All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Yā-Sīn 36:37 Juzʾ 23 Page 442

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And a sign for them is the night. We remove from it [the light of] day, so they are [left] in darkness.

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ بَيانٌ لِقُدْرَتِهِ تَعالى الباهِرَةِ في الزَّمانِ بَعْدَ ما بَيَّنَها سُبْحانَهُ في المَكانِ، و(آيَةٌ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و(اللَّيْلُ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَوْنِهِ آيَةً، وفي التَّرْكِيبِ احْتِمالاتٌ أُخَرُ تُعْلَمُ مِمّا مَرَّ، إلّا أنَّ الأرْجَحَ ما ذُكِرَ أيْ نَكْشِفُ ونُزِيلُ الضَّوْءَ مِن مَكانِ اللَّيْلِ ومَوْضِعِ إلْقاءِ ظِلِّهِ وظُلْمَتِهِ وهو الهَواءُ،
صفحة 10
فالنَّهارُ عِبارَةٌ عَنِ الضَّوْءِ إمّا عَلى التَّجَوُّزِ أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: (مِنهُ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ وذَلِكَ لِأنَّ النَّهارَ واللَّيْلَ عِبارَتانِ عَنْ زَمانِ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأُفُقِ وتَحْتَهُ، ولا مَعْنى لِكَشْفِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ. وأصْلُ السَّلْخِ كَشْطُ الجِلْدِ عَنْ نَحْوِ الشّاةِ، فاسْتُعِيرَ لِكَشْفِ الضَّوْءِ عَنْ مَكانِ اللَّيْلِ ومَلْقى ظُلْمَتِهِ وظِلِّهِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً مُصَرِّحَةً، والجامِعُ ما يُعْقَلُ مِن تَرَتُّبِ أمْرٍ عَلى آخَرَ، فَإنَّهُ يَتَرَتَّبُ ظُهُورُ اللَّحْمِ عَلى كَشْطِ الجِلْدِ وظُهُورُ الظُّلْمَةِ عَلى كَشْفِ الضَّوْءِ عَنْ مَكانِ اللَّيْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في النَّهارِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وفي السَّلْخِ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، والجُمْهُورُ عَلى ما ذَكَرْنا. و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ، وجَعْلُها سَبَبِيَّةً لَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذا التَّفْسِيرُ مَحْكِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ، ونَحْوُهُ تَفْسِيرُ السَّلْخِ بِالنَّزْعِ، واسْتِعْمالُ الفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ داخِلُونَ في الظَّلامِ؛ كَما يُفِيدُهُ هَمْزَةُ الإفْعالِ عَلَيْهِ - ظاهِرٌ، ووَقَعَ في عِبارَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ والإمامِ السَّكّاكِيِّ ”أنَّ المُسْتَعارَ لَهُ في الآيَةِ ظُهُورُ النَّهارِ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، والمُسْتَعارَ مِنهُ ظُهُورُ المَسْلُوخِ مِن جِلْدِهِ“، وذَلِكَ - عَلى ما قالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ والفاضِلُ اليَمَنِيُّ - مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ الزَّجّاجِ ”مَعْنى نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ نُخْرِجُ مِنهُ النَّهارَ إخْراجًا لا يَبْقى مَعَهُ شَيْءٌ مِن ضَوْئِهِ“، فالظُّهُورُ في عِبارَتِهِما بِمَعْنى الخُرُوجِ، وهو يَتَعَدّى بِـ”مِن“ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى عَنْ.

وقَدْ جاءَ بِهَذا المَعْنى كَما في قَوْلِ عُمَرَ لِأبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: اظْهَرْ بِمَن مَعَكَ مِنَ المُسْلِمِينَ إلَيْها، أيِ الأرْضِ، يَعْنِي اخْرُجُ إلى ظاهِرِها. وفي حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «(كانَ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ ولَمْ يَظْهَرِ الفَيْءُ بَعْدُ مِنَ الحُجْرَةِ.)» أيْ لَمْ يَخْرُجْ إلى ظاهِرِها، فَسَقَطَ ما أُورِدَ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ الظُّهُورُ لَقِيلَ ”فَإذا هم مُبْصِرُونَ“ ولَمْ يَقُلْ ”فَإذا هم مُظْلِمُونَ“؛ لَأنَّ الواقِعَ عَقِيبَ ظُهُورِ النَّهارِ مِن ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إنَّما هو الإبْصارُ لا الإظْلامُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَمْلِ العِبارَةِ عَلى القَلْبِ؛ أيْ ظُهُورِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ مِنَ النَّهارِ، وبَعْضُهم رَفَعَ هَذا الإيرادَ بِأنَّ النَّهارَ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ المُدَّةِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ أوِ الشَّمْسِ إلى الغُرُوبِ لا عَنْ بَعْضِها، فالواقِعُ عَقِيبَ هَذِهِ المُدَّةِ كُلِّها الدُّخُولُ في الظَّلامِ. وتَعَقَّبَهُ السّالِكُوتِيُّ بِأنَّ الدُّخُولَ في الظَّلامِ مُتَرَتِّبٌ عَلى السَّلْخِ لا عَلى انْقِضاءِ مُدَّةِ النَّهارِ.

ولَعَلَّ مُرادَ البَعْضِ أنَّ السَّلْخَ بِمَعْنى ظُهُورِ النَّهارِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بِظُهُورِ كُلِّ أجْزائِهِ ومَتى ظَهَرَتْ أجْزاءُ النَّهارِ كُلُّها انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، وذَكَرَ العَلّامَةُ القُطْبُ أنَّ السَّلْخَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى النَّزْعِ نَحْوُ سَلَخْتُ الإهابَ عَنِ الشّاةِ، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الإخْراجِ نَحْوُ سَلَخْتُ الشّاةَ مِنَ الإهابِ، والشّاةُ مَسْلُوخَةٌ، فَذَهَبَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ والسَّكّاكِيُّ إلى الثّانِي وغَيْرُهُما إلى الأوَّلِ، فاسْتِعْمالُ الفاءِ في (فَإذا هُمْ) ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ الغَيْرِ، وأمّا عَلى قَوْلِهِما فَإنَّما يَصِحُّ مِن جِهَةِ أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِما يُعَدُّ في العادَةِ مُرَتَّبًا غَيْرَ مُتَراخٍ، وهَذا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمُورِ والعاداتِ، فَقَدْ يَطُولُ الزَّمانُ والعادَةُ في مَثَلِهِ تَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِبارِ المُهْلَةِ، وقَدْ يَكُونُ بِالعَكْسِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَإنَّ زَمانَ النَّهارِ وإنْ تَوَسَّطَ بَيْنَ إخْراجِ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ وبَيْنَ دُخُولِ الظَّلامِ لَكِنْ لِعِظَمِ دُخُولِ الظَّلامِ بَعْدَ إضاءَةِ النَّهارِ وكَوْنِهِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يَحْصُلَ إلّا في أضْعافِ ذَلِكَ الزَّمانِ عَدَّ الزَّمانَ قَرِيبًا وجَعَلَ اللَّيْلَ كَأنَّهُ يُفاجِئُهم عَقِيبَ إخْراجِ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ بِلا مُهْلَةٍ.

ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ إذا المُفاجِئَةَ إنَّما تَصِحُّ إذا جُعِلَ السَّلْخُ بِمَعْنى الإخْراجِ كَما يُقالُ: أخْرَجَ النَّهارَ مِنَ اللَّيْلِ فَفاجَأهُ دُخُولُ اللَّيْلِ فَإنَّهُ مُسْتَقِيمٌ بِخِلافَ ما إذا جُعِلَ بِمَعْنى النَّزْعِ فَإنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ: نَزَعَ ضَوْءَ الشَّمْسِ عَنِ الهَواءِ فَفاجَأهُ الظَّلامُ، كَما لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ: كَسَرْتُ الكُوزَ فَفاجَأهُ الِانْكِسارُ؛ لِأنَّ دُخُولَهم في الظَّلامِ عَيْنُ حُصُولِ الظَّلامِ فَيَكُونُ نِسْبَةُ دُخُولِهِمْ في الظَّلامِ إلى نَزْعِ ضَوْءِ النَّهارِ كَنِسْبَةِ الِانْكِسارِ إلى الكَسْرِ فَلِهَذا جَعَلا السَّلْخَ
صفحة 11
بِمَعْنى الإخْراجِ دُونَ النِّزاعِ اهـ كَلامُهُ، وقَوّاهُ العَلّامَةُ الثّانِي بِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَكُونُ آيَةً إذا اشْتَمَلَ عَلى نَوْعِ اسْتِغْرابٍ واسْتِعْجابٍ بِحَيْثُ يَفْتَقِرُ إلى نَوْعِ اقْتِدارٍ إنَّما هو مُفاجَأةُ الظَّلامِ عَقِيبَ ظُهُورِ النَّهارِ لا عَقِيبَ زَوالِ ضَوْءِ النَّهارِ.

