نَظَرَ إلى الغَيْرِ حُرِمَ فَوائِدَ الحَقِّ وسَواطِعَ أنْوارِ القُرْبِ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهُمُ اليَهُودُ حَيْثُ سَمِعُوا الِاسْتِقْراضَ ولَمْ يَفْهَمُوا سِرَّهُ فَوَقَعُوا فِيما وقَعُوا وقالُوا ما قالُوا، وهَذا القَوْلَ إنَّما يَجُرُّ إلَيْهِ الطُّغْيانُ وغَلَبَةُ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ واسْتِيلاءُ سُلْطانِ الهَوى عَلى النَّفْسِ الأمّارَةِ، فَتَطْلُبُ حِينَئِذٍ الِارْتِداءَ بِرِداءِ الرُّبُوبِيَّةِ، ومِن هُنا تَقُولُ: (أنا رَبُّكُمُ الأعْلى) أحْيانًا مَعَ حِجابِها وبُعْدِها عَنِ الحَضْرَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قِيلَ: إنَّهُ رُوِيَ «أنَّ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ مُعْجِزَتُهم أنْ يَأْتُوا بِقُرْبانٍ فَيَدْعُوا اللَّهَ تَعالى فَتَأْتِيَ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلَهُ، وتَأْوِيلُهُ أنْ يَأْتُوا بِنُفُوسِهِمْ يَتَقَرَّبُونَ بِها إلى اللَّهِ تَعالى ويُدْعَوْنَ بِالزُّهْدِ والعِبادَةِ فَتَأْتِي نارُ العِشْقِ مِن سَماءِ الرُّوحِ فَتَأْكُلُهُ وتُفْنِيهِ في الوَحْدَةِ، وبَعْدَ ذَلِكَ تَصِحُّ نُبُوَّتُهم وتَظْهَرُ، فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ عَوامُّ بَنِي إسْرائِيلَ اعْتَقَدُوا ظاهِرَهُ المُمْكِنَ في عالَمِ القُدْرَةِ فاقْتَرَحُوا عَلى كُلِّ نَبِيٍّ تِلْكَ الآيَةَ إلى أنَّ جاءَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ، ونَقَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لَنا ورَدَّهُ عَلَيْهِمْ»، وأوْلى مِن هَذا في بابِ التَّأْوِيلِ أنَّ يَهُودَ صِفاتِ النَّفْسِ البَهِيمِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ قالُوا لِرَسُولِ الخاطِرِ الرَّحْمانِيِّ والإلْهامِ الرَّبّانِيِّ لا نَنْقادُ لَكَ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ هو الدُّنْيا وما فِيها تَجْعَلُها نَسِيكَةً لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَأْكُلُها نارُ المَحَبَّةِ ﴿قُلْ﴾ يا وارِدَ الحَقِّ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيْ وارِداتُ الحَقِّ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ بِالحُجَجِ الباهِرَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهو جَعْلُ الدُّنْيا وما فِيها قُرْبانًا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ غَلَبْتُمُوهم ومَحَوْتُمُوهم حَتّى لَمْ تُبْقُوا أثَرًا لِتِلْكَ الوارِداتِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ في أنَّكم تُؤْمِنُونَ لِمَن يَأْتِيكم بِذَلِكَ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ خِطابٌ لِلرَّسُولِ الأعْظَمِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِلْعَوامِّ ﴿والزُّبُرِ﴾ لِلْمُتَوَسِّطِينَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِلْخَواصِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ إشارَةً إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، والثّانِي إلى تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، والثّالِثُ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ولِهَذا أتى بِالكِتابِ مُفْرَدًا ووَصَفَهُ بِالمُنِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْوارِدِ الرَّحْمانِيِّ والرُّسُلِ إشارَةً إلى الوارِداتِ المُخْتَلِفَةِ المُتَنَوِّعَةِ.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ حُكْمٌ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأنْفُسِ مُجَرَّدَةً كانَتْ أوْ بَسِيطَةً بِحَمْلِ المَوْتِ عَلى ما يَشْمَلُ المَوْتَ الطَّبِيعِيَّ والفَناءَ في اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ثُمَّ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلى اخْتِلافِها يَوْمَ القِيامَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ نارِ الحِجابِ أوْ ما يَعُمُّها والنّارَ المَعْرُوفَةَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ المُتَنَوِّعَةَ إلى ما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، أوِ الجَنَّةَ بِالمَعْنى الأعَمِّ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ولَذّاتُها الفانِيَةُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ لِأنَّها الحِجابُ الأعْظَمُ لِمَن نَظَرَ إلَيْها مِن حَيْثُ هي ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ لَتُخْتَبَرُنَّ في أمْوالِكم بِإيجابِ إنْفاقِها مَعَ مَيْلِكم إلَيْها، وأنْفُسِكم بِتَعْرِيضِها لِما يَكادُ يَجُرُّ إلى إتْلافِها مَعَ حُبِّكم لَها.

وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَ النَّفْسَ وزَيَّنَها بِكِسْوَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ومَلَأها بِاللُّطْفِ والقَهْرِ وكَساها زِينَةَ المُلْكِ مِنَ الأمْوالِ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، فَمَن نَظَرَ إلى نَفْسِهِ بِعَيْنِ زِينَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فَنِيَتْ نَفْسُهُ فِيها ونَطَقَ لِسانُ الرُّبُوبِيَّةِ مِنهُ وصارَ كَشَجَرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ نَطَقَ الحَقُّ مِنها، وذَلِكَ مِثْلُ الحَلّاجِ القائِلِ: أنا الحَقُّ، ومَن نَظَرَ إلى زِينَةِ الأمْوالِ الَّتِي هي زِينَةُ المُلْكِ صارَ حالُهُ كَحالِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ كانَ يَنْظُرُ إلى عِظَمِ جَلالِ المَوْلى مِن خِلالِ تِلْكَ الزِّينَةِ، ومَن نَظَرَ إلى نَفْسِهِ مِن حَيْثُ إنَّها نَفْسُهُ واغْتَرَّ بِالسَّرابِ ولَمْ يُحَقِّقْ بِالذَّوْقِ ما عِنْدَهُ صارَ حالُهُ كَحالِ فِرْعَوْنَ إذْ نادى ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾، ومَن نَظَرَ إلى خُضْرَةِ الدُّنْيا وحَسا كَأْسَ شَهَواتِها وسَكِرَ بِها صارَ كَبِلْعامَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهَذا وجْهُ الِابْتِلاءِ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، وأيُّ ابْتِلاءٍ أعْظَمُ مِن رُؤْيَةِ المَلِكِ ورُؤْيَةِ الرُّبُوبِيَّةِ في الكَوْنِ الَّذِي هو مَحَلُّ الِالتِباسِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏
صفحة 155
وهم أهْلُ مَقامِ الجَمْعِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهم أهْلُ الكَثْرَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِنُطْقِهِمْ بِما يُخالِفُ مَشْرَبَكم والخِطابُ لِلْمُتَوَسِّطِينَ مِنَ السّالِكِينَ، فَإنَّهم يُنْكِرُونَ عَلى أهْلِ مَقامِ الجَمْعِ وعَلى أهْلِ الكَثْرَةِ جَمِيعًا ما دامُوا غَيْرَ واصِلِينَ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ وغَيْرِ كارِعِينَ مِن بِحارِ الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلى مُجاهَدَةِ أنْفُسِكم ﴿وتَتَّقُوا﴾ النَّظَرَ إلى الأغْيارِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مِنَ الأُمُورِ المَطْلُوبَةِ الَّتِي تَجُرُّ إلى المَقْصُودِ والفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ الظّاهِرُ هُنا عَدَمُ صِحَّةِ إرادَةِ المَعْنى الَّذِي أُرِيدَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكُتّابَ آنِفًا، ومَن حَمَلَهُ عَلَيْهِ تَكَلَّفَ جِدًّا، فَلَعَلَّهُ باقٍ عَلى ظاهِرِهِ، أوْ أنَّهُ إشارَةٌ إلى العُلَماءِ مُطْلَقًا وضَمِيرُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إلَخْ راجِعٌ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ البَعْضِ فَتَدَبَّرْ.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ يَعْجَبُونَ بِما فَعَلُوا مِن طاعَةٍ ويُحْجَبُونَ بِرُؤْيَتِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ يَحْمَدُهُمُ النّاسُ فَهم مَحْجُوبُونَ بِغَرَضِ الحَمْدِ والثَّناءِ مِنَ النّاسِ، أوْ أنْ يَكُونُوا مَحْمُودِينَ عِنْدَ اللَّهِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَلْ فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أيْدِيهِمْ إذْ لا فِعْلَ حَقِيقَةً إلّا لِلَّهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ وهو عَذابُ الحِرْمانِ والحِجابِ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لَيْسَ لِأحَدٍ فِيهِما شَيْءٌ وهو المُتَصَرِّفُ فِيهِما وفِيما اشْتَمَلَتا عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَعْجَبُ مِن ظَهَرَ عَلى يَدِهِ فِعْلٌ بِما ظَهَرَ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ لا يَقْدِرُ سِواهُ عَلى فِعْلٍ ما حَتّى يُحْجَبَ بِرُؤْيَتِهِ.

The same ayah, in another commentary

Āl ʿImrān 3:189