All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Āl ʿImrān 3:200 Juzʾ 4 Page 76

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, persevere and endure and remain stationed and fear Allah that you may be successful.

Read in the muṣḥaf

ما بَيَّنَ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ وشَرَحَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وما قاساهُ المُؤْمِنُونَ الكِرامُ مِن أُولَئِكَ اللِّئامِ مِنَ الآلامِ - خَتَمَ السُّورَةَ بِما يَضُوعُ مِنهُ مِسْكُ التَّمَسُّكِ بِما مَضى، ويَضِيعُ بِامْتِثالِ ما فِيهِ مَكايِدُ الأعْداءِ ولَوْ ضاقَ لَها الفَضا، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ أيِ احْبِسُوا نُفُوسَكم عَنِ الجَزَعِ مِمّا يَنالُها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِما يَعُمُّ أقْسامَ الصَّبْرِ الثَّلاثَةَ المُتَفاوِتَةَ في الدَّرَجَةِ الوارِدَةَ في الخَبَرِ، وهو الصَّبْرُ عَلى المُصِيبَةِ، والصَّبْرُ عَلى الطّاعَةِ، والصَّبْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيِ اصْبِرُوا عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى صَبْرًا أكْثَرَ مِن صَبْرِهِمْ، وذِكْرُهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ العامِّ لِأنَّهُ أشَدُّ فَيَكُونُ أفْضَلَ فالعَطْفُ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ عَلى المَلائِكَةِ، (والصَّلاةِ الوُسْطى) (عَلى الصَّلَواتِ) وهَذا وإنْ آلَ إلى الأمْرِ بِالجِهادِ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ مِنهُ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ أقِيمُوا في الثُّغُورِ رابِطِينَ خُيُولَكم فِيها حابِسِينَ لَها مُتَرَصِّدِينَ لِلْغَزْوِ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ بِالِغِينَ في ذَلِكَ المَبْلَغِ الأوْفى أكْثَرَ مِن أعْدائِكم، والمُرابَطَةُ أيْضًا نَوْعٌ مِنَ الصَّبْرِ فالعَطْفُ هُنا كالعَطْفِ السّابِقِ.

وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن ماتَ مُرابِطًا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أُجْرِيَ عَلَيْهِ أجْرُ عَمَلِهِ الصّالِحِ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأمِنَ مِنَ الفَتّانِ، وبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى آمِنًا مِنَ الفَزَعِ ”» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“ «مَن رابَطَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَعَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ سَبْعَ خَنادِقَ كُلُّ خَنْدَقٍ كَسَبْعِ سَمَواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «الصَّلاةُ بِأرْضِ الرِّباطِ بِألْفِ ألْفَيْ صَلاةٍ» .

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الرِّباطَ أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ لِأنَّهُ حَقْنُ دِماءِ المُسْلِمِينَ، والجِهادُ سَفْكُ دِماءِ المُشْرِكِينَ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ جَمِيعُ ما مَرَّ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ (200) أيْ لِكَيْ تَظْفَرُوا وتَفُوزُوا بِنِيلِ المُنْيَةِ ودَرْكِ البُغْيَةِ والوُصُولِ إلى النُّجْحِ في الطِّلْبَةِ، وذَلِكَ حَقِيقَةُ الفَلاحِ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما سَمِعْتَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما يُرْشِدُ المُؤْمِنَ إلى ما فِيهِ مَصْلَحَةُ الدِّينِ والدُّنْيا ويَرْقى بِهِ إلى الذُّرْوَةِ العُلْيا، وقَرَّرَ ذَلِكَ بَعْضُهم بِأنَّ أحْوالَ الإنْسانِ قِسْمانِ: الأوَّلُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وحْدَهُ، والثّانِي ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن حَيْثُ المُشارَكَةُ مَعَ أهْلِ المَنزِلِ والمَدِينَةِ، وقَدْ أمَرَ سُبْحانَهُ - نَظَرًا إلى الأوَّلِ - بِالصَّبْرِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلى مَشَقَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والصَّبْرُ عَلى أداءِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَنهِيّاتِ، والصَّبْرُ عَلى شَدائِدِ الدُّنْيا وآفاتِها ومَخاوِفِها، وأمَرَ - نَظَرًا إلى الثّانِي- بِالمُصابَرَةِ ويَدْخُلُ فِيها تَحَمُّلُ الأخْلاقِ الرَّدِيَةِ مِنَ الأقارِبِ والأجانِبِ، وتَرْكُ الِانْتِقامِ مِنهم، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، والجِهادُ مَعَ أعْداءِ الدِّينِ بِاللِّسانِ والسِّنانِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا كانَ تَكْلِيفُ الإنْسانِ بِما ذُكِرَ لا بُدَّ لَهُ مِن إصْلاحِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الباعِثَةِ عَلى أضْدادِ ذَلِكَ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالمُرابِطَةِ أعَمَّ مِن أنْ تَكُونَ مُرابَطَةَ ثَغْرٍ أوْ نَفْسٍ، ثُمَّ لَمّا كانَتْ مُلاحَظَةُ الحَقِّ جَلَّ وعَلا لا بُدَّ مِنها في جَمِيعِ الأعْمالِ والأقْوالِ حَتّى يَكُونَ مُعْتَدًّا بِها أمَرَ سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى، ثُمَّ لَمّا تَمَّتْ وظائِفُ العُبُودِيَّةِ خَتَمَ الكَلامَ بِوَظِيفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وهو رَجاءُ الفَلاحِ مِنهُ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ تَمَحُّلٌ ظاهِرٌ وتَعَسُّفٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، وأوْلى مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالصَّبْرِ العامِّ أوَّلًا لِأنَّهُ كَما في الخَبَرِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ وهو مِفْتاحُ الفَرَجِ.
صفحة 176
وقالَ بَعْضُهم: لِكُلِّ شَيْءٍ جَوْهَرٌ، وجَوْهَرُ الإنْسانِ العَقْلُ، وجَوْهَرُ العَقْلِ الصَّبْرُ، وادَّعى غَيْرُ واحِدٍ أنَّ جَمِيعَ المَراتِبِ العَلِيَّةِ والمَراقِي السَّنِيَّةِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ لا تُنالُ إلّا بِالصَّبْرِ، ومِن هُنا قالَ الشّاعِرُ:

لَأسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أوْ أُدْرِكَ المُنى فَما انْقادَتِ الآمالُ إلّا لِصابِرِ
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ ثانِيًا بِنَوْعٍ خاصٍّ مِنَ الصَّبْرِ وهي المُجاهِدَةُ الَّتِي يَحْصُلُ بِها النَّفْعُ العامُّ والعِزُّ التّامُّ، وقَدْ جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا تَرَكْتُمُ الجِهادَ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتّى تَرْجِعُوا إلى دِينِكم» . ثُمَّ تَرَقّى إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن ذَلِكَ هو أعْلى وأغْلى وهو المُرابَطَةُ الَّتِي هي الإقامَةُ في ثَغْرٍ لِدَفْعِ سُوءٍ مُتَرَقَّبٍ مِمَّنْ وراءَهُ، ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ آخِرَ الأمْرِ بِالتَّقْوى العامَّةِ إذْ لَوْلاها لَأوْشَكَ أنْ يُخالِطَ تِلْكَ الأشْياءَ شَيْءٌ مِنَ الرِّياءِ والعُجْبِ ورُؤْيَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَيُفْسِدُها، وبِهَذا تَمَّ المَعْجُونُ الَّذِي يُبْرِئُ العِلَّةَ ورُوِّقَ الشَّرابُ الَّذِي يَرْوِي الغُلَّةَ.

ومِن هُنا عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما هو المَشْهُورُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: أقَبْلَ عَلَيَّ أبُو هُرَيْرَةَ يَوْمًا فَقالَ: أتَدْرِي يا ابْنَ أخِي فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ إلَخْ ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: أمّا إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَزْوٌ يُرابِطُونَ فِيهِ ولَكِنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ يَعْمُرُونَ المَساجِدَ، يُصَلُّونَ الصَّلاةَ في مَواقِيتِها ثُمَّ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيها، فَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ أيِ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أنْفُسَكم وهَواكم ‏‏‏‏‏‏‏‏ في مَساجِدِكم ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ فِيما عَلَّمَكم ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ تَعالى بِهِ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ ؟ إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» .

ولَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أصَحُّ مِنَ الرِّوايَةِ الأُولى مَعَ ما في الحُكْمِ فِيها بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ غَزْوٌ يُرابِطُونَ فِيهِ مِنَ البُعْدِ بَلْ لا يَكادُ يَسْلَمُ ذَلِكَ لَهُ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ وإنْ كانَتْ صَحِيحَةً لا تُنافِي التَّفْسِيرَ المَشْهُورَ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ اللّامُ في الرِّباطِ فِيها لِلْعَهْدِ، ويُرادُ بِهِ الرِّباطُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ويَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» مِن قَبِيلِ زَيْدٌ أسَدٌ، والمُرادُ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِالرِّباطِ عَلى وجْهِ المُبالِغَةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ المُرادَ اصْبِرُوا عَلى الجِهادِ، وصابِرُوا عَدُوَّكم، ورابِطُوا عَلى دِينِكم. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اصْبِرُوا عَلى المُصِيبَةِ، وصابِرُوا عَلى الصَّلَواتِ، ورابِطُوا في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: اصْبِرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وصابِرُوا أهْلَ الضَّلالِ، ورابِطُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ أوْلى.
* * *
هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الظُّلْمَةِ والنُّورِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهُمُ النّاظِرُونَ إلى الخَلْقِ بِعَيْنِ الحَقِّ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ في مَقامِ الرُّوحِ بِالمُشاهَدَةِ ﴿وقُعُودًا﴾ في مَحَلِّ القَلْبِ بِالمُكاشَفَةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ تَقَلُّباتِهِمْ في مَكامِنِ النَّفْسِ بِالمُجاهَدَةِ، وقالَ بَعْضُهم: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ قائِمِينَ بِاتِّباعِ أوامِرِهِ ﴿وقُعُودًا﴾ أيْ قاعِدِينَ عَنْ زَواجِرِهِ ونَواهِيهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ومُجْتَنِبِينَ مُطالَعاتِ المُخالَفاتِ بِحالٍ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ﴾ بِألْبابِهِمُ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وذَلِكَ التَّفَكُّرُ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ الأوَّلُ طَلَبُ غَيْبَةِ القُلُوبِ في الغُيُوبِ الَّتِي هي كُنُوزُ أنْوارِ الصِّفاتِ لِإدْراكِ أنْوارِ القُدْرَةِ الَّتِي تُبَلِّغُ الشّاهِدَ إلى المَشْهُودِ، والثّانِي جَوَلانُ القُلُوبِ بِنَعْتِ التَّفَكُّرِ
صفحة 177
فِي إبْداعِ المُلْكِ طَلَبًا لِمُشاهَدَةِ المَلِكِ في المُلْكِ فَإذا شاهَدُوا قالُوا ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ بَلْ هو مَرايا لِأسْمائِكَ ومَظاهِرٌ لِصِفاتِكَ، ويُفْصِحُ بِالمَقْصُودِ قَوْلُ لَبِيدٍ:

ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ
﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ مِن أنْ يَكُونَ في الوُجُودِ سِواكَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهي نارُ الِاحْتِجابِ بِالأكْوانِ عَنْ رُؤْيَةِ المُكَوِّنِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وتَحْجُبُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وأذْلَلْتَهُ بِالبُعْدِ عَنْكَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الَّذِينَ أشْرَكُوا ما لا وُجُودَ لَهُ في العِيرِ ولا النَّفِيرِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ لِاسْتِيلاءِ التَّجَلِّي القَهْرِيِّ عَلَيْهِمْ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِأسْماعِ قُلُوبِنا ﴿مُنادِيًا﴾ مِن أسْرارِنا الَّتِي هي شاطِئُ وادِي الرُّوحِ الأيْمَنِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ العِيانِيِّ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ شاهِدُوا رَبَّكم فَشاهَدْنا، أوْ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في المَقامِ الأوَّلِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمُرادُ بِهِ هو اللَّهُ تَعالى حِينَ خاطَبَ الأرْواحَ في عالَمِ الذَّرِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ لَهم إلى الإيمانِ ﴿فَآمَنّا﴾ يَعْنُونَ قَوْلَهم: (بَلى) حِينَ شاهَدُوهُ هُناكَ سُبْحانَهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ذُنُوبَ صِفاتِنا بِصِفاتِكَ ‏‏‏‏ ‏‏‏ سَيِّئاتِ أفْعالِنا بِرُؤْيَةِ أفْعالِكَ ﴿وتَوَفَّنا﴾ عَنْ ذَواتِنا بِالمَوْتِ الِاخْتِيارِيِّ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهُمُ القائِمُونَ عَلى حَدِّ التَّفْرِيدِ والتَّوْحِيدِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ألْسِنَةِ ﴿رُسُلِكَ﴾ بِقَوْلِكَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِأنْ تَحْجُبَنا بِنِعْمَتِكَ عَنْكَ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ لِكَمالِ رَحْمَتِهِ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ القَلْبُ وعَمَلُهُ مِثْلُ الإخْلاصِ واليَقِينِ ‏‏ ‏‏‏‏ النَّفْسُ وعَمَلُها إذا تَرَكَتِ المُجاهَداتِ والطّاعاتِ القالَبِيَّةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ إذْ يَجْمَعُكم أصْلٌ واحِدٌ وهو الرُّوحُ الإنْسانِيَّةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وهي مَأْلُوفاتُ أنْفُسِهِمْ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ بِما قاسَوْا مِنَ المُنْكِرِينَ، وعَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّ القَوْمَ إذا لَمْ يَذُوقُوا مَرارَةَ إيذاءِ المُنْكِرِينَ لَمْ يَفُوزُوا بِحَلاوَةِ كَأْسِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِهَذا قالَ الجُنَيْدُ - قُدِّسَ سِرُّهُ -: جَزى اللَّهُ تَعالى إخْوانَنا عَنّا خَيْرًا رَدُّونا بِجَفائِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، وقاتَلُوا أنْفُسَهم فِيَّ وهي أعْدى أعْدائِهِمْ، وقُتِلُوا بِسَيْفِ الفَناءِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ مِن بَقايا صِفاتِهِمْ وذَواتِهِمْ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ثَلاثٌ وهي جَنَّةُ الأفْعالِ، وجَنَّةُ الصِّفاتِ، وجَنَّةُ الذّاتِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أنْهارُ العُلُومِ والتَّجَلِّياتِ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَلا يَكُونُ بِيَدِ غَيْرِهِ ثَوابٌ أصْلًا.

‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ حُجِبُوا عَنِ التَّوْحِيدِ ‏ ‏‏‏‏‏ في المَقاماتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأحْوالِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ لِسُرْعَةِ زَوالِهِ وعَدَمِ نَفْعِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الحِرْمانُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الَّذِي اخْتارُوهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِمْ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ بِأنْ تَجَرَّدُوا كَمالَ التَّجَرُّدِ ‏‏‏ ‏‏‏ ثَلاثٌ عِوَضُ ذَلِكَ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ مُعَدًّا لَهم ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ مِن نِعَمِ المُشاهِدَةِ ولِطائِفِ القُرْبَةِ وحَلاوَةِ الوُصْلَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ويُحَقِّقُ التَّوْحِيدَ الذّاتِيَّ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مِن عِلَمِ التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مِن عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ ونَيْلِ الدَّرَجاتِ ‏‏‏‏ ‏ لِلتَّجَلِّي الذّاتِيِّ، وما تَجَلّى اللَّهُ تَعالى لِشَيْءٍ إلّا خَضَعَ لَهُ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ تَعالى وهي تَجَلِّياتُ صِفاتِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهي تِلْكَ الجَنّاتُ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَيُوصِلُ إلَيْهِمْ أجْرَهم بِلا إبْطاءٍ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ عَنِ المَعاصِي ‏‏‏‏‏‏‏‏ عَلى الطّاعاتِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ الأرْواحَ بِالمُشاهَدَةِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ مِن مُشاهَدَةِ الأغْيارِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِالتَّجَرُّدِ عَنْ هُمُومِكم وخَطَراتِكم، أوْ ‏‏‏‏‏‏‏ في مَقامِ النَّفْسِ بِالمُجاهَدَةِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ في مَقامِ القَلْبِ مَعَ التَّجَلِّياتِ ‏‏‏‏‏‏‏‏
صفحة 178
فِي مَقامِ الرُّوحِ ذَواتِكم حَتّى لا تَعْتَرِيَكم فَتْرَةٌ أوْ غَفْلَةٌ واتَّقُوا اللَّهَ عَنِ المُخالَفَةِ والإعْراضِ والجَفاءِ لَعَلَّكم تَفُوزُونَ بِالفَلاحِ الحَقِيقِيِّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَنا الحَظَّ الأوْفى مِنِ امْتِثالِ هَذِهِ الأوامِرِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

وهَذِهِ الآياتُ العَشْرُ كانَ يَقْرَؤُها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كُلَّ لَيْلَةٍ، كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ عَنْ عُثْمانَ قالَ: مَن قَرَأ آخِرَ آلِ عِمْرانَ في لَيْلَةٍ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ قِيامَ لَيْلَةٍ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا: «مَن قَرَأ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها آلُ عِمْرانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ حَتّى تَجِبَ الشَّمْسُ» . وخَبَرُ - «مَن قَرَأ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ أمانًا عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ» - مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقَدْ عابُوا عَلى مَن أوْرَدَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَعْصِمَنا عَنِ الزَّلَلِ ويَحْفَظَنا مِنَ الخَطَأِ والخَطَلِ، إنَّهُ جَوادٌ كَرِيمٌ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، ولْيَكُنْ هَذا خاتِمَةَ ما أمْلَيْتُهُ مِن تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ والزَّهْراوَيْنِ، وأنا أرْغَبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ أنْ يُوصِلَنِي إلى تَفْسِيرِ المُعَوِّذَتَيْنِ، وهو الجِلْدُ الأوَّلُ مِن رُوحِ المَعانِي ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجِلْدُ الثّانِي وكانَ الفَراغُ مِنهُ في غُرَّةِ مُحَرَّمِ الحَرامِ سَنَةَ 1254 ألْفٍ ومِائَتَيْنِ وأرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ، وصَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. آمِينَ.

The same ayah, in another commentary

Āl ʿImrān 3:200