وقالَ السّالِكُوتِيُّ: إنَّ عَدَمَ اسْتِقامَةِ المُفاجَأةِ فِيما ذُكِرَ لِأنَّها إنَّما تُتَصَوَّرُ فِيما لا يَكُونُ مُتَرَقَّبًا بَلْ يَحْصُلُ بَغْتَةً وحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في الجَوابِ: إنَّ نَزْعَ الضَّوْءِ عَنِ اللَّيْلِ لِكَوْنِ ظُهُورِهِ في غايَةِ الكَمالِ كانَ المُتَرَقَّبُ فِيهِ أنْ يَكُونَ في مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، فَحُصُولُ الظَّلامِ بَعْدَهُ في مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ أمْرٌ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ، ثُمَّ قالَ: وبِهَذا ظَهَرَ الجَوابُ عَنِ التَّقْوِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ الظُّلْمَةَ لِكَوْنِها مِمّا تَنْفِرُ عَنْها الطِّباعُ وتَكْرَهُها النُّفُوسُ يَكُونُ حُصُولُها كَأنَّهُ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ ويَكْفِي نَفْسُ السَّلْخِ في الدَّلالَةِ عَلى الِاقْتِدارِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ ما سَبَقَ عَنِ الطِّيبِيِّ واليَمَنِيِّ أنَّ الشَّيْخَ والسَّكّاكِيَّ أرادا إخْراجَ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ إخْراجًا لا يَبْقى مَعَهُ شَيْءٌ مِن ضَوْئِهِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، ومَآلُهُ إزالَةُ ضَوْءِ النَّهارِ مِن مَكانِ اللَّيْلِ ومَوْضِعِ ظُلْمَتِهِ كَما قالَ الفَرّاءُ، وجاءَ في كَلامِهِمُ الظُّهُورُ بِمَعْنى الزَّوالِ كَما في قَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ:

وعَيَّرَها الواشُونَ أنِّي أُحِبُّها وتِلْكَ شِكاةٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُها
وحَكى الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ عَنْكَ عارُهُ أيْ زائِلٌ. وقالَ المَرْزُوقِيُّ في قَوْلِ الحَماسِيِّ:

وذَلِكَ عارٌ يا ابْنَ رَيْطَةَ ظاهِرُ
أيْضًا، كَذَلِكَ فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ في كَلامِ الشَّيْخَيْنِ بِهَذا المَعْنى، ويُرادُ بِالظُّهُورِ الإظْهارُ، والتَّعْبِيرُ بِهِ مُساهَلَةٌ لِظُهُورِ أنَّ (نَسْلَخُ) مُتَعَدٍّ فَيَرْجِعُ الأمْرُ إلى الإزالَةِ فَيَتَّحِدُ كَلامِهِما بِما قالَهُ الفَرّاءُ وكَذا عَلى ما قِيلَ المُرادُ بِالظُّهُورِ الخُرُوجُ عَلى وجْهِ المُفارَقَةِ لِظُهُورِ الزَّوالِ فِيهِ حِينَئِذٍ وأمْرُ المُساهَلَةِ عَلى حالِهِ، وعَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ يَجِيءُ اعْتِراضُ العَلّامَةِ والجَوابُ هو الجَوابُ فَتَأمَّلْ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى الصَّوابِ.

وفِي الآيَةِ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأصْلَ الظُّلْمَةُ والنُّورَ طارِئٌ عَلَيْها يَسْتُرُها بِضَوْئِهِ وفي الحَدِيثِ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ أيْضًا. رَوى الإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَلَقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ ألْقى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ فَمَن أصابَهُ مِن نُورِهِ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ» .

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And the sun runs [on course] toward its stopping point. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى (اللَّيْلُ) أيْ وآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ.

وقَوْلُهُ - تَعالى -: ‏‏‏ ... إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَوْنِها آيَةً، وقِيلَ (الشَّمْسُ) مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى (اللَّيْلُ نَسْلَخُ) وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ، والجَرْيُ المَرُّ السَّرِيعُ، وأصْلُهُ لِمَرِّ الماءِ ولِما يَجْرِي بِجَرْيِهِ والمَعْنى تَسِيرُ سَرِيعًا ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِحَدٍّ مُعَيَّنٍ تَنْتَهِي إلَيْهِ مِن فَلَكِها في آخِرِ السَّنَةِ شُبِّهَ بِمُسْتَقَرَّ المُسافِرِ إذا قَطَعَ مَسِيرَهُ مِن حَيْثُ إنَّ في كُلٍّ انْتِهاءً إلى مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ وإنْ كانَ لِلْمُسافِرِ قَرارٌ دُونَها، ورُوِيُ هَذا عَنِ الكَلْبِيِّ واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والمُسْتَقَرُّ عَلَيْهِ اسْمُ مَكانٍ واللّامُ بِمَعْنى إلى وقُرِئَ بِها بَدَلَ اللّامِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَعْلِيلِيَّةً أوْ لِمُنْتَهًى لَها مِنَ المَشارِقِ اليَوْمِيَّةِ والمَغارِبِ لِأنَّها تَتَقَصّاها مَشْرِقًا مَشْرِقًا ومَغْرِبًا مَغْرِبًا حَتّى تُبْلُغَ أقْصاها ثُمَّ تَرْجِعُ فَذَلِكَ حَدُّها ومُسْتَقَرُّها لِأنَّها لا تَعْدُوهُ.

ورُوِيُ هَذا عَنِ الحَسَنِ وهو مُتَّفِقٌ في أنَّ المُسْتَقِرَّ اسْمُ مَكانٍ واللّامُ عَلى ما سَمِعْتَ، ومُخْتَلِفٌ بِاعْتِبارِ أنَّ الأوَّلَ مِنَ اسْتِقْرارِ المُسافِرِ تَشْبِيهًا لِانْتِهاءِ الدَّوْرَةِ بِانْتِهاءِ السُّفْرَةِ وهَذا بِاعْتِبارِ مُقْنَطَراتِ الِارْتِفاعِ وبُلُوغِ
صفحة 12
أقْصاها ومُقَنْطَراتِ الِانْخِفاضِ كَذَلِكَ، والِاسْتِقْرارُ بِاعْتِبارِ عَدَمِ التَّجاوُزِ عَنِ الأوَّلِ في اسْتِقْصاءِ المَشارِقِ وعَنِ الثّانِي في اسْتِقْصاءِ المَغارِبِ أوْ لِحَدٍّ لَها مِن مَسِيرِها كُلَّ يَوْمٍ في رَأْيِ عُيُونِنا وهو المَغْرِبُ، والمُسْتَقَرُّ عَلَيْهِ اسْمُ مَكانٍ أيْضًا واللّامُ كَما سَمِعْتَ أوْ لِكَبِدِ السَّماءِ ودائِرَةِ نِصْفِ النِّهارِ فالمُسْتَقَرُّ واللّامُ عَلى نَظِيرِ ما تَقَدَّمَ. وكَوْنُ ذَلِكَ مَحَلَّ قَرارِها إمّا مَجازٌ عَنِ الحَرَكَةِ البَطِيئَةِ أوْ هو بِاعْتِبارِ ما يَتَراءى؛ قالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ فَرَسَهُ وجَرْيَهُ في الظَّهِيرَةِ وشِدَّةِ الحَرِّ:

مُعْرَوْرِيًا رَمْضَ الرَّضْراضِ تَرَكُّضُهُ والشَّمْسُ حَيْرى لَها بِالجَوِّ تَدْوِيمُ
أوْ لِاسْتِقْرارٍ لَها ومُكْثٍ في كُلِّ بُرْجٍ مِنَ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ عَلى نَهْجٍ مَخْصُوصٍ، فالمُسْتَقَرُّ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ واللّامُ داخِلَةٌ عَلى الغايَةِ أوِ الحامِلِ، وقِيلَ تَجْرِي لِبَيْتِها وهو بُرْجُ الأسَدِ، واسْتِقْرارُها عِبارَةٌ عَنْ حُسْنِ حالِها فِيهِ، وهَذا غَيْرُ مَقْبُولٍ إلّا عِنْدَ أهْلِ الأحْكامِ ولا يَخْفى حُكْمُهم عَلى مُحَقِّقِي الإسْلامِ، وقالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ: المَعْنى تَجْرِي إلى وقْتٍ لَها لا تَتَعَدّاهُ، قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا مُسْتَقَرُّها انْتِهاءُ سَيْرِها عِنْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. كَما قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ومُسْتَقَرٌّ عَلَيْهِ اسْمُ زَمانٍ. وفي غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصِّحاحِ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقالَ يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ قُلْتُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: تَذْهَبُ لِتَسْجُدَ فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنَ لَها. ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ فَلا يُقْبَلَ مِنها وتَسْتَأْذِنَ فَلا يُؤْذَنَ لَها، فَيُقالُ لَها: ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعَ مِن مَغْرِبِها فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏» وفي رِوايَةٍ «أتُدْرُونَ أيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ؟ قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: إنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها تَحْتَ العَرْشِ فَتَخِرُّ ساجِدَةً» الحَدِيثَ. وفي ذَلِكَ عِدَّةُ رِواياتٍ وقَدْ رُوِيَ مُخْتَصَرًا جِدًّا.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ،» فالمُسْتَقَرُّ اسْمُ مَكانٍ والظّاهِرُ أنَّ لِلشَّمْسِ فِيهِ قَرارًا حَقِيقَةً، قالَ النَّوَوِيُّ: قالَ جَماعَةٌ بِظاهِرِ الحَدِيثِ، قالَ الواحِدِيُّ: وعَلى هَذا القَوْلِ إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ اسْتَقَرَّتْ تَحْتَ العَرْشِ إلى أنْ تَطْلُعَ، ثُمَّ قالَ النَّوَوِيُّ: وسُجُودُها بِتَمْيِيزٍ وإدْراكٍ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى فِيها.

وذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ في فَتاوِيهِ الحَدِيثِيَّةِ أنَّ سُجُودَها تَحْتَ العَرْشِ إنَّما هو عِنْدَ غُرُوبِها، وحَكى فِيها عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها تَطْلُعُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ وتَقُولَ: يا رَبِّ إنَّ قَوْمًا يَعْصُونَكَ فَيُقالُ لَها ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ فَتَنْزِلُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى تَطْلُعَ مِنَ المَشْرِقِ وبِنُزُولِها إلى سَماءِ الدُّنْيا يَطْلُعُ الفَجْرُ، وفِيها أيْضًا أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها إذا غَرَبَتْ دَخَلَتْ نَهْرًا تَحْتَ العَرْشِ فَتُسَّبِحُ رَبَّها حَتّى إذا أصْبَحَتِ اسْتَعْفَتْ رَبَّها عَنِ الخُرُوجِ، فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: لِمَ؟ فَتَقُولُ: إنِّي إذا خَرَجْتُ عُبِدْتُ مِن دُونِكَ. والسُّجُودُ تَحْتَ العَرْشِ قَدْ جاءَ أيْضًا مِن رِواياتِ الإمامِيَّةِ ولَهم في ذَلِكَ أخْبارٌ عَجِيبَةٌ مِنها أنَّ الشَّمْسَ عَلَيْها سَبْعُونَ ألْفِ كُلّابٍ وكُلُّ كُلّابٍ يَجُرُّهُ سَبْعُونَ ألْفِ مَلَكٍ مِن مَشْرِقِها إلى مَغْرِبِها ثُمَّ يَنْزِعُونَ مِنها النُّورَ فَتَخِرُّ ساجِدَةً تَحْتَ العَرْشِ ثُمَّ يَسْألُونَ
صفحة 13
رَبَّهم هَلْ نُلْبِسُها لِباسَ النُّورِ أمْ لا؟ فَيُجابُونَ بِما يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ، ثُمَّ يَسْألُونَهُ - عَزَّ وجَلَّ - هَلْ نُطْلِعُها مِن مَشْرِقِها أوْ مَغْرِبِها؟ فَيَأْتِيهِمُ النِّداءُ بِما يُرِيدُ جَلَّ شَأْنُهُ، ثُمَّ يَسْألُونَ عَنْ مِقْدارِ الضَّوْءِ، فَيَأْتِيهِمُ النِّداءُ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ الخَلْقُ مِن قَصْرِ النَّهارِ وطُولِهِ.

وفِي الهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ أخْبارٌ مِن هَذا القَبِيلِ، والصَّحِيحُ مِنَ الأخْبارِ قَلِيلٌ، ولَيْسَ لِي عَلى صِحَّةِ أخْبارِ الإمامِيَّةِ وأكْثَرَ ما في الهَيْئَةِ السَّنِيَّةِ تَعْوِيلٌ. نَعَمْ، ما تَقَدَّمَ عَنْ أبِي ذَرٍّ مِمّا لا كَلامَ في صِحَّتِهِ، وماذا يُقالُ في أبِي ذَرٍّ وصِدْقِ لَهْجَتِهِ، والأمْرُ في ذَلِكَ مُشْكِلٌ إذا كانَ السُّجُودُ والِاسْتِقْرارُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ العَرْشِ سَواءٌ قِيلَ إنَّها تَطْلُعَ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى تَصِلَ إلَيْهِ فَتَسْجُدُ، أمْ قِيلَ: إنَّها تَسْتَقِرُّ وتَسْجُدُ تَحْتَهُ مِن غَيْرِ طُلُوعٍ، فَقَدْ صَرَّحَ إمامُ الحَرَمَيْنِ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ لا خِلافَ في أنَّها تَغْرُبُ عِنْدَ قَوْمٍ وتَطْلُعُ عَلى آخَرِينَ، واللَّيْلُ يَطُولُ عِنْدَ قَوْمٍ ويَقْصُرُ عِنْدَ آخَرِينَ، وبَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ اخْتِلافٌ ما في الطُّولِ والقِصَرِ عِنْدَ خَطِّ الِاسْتِواءِ، وفي بِلادِ بِلْغارٍ قَدْ يَطْلُعُ الفَجْرُ قَبْلَ أنْ يَغِيبَ شَفَقُ الغُرُوبُ، وفي عُرْضِ تِسْعِينَ لا تَزالُ طالِعَةً ما دامَتْ في البُرُوجِ الشَّمالِيَّةِ وغارِبَةً ما دامَتْ في البُرُوجِ الجَنُوبِيَّةِ، فالسَّنَةُ نَصِفُها لَيْلٌ ونِصْفُها نَهارٌ عَلى ما فُصِّلَ في مَوْضِعِهِ، والأدِلَّةُ قائِمَةٌ عَلى أنَّها لا تَسْكُنُ عِنْدَ غُرُوبِها وإلّا لَكانَتْ ساكِنَةً عِنْدَ طُلُوعِها بِناءً عَلى أنَّ غُرُوبَها في أُفُقٍ طُلُوعٌ في غَيْرِهِ، وأيْضًا هي قائِمَةٌ عَلى أنَّها لا تُفارِقُ فَلَكَها فَكَيْفَ تَطْلُعُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى تَصِلَ إلى العَرْشِ بَلْ كَوْنُ الأمْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ لا يَحْتاجُ إلى بَيانٍ أصْلًا، وكَذا كَوْنُها تَحْتَ العَرْشِ دائِمًا بِمَعْنى احْتِوائِهِ عَلَيْها وكَوْنُها في جَوْفِهِ كَسائِرِ الأفْلاكِ الَّتِي فَوْقَ فَلَكِها والَّتِي تَحْتَهُ، وقَدْ سَألْتُ كَثِيرًا مِن أجِلَّةِ المُعاصِرِينَ عَنِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ ما سَمِعْتُ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ وبَيْنَ ما يَقْتَضِي خِلافَها مِنَ العَيانِ والبُرْهانِ فَلَمْ أُوَفَّقْ لِأنْ أفُوزَ مِنهم بِما يَرْوِي الغَلِيلَ ويَشْفِي العَلِيلَ، والَّذِي يَخْطُرُ بِالبالِ في حَلِّ ذَلِكَ الإشْكالِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ أنَّ الشَّمْسَ وكَذا سائِرُ الكَواكِبِ مُدْرِكَةٌ عاقِلَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى - الآتِي: ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ حَيْثُ جِيءَ بِالفِعْلِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ لِنَحْوِ ما ذُكِرَ يَدُلُّ، وعَلَيْهِ ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي ذَرٍّ مِن أنَّها تَسْجُدُ وتَسْتَأْذِنُ فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الِاسْتِئْذانِ ما يَكُونُ بِلِسانِ القالِ دُونَ لِسانِ الحالِ.

وخَلْقُ اللَّهِ تَعالى الإدْراكَ والتَّمْيِيزَ فِيها حالَ السُّجُودِ والِاسْتِئْذانِ ثُمَّ سَلْبُهُ عَنْها مِمّا لا حاجَةَ إلى التِزامِهِ، بَلْ هو بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، والشَّواهِدُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وكَلامِ العِتْرَةِ عَلى كَوْنِها ذاتَ إدْراكٍ وتَمْيِيزٍ مِمّا لا تَكادُ تُحْصى كَثْرَةً، وبَعْضٌ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ ذَلِكَ لَها بِالخُصُوصِ، وبَعْضُها يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِهِ لَها بِاعْتِبارِ دُخُولِها في العُمُومِ أوْ بِالمُقايَسَةِ؛ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ومَتى كانَتْ كَذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لَها نَفْسٌ ناطِقَةٌ كَنَفْسِ الإنْسانِ؛ بَلْ صَرَّحَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ بِكَوْنِها ذاتَ نَفْسٍ ناطِقَةٍ كامِلَةٍ جِدًّا، والحُكَماءُ أثْبَتُوا النَّفْسَ لِلْفَلَكِ وصَرَّحَ بَعْضُهم بِإثْباتِها لِلْكَواكِبِ أيْضًا، وقالُوا: كُلُّ ما في العالَمِ العُلْوِيِّ مِنَ الكَواكِبِ والأفْلاكِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ والتَّداوِيرِ حَيٌّ ناطِقٌ والأنْفُسُ النّاطِقَةُ الإنْسانِيَّةُ إذا كانَتْ قُدْسِيَّةً قَدْ تَنْسَلِخُ عَنِ الأبْدانِ وتَذْهَبُ مُتَمَثِّلَةً ظاهِرَةً بِصُوَرِ أبْدانِها أوْ بِصُوَرٍ أُخْرى كَما يَتَمَثَّلُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَظْهَرُ بِصُورَةِ دِحْيَةَ أوْ بِصُورَةِ بَعْضِ الأعْرابِ كَما جاءَ في صَحِيحِ الأخْبارِ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مَعَ بَقاءِ نَوْعِ تَعَلُّقٍ لَها بِالأبْدانِ الأصْلِيَّةِ يَتَأتّى مَعَهُ صُدُورُ الأفْعالِ مِنها كَما يُحْكى عَنْ بَعْضِ الأوْلِياءِ - قُدِّسَتْ أسْرارُهم - أنَّهم يُرَوْنَ في وقْتٍ واحِدٍ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وما ذاكَ إلّا لِقُوَّةِ تَجَرُّدِ أنْفُسِهِمْ، وغايَةِ تَقَدُّسِها، فَتَمْثُلُ وتَظْهَرُ في مَوْضِعٍ وبَدَنُها الأصْلِيُّ في مَوْضِعٍ آخَرَ.
صفحة 14

لا تَقُلْ دارُها بِشَرْقِيِّ نَجْدٍ ∗∗∗ كُلُّ نَجْدٍ لِلْعامِرِيَّةِ دارُ
وهَذا أمْرٌ مُقَرَّرٌ عِنْدَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ مَشْهُورٌ فِيما بَيْنَهُمْ، وهو غَيْرُ طَيِّ المَسافَةِ، وإنْكارُ مَن يُنْكِرُ كُلًّا مِنهُما عَلَيْهِمْ مُكابَرَةٌ لا تَصْدُرُ إلّا مِن جاهِلٍ أوْ مُعانِدٍ، وقَدْ عَجِبَ العَلامَةُ التَّفْتازانِيُّ مِن بَعْضِ فُقَهاءِ أهْلِ السُّنَّةِ أيْ كابْنِ مُقاتِلٍ حَيْثُ حَكَمَ بِالكُفْرِ عَلى مُعْتَقِدِ ما رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّهم رَأوْهُ بِالبَصْرَةِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ورُئِيَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِمَكَّةَ، ومَبْناهُ زَعْمَ أنَّ ذَلِكَ مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ الكِبارِ وهو مِمّا لا يُثْبِتُ كَرامَةً لِوَلِيٍّ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُعْتَمَدَ عِنْدَنا جَوازُ ثُبُوتِ الكَرامَةِ لِلْوَلِيِّ مُطْلَقًا إلّا فِيما يَثْبُتُ بِالدَّلِيلِ عَدَمُ إمْكانِهِ؛ كالإتْيانِ بِسُورَةٍ مِثْلِ إحْدى سُوَرِ القُرْآنِ، وقَدْ أثْبَتَ غَيْرُ واحِدٍ تَمَثُّلَ النَّفْسِ وتَصَوُّرِها لِنَبِيِّنا ﷺ بَعْدَ الوَفاةِ، وادَّعى أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ يُرى في عِدَّةِ مَواضِعَ في وقْتٍ واحِدٍ مَعَ كَوْنِهِ في قَبْرِهِ الشَّرِيفِ يُصَلِّي، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في ذَلِكَ، وصَحَّ أنَّهُ ﷺ رَأى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُصَلِّي في قَبْرِهِ عِنْدَ الكَثِيبِ الأحْمَرِ ورَآهُ في السَّماءِ وجَرى بَيْنَهُما ما جَرى في أمْرِ الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ، وكَوْنُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَرَجَ إلى السَّماءِ بِجَسَدِهِ الَّذِي كانَ في القَبْرِ بَعْدَ أنْ رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ مِمّا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ جَزْمًا، والقَوْلُ بِهِ احْتِمالٌ بَعِيدٌ، وقَدْ رَأى ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ جَماعَةً مِنَ الأنْبِياءِ غَيْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السَّماواتِ مَعَ أنَّ قُبُورَهم في الأرْضِ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّهم نُقِلُوا مِنها إلَيْها عَلى قِياسِ ما سَمِعْتَ آنِفًا، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا ادَّعى الحُكْمِيُّونَ اسْتِحالَتَهُ مِن شَغْلِ النَّفْسِ الواحِدَةِ أكْثَرَ مِن بَدَنٍ واحِدٍ بَلْ هو أمْرٌ وراءَهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن نَوَّرَ اللَّهُ تَعالى بَصِيرَتَهُ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ لِلشَّمْسِ نَفَسًا مِثْلُ تِلْكَ الأنْفُسِ القُدْسِيَّةِ وأنَّها تَنْسَلِخُ عَنِ الجِرْمِ المُشاهَدِ المَعْرُوفِ مَعَ بَقاءِ نَوْعٍ مِنَ التَّعَلُّقِ لَها بِهِ فَتَعْرُجُ إلى العَرْشِ فَتَسْجُدُ تَحْتَهُ بِلا واسِطَةٍ وتَسْتَقِرُّ هُناكَ وتَسْتَأْذِنُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ سَيْرَ هَذا الجِرْمِ المَعْرُوفِ وعَدَمَ سُكُونِهِ حَسْبَما يَدَّعِيهِ أهْلُ الهَيْئَةِ وغَيْرُهُمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ إذا غَرَبَتْ وتَجاوَزَتِ الأُفُقَ الحَقِيقِيَّ وانْقَطَعَتْ رُؤْيَةُ سُكّانِ المَعْمُورِ مِنَ الأرْضِ إيّاها، ولا يَضُرُّ فِيهِ طُلُوعُها إذْ ذاكَ في عُرْضِ تِسْعِينَ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ ما ذَكَرْنا مِن كَوْنِ السُّجُودِ والسُّكُونِ بِاعْتِبارِ النَّفْسِ المُنْسَلِخَةِ المُتَمَثِّلَةِ بِما شاءَ اللَّهُ تَعالى لا يُنافِي سَيْرَ الجِرْمِ المَعْرُوفِ بَلْ لَوْ كانا نِصْفَ النَّهارِ في خَطِّ الِاسْتِواءِ لَمْ يَضُرَّ أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ سُجُودُها بَعْدَ غُرُوبِها عَنْ أُفُقِ المَدِينَةِ ولا يَضُرُّ فِيهِ كَوْنُها طالِعَةً إذْ ذاكَ في أُفُقٍ آخَرَ لِما سَمِعْتَ، إلّا أنَّ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ ما ذُكِرَ أوَّلًا، وعَلى هَذا الطِّرْزِ يُخَرَّجُ ما يُحْكى أنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ تَزُورُ واحِدًا مِنَ الأوْلِياءِ بِأنْ يُقالَ إنَّ لِلْكَعْبَةَ حَقِيقَةً غَيْرَ ما يَعْرِفُهُ العامَّةُ، وهي بِاعْتِبارِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ تَزُورُ والنّاسُ يُشاهِدُونَها في مَكانِها أحْجارًا مَبْنِيَّةً.

وقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الفُتُوحاتِ كَلامًا طَوِيلًا ظاهِرًا في أنَّ لَها حَقِيقَةً غَيْرَ ما يَعْرِفُهُ العامَّةُ، وفِيهِ أنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَها زَمانَ مُجاوَرَتِهِ مُراسَلاتٌ وتَوَسُّلاتٌ ومُعاتَبَةٌ دائِمَةٌ، وأنَّهُ دَوَّنَ بَعْضَ ذَلِكَ في جُزْءٍ سَمّاهُ تاجَ الوَسائِلِ ومِنهاجَ الرَّسائِلِ، وقَدْ سُئِلَ نَجْمُ الدِّينِ عُمَرُ النَّسْفِيُّ مُفْتِي الإنْسِ والجِنِّ عَمّا يُحْكى أنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ تَزُورُ إلَخْ هَلْ يَجُوزُ القَوْلُ بِهِ؟ فَقالَ: نَقْضُ العادَةِ عَلى سَبِيلِ الكَرامَةِ لِأهْلِ الوِلايَةِ جائِزٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، وارْتَضاهُ العَلّامَةُ السَّعْدُ وغَيْرُهُ لَكِنْ لَمْ أرَ مَن خَرَّجَ زِيارَتَها عَلى هَذا الطِّرْزِ، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ ذَلِكَ بِذَهابِ الجِسْمِ المُشاهَدِ مِنها إلى المَزُورِ وانْتِقالِهِ مِن مَكانِهِ، فَفي عِدَّةِ الفَتاوى والوَلْوالَجِيَّةِ وغَيْرِهِما لَوْ ذَهَبَتِ الكَعْبَةُ لِزِيارَةِ بَعْضِ الأوْلِياءِ فالصَّلاةُ إلى هَوائِها، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أُرِيدُ بِهِ غَيْرُ ما يُحْكى فَإنَّهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ لَمْ يَكُنْ بِانْتِقالِ
صفحة 15
الجِسْمِ المُشاهَدِ ثُمَّ الجَمْعُ بَيْنَ الحَدِيثِ في الشَّمْسِ وبَيْنَ ما يَقْتَضِيهِ الحِسُّ وكَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ بِهَذا الوَجْهِ لَمْ أرَهُ لِأحَدٍ بَيْدَ أنِّي رَأيْتُ في بَعْضِ مُؤَلِّفاتِ عَصْرِيِّنا الرِّشْتِيِّ رَئِيسِ الطّائِفَةِ الإمامِيَّةِ الكَشْفِيَّةِ أنَّ سَجْدَةَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها تَحْتَ العَرْشِ عِبارَةٌ عَنْ رَفْعِ الآنِيَّةِ ونَزْعِ جِلْبابِ الماهِيَّةِ، وهو عِنْدِي نَوْعٌ مِنَ الرَّطانَةِ لا يَفْهَمُهُ مَن لا خِبْرَةَ لَهُ بِاصْطِلاحاتِهِ ولَوْ كانَ ذا فَطانَةٍ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حَدِيثَ الكَلالِيبِ السّابِقَ: إنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي كَلامَ أهْلِ الهَيْئَةِ ولا بِقَدْرِ سَمِّ الخِياطِ ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ عَدَمِ المُنافاةِ مَعَ أنَّها أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ مُعْتَذِرًا بِأنَّ الكَلامَ فِيهِ طَوِيلٌ ولا أظُنُّهُ لَوْ كانَ آتِيًا بِهِ إلّا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ، وهَذا ما عِنْدِي، فَلْيُتَأمَّلْ! واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْنُ العابِدِينَ، وابْنُهُ الباقِرُ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ (لا مُسْتَقَرَّ لَها) بِلا النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ وبِناءِ (مُسْتَقَرَّ) عَلى الفَتْحِ، فَتَقْتَضِي انْتِفاءَ كُلِّ مُسْتَقَرٍّ حَقِيقِيٍّ لِجِرْمِها المُشاهَدِ وذَلِكَ في الدُّنْيا أيْ هي تَجْرِي في الدُّنْيا دائِمًا لا تَسْتَقِرُّ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِـ (لا) أيْضًا إلّا أنَّهُ رَفَعَ (مُسْتَقَرٌّ) ونَوَّنَهُ عَلى إعْمالِها إعْمالَ لَيْسَ كَما في قَوْلِهِ:

تَعَزَّ فَلا شَيْءٌ عَلى الأرْضِ باقِيًا ∗∗∗ ولا وزَرٌ مِمّا قَضى اللَّهُ واقِيًا
(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى الجَرْيِ المَفْهُومِ مِن (تَجْرِي) أيْ ذَلِكَ الجَرْيُ البَدِيعُ الشَّأْنِ المُنْطَوِي عَلى الحِكَمِ الرّائِقَةِ الَّتِي تَحارُ في فَهْمِها العُقُولُ والأذْهانُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الغالِبِ بِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ ‏‏‏‏‏‏ المُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ، وذَكَرَ بَعْضُهم في حِكْمَةِ جَرْيِها حَتّى تَسْجُدَ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ العَرْشِ ما يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ السّابِقُ تَجَدُّدُ اكْتِسابِ النُّورِ مِنَ العَرْشِ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ في عالَمِ الطَّبِيعَةِ والعَناصِرِ ما يَتَرَتَّبُ وبِاكْتِسابِها النُّورَ مِنَ العَرْشِ صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ. ومِنَ العَجِيبِ ما ذَكَرَهُ الرِّشْتِيُّ أنَّها تَسْتَمِدُّ النُّورَ مِن ظاهِرِ العَرْشِ وتُمِدُّ فَلَكَ القَمَرِ، ومِن باطِنِ العَرْشِ وتُمِدُّ فَلَكَ زُحَلَ، وتَسْتَمِدُّ مِن ظاهِرِ الكُرْسِيِّ وتُمِدُّ فَلَكَ عُطارِدٍ ومِن باطِنِهِ وتُمِدُّ فَلَكَ المُشْتَرِي وتَسْتَمِدُّ مِن ظاهِرِ تَقاطُعِ نُقْطَتَيِ المِنطَقَتَيْنِ وتُمِدُّ فَلَكَ الزُّهْرَةِ ومِن باطِنِهِ وتُمِدُّ فَلَكَ المِرِّيخِ، ولَيْتَ شِعْرِي مِن أيْنَ اسْتَمَدَّ فَقالَ ما قالَ، وذَلِكَ مِمّا لَمْ نَجِدْ فِيهِ نَقْلًا ولا نَظُنُّ أنَّهُ مَرَّ بِخَيالٍ، وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ نُورَ الشَّمْسِ ما هو مِن حَيْثُ عَيْنُها بَلْ هو مِن تَجَلٍّ دائِمٍ لَها مِنَ اسْمِهِ تَعالى النُّورِ، ونُورُ سائِرِ السَّيّاراتِ مِن نُورِها وهو في الحَقِيقَةِ مِن تَجَلِّي اسْمِهِ سُبْحانَهُ النُّورِ فَما ثَمَّ إلّا نُورُهُ عَزَّ وجَلَّ.

وادَّعى كَثِيرٌ مِن أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ أنَّ نُورَ جَمِيعِ الكَواكِبِ ثَوابِتِها وسَيّاراتِها مُسْتَفادٌ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ وهو مُفاضٌ عَلَيْها مِنَ الفَيّاضِ المُطْلَقِ جَلَّ جَلالُهُ وعَمَّ نُوالُهُ. وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّ الشَّمْسَ ساكِنَةٌ وهي مَرْكَزُ العالَمِ والكَواكِبُ والأرْضُ كُراتٌ دائِرَةٌ

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And the moon - We have determined for it phases, until it returns [appearing] like the old date stalk.

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ صَيَّرْنا مَسِيرَهُ أيْ مَحَلَّهُ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ ‏‏‏‏‏ فَقَدَّرَ بِمَعْنى صَيَّرَ النّاصِبِ لِمَفْعُولَيْنِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والمُضافُ المَحْذُوفُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ و(مَنازِلَ) مَفْعُولُهُ الثّانِي. واخْتارَ أبُو حَيّانَ تَقْدِيرَ مَصْدَرٍ مُضافٍ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ و(مَنازِلَ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أيْ قَدَّرْنا سَيْرَهُ في مَنازِلَ، وقَدَّرَ بَعْضُهم (نُورًا)؛ أيْ قَدَّرْنا نُورَهُ في مَنازِلَ، فَيَزِيدُ مِقْدارُ النُّورِ كُلَّ يَوْمٍ في المَنازِلِ الِاجْتِماعِيَّةِ ويَنْقُصُ في المَنازِلِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ؛ لِما أنَّ نُورَهُ مُسْتَفادٌ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ لِاخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ
صفحة 16
بِالقُرْبِ والبُعْدِ مِنها مَعَ خُسُوفِهِ بِحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، وبِهَذا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ. والحَقُّ أنَّهُ لا قَطْعَ بِذَلِكَ ولَيْسَ هُناكَ إلّا غَلَبَةُ الظَّنِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَدَّرَ) مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ و(مَنازِلَ) بِتَقْدِيرِ ذا مَنازِلَ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ وهو (مَنازِلَ)، والأصْلُ: قَدَّرْنا لَهُ مَنازِلَ، عَلى الحَذْفِ والإيصالِ. واخْتارَهُ أبُو السُّعُودِ، ونَصَبَ (القَمَرَ) بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ أيْ: وقَدَّرْنا القَمَرَ قَدَّرْناهُ، وفي ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّقْدِيرِ ما فِيهِ، وكَأنَّهُ لِما أنَّ شَهْرَهم بِاعْتِبارِهِ، ويُعْلَمُ مِنهُ سِرُّ تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ”والقَمَرُ“ بِالرَّفْعِ، قالَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى الِابْتِداءِ وجُمْلَةُ (قَدَّرْناهُ) خَبَرُهُ، ويَجُوزُ فِيما أرى أنْ يَجْرِيَ في التَّرْكِيبِ ما جَرى في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ مِنَ الإعْرابِ. تَدَبَّرْ! والمَنازِلُ جَمْعُ مَنزِلٍ، والمُرادُ بِهِ المَسافَةُ الَّتِي يَقْطَعُها القَمَرُ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ وهي عِنْدَ أهْلِ الهِنْدِ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ؛ لِأنَّ القَمَرَ يَقْطَعُ فَلَكَ البُرُوجُ في سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا وثُلُثٍ فَحَذَفُوا الثُّلْثَ لِأنَّهُ ناقِصٌ عَنِ النِّصْفِ كَما هو مُصْطَلَحُ أهْلِ التَّنْجِيمِ، وعِنْدَ العَرَبِ وساكِنِي البَدْوِ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ لا لِأنَّهم تَمَّمُوا الثُّلْثَ واحِدًا كَما قالَ بَعْضُهُمْ، بَلْ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ سُنُوهم بِاعْتِبارِ الأهِلَّةِ مُخْتَلِفَةَ الأوائِلِ لِوُقُوعِها في وسَطِ الصَّيْفِ تارَةً وفي وسَطِ الشِّتاءِ أُخْرى وكَذا أوْقاتُ تِجارَتِهِمْ وزَمانُ أعْيادِهِمُ احْتاجُوا إلى ضَبْطِ سَنَةِ الشَّمْسِ لِمَعْرِفَةِ فُصُولِ السَّنَةِ حَتّى يَشْتَغِلُوا في اسْتِقْبالِ كُلِّ فَصْلٍ بِما يُهِمُّهم في ذَلِكَ الفَصْلِ مِنَ الِانْتِقالِ إلى المَراعِي وغَيْرِها فاحْتالُوا في ضَبْطِها، فَنَظَرُوا أوَّلًا إلى القَمَرِ فَوَجَدُوهُ يَعُودُ إلى وضْعٍ لَهُ مِنَ الشَّمْسِ في قَرِيبٍ مِن ثَلاثِينَ يَوْمًا، ويَخْتَفِي آخِرَ الشَّهْرِ لِلَيْلَتَيْنِ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ فاسْقُطُوا يَوْمَيْنِ مِن زَمانِ الشَّهْرِ فَبَقِيَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ، وهو زَمانُ ما بَيْنَ أوَّلِ ظُهُورِهِ بِالعَشِيّاتِ مُسْتَهِلًّا أوَّلَ الشَّهْرِ، وآخِرِ رُؤْيَتِهِ بِالغُدُواتِ مُسْتَتِرًا آخِرَهُ، فَقَسَّمُوا دَوْرَ الفَلَكِ عَلَيْهِ فَكانَ كُلُّ قِسْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دَرَجَةً وإحْدى وخَمْسِينَ دَقِيقَةً تَقْرِيبًا وهو سِتَّةُ أسْباعِ دَرَجَةٍ، فَنَصِيبُ كَلِّ بُرْجٍ مِنهُ مَنزِلانِ وثُلْثٌ، ثُمَّ لَمّا انْضَبَطَ الدَّوْرُ بِهَذِهِ القِسْمَةِ احْتالُوا في ضَبْطِ سَنَةِ الشَّمْسِ بِكَيْفِيَّةِ قَطْعِها لِهَذِهِ المَنازِلِ، فَوَجَدُوها تَسْتُرُ دائِمًا ثَلاثَةَ مَنازِلَ ما هي فِيهِ بِشُعاعِها، وما قَبْلَها بِضِياءِ الفَجْرِ، وما بَعْدَها بِضِياءِ الشَّمْسِ، ورَصَدُوا ظُهُورَ المُسْتَتِرِ بِضِياءِ الفَجْرِ ثُمَّ بِشُعاعِها ثُمَّ بِضِياءِ الشَّفَقِ فَوَجَدُوا الزَّمانَ بَيْنَ كُلِّ ظُهُورَيْ مَنزِلَتَيْنِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا تَقْرِيبًا، فَأيّامُ جَمِيعِ المَنازِلِ تَكُونُ ثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعَةً وسِتِّينَ، لَكِنَّ الشَّمْسَ تَقْطَعُ جَمِيعَها في ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسٍ وسِتِّينَ فَزادُوا يَوْمًا في أيّامِ مَنزِلِ غَفْرٍ، وزادُوهُ هَهُنا اصْطِلاحًا مِنهم أوْ لِشَرَفِهِ عَلى ما تَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ يَحْتاجُ إلى زِيادَةِ يَوْمَيْنِ لِيَكُونَ انْقِضاءُ الثَّمانِيَةِ والعِشْرِينَ مَعَ انْقِضاءِ السَّنَةِ ويَرْجِعُ الأمْرُ إلى النَّجْمِ الأوَّلِ. واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ جَعَلَتْ عَلاماتِ الأقْسامِ الثَّمانِيَةِ والعِشْرِينَ مِنَ الكَواكِبِ الظّاهِرَةِ القَرِيبَةِ مِنَ المِنطَقَةِ مِمّا يُقارِبُ طَرِيقَةَ القَمَرِ في مَمَرِّهِ أوْ يُحاذِيهِ فَيُرى القَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ نازِلًا بِقُرْبِ أحَدِها، وأحْوالُ كَواكِبِ المَنازِلِ مَعَ المَنازِلِ كَأحْوالِ كَواكِبِ البُرُوجِ مَعَ البُرُوجِ عِنْدَ أهْلِ الهَيْئَةِ، مِن أنَّها مُسامِتَةٌ لِلْمَنازِلِ وهي في فَلَكِ الأفْلاكِ، وإذا أسْرَعَ القَمَرُ في سَيْرِهِ فَقَدْ يُخَلِّي مَنزِلًا في الوَسَطِ، وإنْ أبْطَأ فَقَدْ يَبْقى لَيْلَتَيْنِ في مَنزِلٍ أوَّلُ اللَّيْلَتَيْنِ في أوَّلِهِ وآخِرُهُما في آخِرِهِ وقَدْ يُرى في بَعْضِ اللَّيالِي بَيْنَ مَنزِلَتَيْنِ، وما يُقالُ في الشُّهُورِ إنَّ الظّاهِرَ مِنَ المَنازِلِ في كُلِّ لَيْلَةٍ يَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ، وكَذا الخَفِيُّ، وأنَّهُ إذا طَلَعَ مَنزِلٌ غابَ رَقِيبُهُ وهو الخامِسَ عَشَرَ مِنَ الطّالِعِ سُمِّيَ بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِرَقِيبٍ يَرْصُدُهُ لِيَسْقُطَ في المَغْرِبِ إذا ظَهَرَ ذَلِكَ في المَشْرِقِ ظاهِرُ الفَسادِ لِأنَّها لَيْسَتْ عَلى نَفْسِ المِنطَقَةِ ولا أبْعادُ ما بَيَّنَها مُتَساوِيَةٌ ولِهَذا
صفحة 17
قَدْ يَكُونُ الظّاهِرُ سِتَّةَ عَشَرَ وسَبْعَةَ عَشَرَ وقَدْ يَكُونُ الخَفِيُّ ثَلاثَةَ عَشَرَ، وهَذِهِ الكَواكِبُ المُسَمّاةُ بِالمَنازِلِ المُسامِتَةِ لِلْمَنازِلِ الحَقِيقِيَّةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أوَّلُها الشَّرَطانِ بِفَتْحِ الشِّينِ والرّاءِ مَثْنى شَرَطٍ بِفَتْحَتَيْنِ وهي العَلامَةُ، وهُما كَوْكَبانِ نَيِّرانِ مِنَ القَدْرِ الثّالِثِ عَلى قَرْنَيِ الحَمَلِ مُعْتَرِضانِ بَيْنَ الشَّمالِ والجَنُوبِ بَيْنَهُما ثَلاثَةُ أشْبارٍ، وبِقُرْبِ الجَنُوبِيِّ مِنهُما كَوْكَبٌ صَغِيرٌ سَمَّتِ العَرَبُ الكُلَّ أشْراطًا؛ لِأنَّها بِسُقُوطِها عَلاماتُ المَطَرِ والرِّيحِ، والقَمَرُ يُحاذِيهِما، وبِقُرْبِ الشَّمالِيِّ مِنهُما كَوْكَبٌ نَيِّرٌ هو الشَّرَطانِ عِنْدَ بَعْضٍ، ويُقالُ لِلشَّرَطَيْنِ النّاطِحُ أيْضًا، ثُمَّ البُطَيْنُ تَصْغِيرُ البَطْنِ وهو ثَلاثَةُ كَواكِبَ خَفِيَّةٍ مِنَ القَدْرِ الخامِسِ عَلى شَكْلِ مُثَلَّثٍ حادِّ الزَّوايا عَلى فَخِذَيِ الحَمَلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّرَطَيْنِ قِيدُ رُمْحٍ، والقَمَرُ يَجْتازُ بِها أحْيانًا، ثُمَّ الثُّرَيّا تَصْغِيرُ ثَرْوى مِنَ الثَّراءِ وهو الكَثْرَةُ، ويُسَمّى بِالنَّجْمِ وهي عَلى المَشْهُورِ عِنْدَ المُنَجِّمِينَ سِتَّةُ كَواكِبَ مُجْتَمِعَةٍ كَشَكْلِ مِرْوَحَةٍ مِقْبَضُها نَحْوَ المَشْرِقِ وفِيهِ انْحِناءٌ في جانِبِ الشَّمالِ، وقِيلَ هي شَبِيهَةٌ بِعُنْقُودِ عِنَبٍ وعَلَيْهِ قَوْلُ أُحَيْحَةَ بْنِ الجَلّاحِ أوْ قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ:

وقَدْ لاحَ في الصُّبْحِ الثُّرَيّا كَما تَرى كَعُنْقُودِ مُلّاحِيَّةٍ حِينَ نَوَّرا
والمَرْصُودُ مِنها أرْبَعَةٌ كُلُّها مِنَ القَدْرِ الخامِسِ ومَوْضِعُها سَنامُ الثَّوْرِ، وفي الكَشْفِ هي ألْيَةُ الحَمَلِ، ورُبَّما يَكْسِفُها القَمَرُ، ثُمَّ الدَّبَرانُ بِفَتْحَتَيْنِ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ دُبُرَ الثُّرَيّا وخَلْفَها وهو كَوْكَبٌ أحْمَرُ نَيِّرٌ مِنَ القَدْرِ الأوَّلِ عَلى طَرَفِ صُورَةِ السَّبْعَةِ مِن رُقُومِ الهِنْدِ ويُسَمّى المِجْدَحُ ومَوْقِعُهُ عَيْنُ الثَّوْرُ، والَّذِي عَلى طَرَفِهِ الآخَرِ مِنَ القَدْرِ الثّالِثِ عَلى عَيْنِهِ الأُخْرى، والثَّلاثَةُ الباقِيَةُ وهي مِنَ الثّالِثِ أيْضًا عَلى وجْهِهِ، وزاوِيَةُ هَذا الرَّقْمِ عَلى خَطْمِ الثَّوْرِ، وبَعْضُهم يُسَمِّي الدَّبَرانَ بِقَلْبِ الثَّوْرِ، وقَدْ يَكْسِفُهُ القَمَرُ، ثُمَّ الهَقْعَةُ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ القافِ وفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، وهي ثَلاثَةُ كَواكِبَ خَفِيَّةٍ مُجْتَمِعَةٍ شَبِيهَةٍ بِنُقَطِ الثّاءِ كَأنَّها لَطْخَةٌ سَحابِيَّةٌ، شُبِّهَتْ بِالدّائِرَةِ الَّتِي تَكُونُ في عُرْضِ زَوْرِ الفَرَسِ أوْ بِحَيْثُ تُصِيبُ رِجْلَ الفارِسِ أوْ بِلَمْعَةِ بَياضٍ تَكُونُ في جَنْبِ الفَرَسِ الأيْسَرِ تُسَمّى بِذَلِكَ، وتُسَمّى الأثافِيَّ أيْضًا، وهي عَلى رَأْسِ الجَبّارِ المُسَمّى بِالجَوْزاءِ، والقَمَرُ يُحاذِيها ولا يُقارِبُها، ثُمَّ الهَنْعَةُ بِوَزْنِ الهَقْعَةِ وثانِيهِ نُونٌ، وهي كَوْكَبانِ مِنَ القَدْرِ الرّابِعِ والثّالِثِ شُبِّهَتْ بِسِمَةٍ في مُنْخَفَضِ عُنُقِ الفَرَسِ وهُما عَلى رِجْلَيِ التَّوْأمَيْنِ مِمّا يَلِي الشَّمالَ، وفي الكَشْفِ هي مَنكِبُ الجَوْزاءِ الأيْسَرِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِهِما، ثُمَّ الذِّراعُ وهُما كَوْكَبانِ أزْهَرانِ مِنَ القَدْرِ الثّانِي عَلى رَأْسَيِ التَّوْأمَيْنِ يَعْنُونَ بِهِما ذِراعَ الأسَدِ المَبْسُوطَةِ إذِ المَقْبُوضَةُ هي الشِّعْرى الشّامِيَّةُ مَعَ مِرْزَمِها، والقَمَرُ يُقارِبُ المَبْسُوطَةَ، ثُمَّ النَّثْرَةُ وهي الفُرْجَةُ بَيْنَ الشّارِبَيْنِ حِيالَ وتَرَةِ الأنْفِ، وهو أنْفُ الأسَدِ، وهُما كَوْكَبانِ خَفِيّانِ مِنَ الرّابِعِ بَيْنَهُما قِيدُ ذِراعٍ ولَطْخَةٌ سَحابِيَّةٌ، وهي عَلى وسَطِ السَّرَطانِ، ويَقْرُبُها كَوْكَبانِ يُسَمَّيانِ بِالحِمارَيْنِ، واللَّطْخَةُ الَّتِي بَيْنَهُما بِالمَعْلَفِ تَشْبِيهًا لَها بِالتِّبْنِ وبِمَمْحَظَةِ الأسَدِ أيْ مَوْضِعِ اسْتِتارِهِ، ويَكْسِفُ القَمَرُ كُلًّا مِنهُما، ثُمَّ الطَّرْفُ وهُما كَوْكَبانِ صَغِيرانِ مِنَ الرّابِعِ، أحَدُهُما عَلى رَأْسِ الأسَدِ قُدّامَ عَيْنَيْهِ والآخَرُ قُدّامَ يَدِهِ المُقَدَّمَةِ، والقَمَرُ يُحاذِي أشْمَلَهُما ويَكْسِفُ أجْنَبَهُما، ويَعْنُونَ بِالطَّرْفِ عَيْنَ الأسَدِ، ثُمَّ الجَبْهَةُ، ويَعْنُونَ بِها جَبْهَةَ الأسَدِ، وهي أرْبَعَةُ كَواكِبَ عَلى سَطْرٍ فِيهِ تَعْوِيجٌ آخِذٌ مِنَ الشَّمالِ إلى الجَنُوبِ، أعْظَمُها عَلى طَرَفِ السَّطْرِ مِمّا يَلِي الجَنُوبَ يُسَمّى قَلْبُ الأسَدِ لِكَوْنِهِ في مَوْضِعِهِ، ويُسَمّى المَلَكِيَّ أيْضًا، وهو مِنَ القَدْرِ الأوَّلِ والقَمَرُ يَمُرُّ بِهِ وبِالَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الزُّبْرَةُ بِضَمِّ الزّايِ
صفحة 18
وسُكُونِ الباءِ، وهُما كَوْكَبانِ نَيِّرانِ عَلى أثَرِ الجَبْهَةِ، بَيْنَهُما أرْجَحُ مِن ذِراعٍ، وهُما عَلى زُبْرَةِ الأسَدِ أيْ كاهِلِهِ عِنْدَ العَرَبِ، وعِنْدَ المُنَجِّمِينَ عِنْدَ مُؤَخَّرِهِ، فَزُبْرَةُ الأسَدِ شِعْرُهُ الَّذِي يَزْبُرُ عِنْدَ الغَضَبِ في قَفاهُ، أجْنَبُهُما مِنَ الثّالِثِ وأشْمَلُهُما مِنَ الثّانِي وتُسَمّى ظَهْرَ الأسَدِ، والقَمَرُ يُحاذِيهِما مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، ثُمَّ الصَّرْفَةُ وهو كَوْكَبٌ واحِدٌ عَلى طَرَفِ ذَنَبِ الأسَدِ، ويُسَمّى ذَنَبَ الأسَدِ، والقَمَرُ يُحاذِيهِ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ البَرْدَ يَنْصَرِفُ عِنْدَ سُقُوطِهِ، ثُمَّ العَوّاءُ، يُمَدُّ ويُقْصَرُ، والقَصْرُ أجْوَدُ، وهي خَمْسَةُ كَواكِبَ مِنَ الثّالِثِ عَلى هَيْئَةِ لامٍ في الخَطِّ العَرَبِيِّ، ثَلاثَةٌ مِنها آخِذَةٌ مِن مَنكِبِ العَذْراءِ الأيْسَرِ إلى تَحْتِ ثَدْيِها الأيْسَرِ، وهي عَلى سَطْرٍ جَنُوبِيٍّ مِنَ الصَّرْفَةِ، ثُمَّ يَنْعَطِفُ اثْنانِ عَلى سَطْرٍ يُحِيطُ مَعَ الأوَّلِ بِزاوِيَةٍ مُنْفَرِجَةٍ، زَعَمَتِ العَرَبُ أنَّها كِلابٌ تَعْوِي خَلْفَ الأسَدِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ العَوّاءَ، وقِيلَ في ذَلِكَ كَأنَّها تَعْوِي في أثَرِ البَرْدِ؛ ولِهَذا سُمِّيَتْ طارِدَةَ البَرْدِ، وقِيلَ هي مِن عَوى الشَّيْءَ عَطَفَهُ، فَلِما فِيها مِنَ الِانْعِطافِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ.

وفِي الكَشْفِ العَوّا سافِلَةُ الإنْسانِ، ويُقالُ: إنَّها ورِكُ الأسَدِ، والقَمَرُ يَخْرِقُها، ثُمَّ السِّماكُ الأعْزَلُ وهو كَوْكَبٌ نَيِّرٌ مِنَ الأوَّلِ عَلى كَتِفِ العَذْراءِ اليُسْرى قَرِيبٌ مِنَ المِنطَقَةِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِهِ ويَكْسِفُهُ، ويُقابِلُ السِّماكَ الأعْزَلَ السِّماكُ الرّامِحُ، ولَيْسَ مِنَ المَنازِلِ، وسُمِّيَ رامِحًا لِكَوْكَبٍ يَقْدُمُهُ كَأنَّهُ رُمْحُهُ، وسُمِّيَ سِماكًا لِأنَّهُ سَمَكَ أيِ ارْتَفَعَ، ثُمَّ الغَفْرُ وهي ثَلاثَةُ كَواكِبَ مِنَ الرّابِعِ عَلى ذَيْلِ العَذْراءِ ورِجْلِها المُؤَخَّرَةِ عَلى سَطْرٍ مُعْوَجٍّ حَدَبَتُهُ إلى الشَّمالِ، وقِيلَ كَوْكَبانِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِجَنُوبِيِّهِما وقَدْ يُحاذِي الشَّمالِيَّ وهو مَنزِلُ خَيْرٍ بَعُدَ عَنْ شَرَّيْنِ مُقَدَّمِ الأسَدِ ومُؤَخَّرِ العَقْرَبِ، ويُقالُ: إنَّهُ طالِعُ الأنْبِياءِ والصّالِحَيْنِ، وسُمِّيَتْ غَفْرًا لِسَتْرِها ونُقْصانِ نُورِها، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها مِن كَواكِبِ المِيزانِ ثُمَّ الزُّبانا بِالضَّمِّ وآخِرُهُ ألِفٌ، وهُما كَوْكَبانِ نَيِّرانِ مِنَ الثّانِي مُتَباعِدانِ في الشَّمالِ والجَنُوبِ بَيْنَهُما قِيدُ رُمْحٍ عَلى كِفَّتَيِ المِيزانِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هُما قَرْنا العَقْرَبِ، والقَمَرُ قَدْ يَكْسِفُ جَنُوبِيَّهُما، ثُمَّ الإكْلِيلُ وهي ثَلاثَةُ كَواكِبَ خَفِيَّةٍ مُعْتَرِضَةٍ مِنَ الشَّمالِ إلى الجَنُوبِ عَلى سَطْرٍ مُقَوَّسٍ، يُشْبِهُ شَكْلُها شَكْلَ الغَفْرِ، الأوْسَطُ مِنها مُتَقَدِّمٌ، والِاثْنانِ تالِيانِ، وهي مِنَ الرّابِعِ والقَمَرُ يَمُرُّ بِجَمِيعِها، وقِيلَ هي أرْبَعَةُ كَواكِبَ بِرَأْسِ العَقْرَبِ ولِذا سُمِّيَتْ بِهِ وأصْلُ مَعْناهُ التّاجُ، ثُمَّ القَلْبُ وهو قَلْبُ العَقْرَبِ كَوْكَبٌ أحْمَرُ نَيِّرٌ أوْسَطُ الثَّلاثَةِ الَّتِي عَلى بَدَنِ العَقْرَبِ عَلى اسْتِقامَةٍ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، وهو مِنَ الثّانِي، واللَّذانِ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ - ويُسَمَّيانِ نِياطَيْنِ - مِنَ الثّالِثِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِهِ ويَكْسِفُهُ مِنَ المِنطَقَةِ، ثُمَّ الشَّوْلَةُ بِفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ واللّامِ، وتُسَمّى إبْرَةُ العَقْرَبِ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ، كَوْكَبانِ مِنَ الثّانِي أزْهَرانِ مُتَقارِبانِ عَلى طَرَفٍ ذَنَبِ العَقْرَبِ في مَوْضِعِ الحُمَةِ، والقَمَرُ يُحاذِيهِما، ثُمَّ النَّعائِمُ أرْبَعَةُ كَواكِبَ مِنَ الثّالِثِ عَلى مُنْحَرَفٍ تابِعٍ لِلشَّوْلَةِ، وتُسَمّى النَّعائِمَ الوارِدَةَ أيْ إلى المَجَرَّةِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِاثْنَيْنِ مِنها ويُحاذِي الباقِيَةَ، ويَقْرُبُ مِنها أرْبَعَةٌ أُخْرى مِنَ الثّالِثِ عَلى مُنْحَرَفٍ هي النَّعائِمُ الصّادِرَةُ أيْ مِنَ المَجَرَّةِ، وكُلُّها مِن صُورَةِ الرّامِي وسُمِّيَتْ نَعائِمَ تَشْبِيهًا بِالخَشَباتِ الَّتِي تَكُونُ عَلى البِئْرِ، ثُمَّ البَلْدَةُ وهي قِطْعَةٌ مِنَ السَّماءِ خالِيَةٌ مِنَ الكَواكِبِ مُسْتَدِيرَةٌ شُبِّهَتْ بِبَلْدَةِ الثَّعْلَبِ وهي ما يَكْنِسُهُ بِذَنَبِهِ، وتُسَمّى أيْضًا بِالمَفازَةِ والفُرْجَةِ، وقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالفُرْجَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الحاجِبَيْنِ، ومَوْضِعُها خَلْفَ الكَواكِبِ الَّتِي تُسَمّى بِالقِلادَةِ وهي عِصابَةُ الرّامِي، ثُمَّ سَعْدُ الذّابِحِ كَوْكَبانِ عَلى قَرْنَيِ الجَدْيِ بَيْنَهُما قَدْرُ باعٍ، جَنُوبِيُّهُما مِنَ الثّالِثِ، والقَمَرُ يُقارِبُهُ ولا يَكْسِفُهُ، ويَقْرُبُ الشَّمالِيَّ كَوْكَبٌ صَغِيرٌ يَكادُ يَلْتَصِقُ بِهِ، يُقالُ إنَّهُ شاتُهُ الَّتِي يُرِيدُ أنْ يَذْبَحَها، وقِيلَ: إنَّهُ في مَذْبَحِهِ، ولِهَذا يُسَمّى بِالذّابِحِ، ثُمَّ سَعْدُ بُلَعَ كَوْكَبانِ عَلى كَفِّ ساكِبِ
صفحة 19
الماءِ اليُسْرى فَوْقَ ظَهْرِ الجَدْيِ بَيْنَهُما قَدْرُ باعٍ، غَرْبِيُّهُما مِنَ الثّالِثِ وشَرْقِيُّهُما مِنَ الرّابِعِ ويَقْرُبُ مُتَقَدِّمَهُما كَوْكَبٌ صَغِيرٌ كَأنَّهُ ابْتَلَعَهُ فَلِهَذا سُمِّيَ بِهِ، وفي القامُوسِ سَعْدُ بُلَعَ كَزُفَرَ مَعْرِفَةٌ مُنْزِلٌ لِلْقَمَرِ طَلَعَ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ وهو نَجْمانِ مُسْتَوِيانِ في المَجْرى، أحَدُهُما خَفِيٌّ والآخَرُ مُضِيءٌ يُسَمّى بالِعًا كَأنَّهُ بَلَعَ الآخَرَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ ما لِسَعْدِ الذّابِحِ فَكَأنَّهُ بَلَعَ شاتَهُ، والقَمَرُ يُقارِبُ أجْنَبَهُما ولا يَكْسِفُهُ ثُمَّ سَعْدُ السُّعُودِ كَوْكَبانِ، وقِيلَ ثَلاثَةٌ، عَلى خَطٍّ مُقَوَّسٍ بَيْنَ الشَّمالِ والجَنُوبِ حَدَبَتُهُ إلى المَغْرِبِ، أجْنَبُهُما - والقَمَرُ يَقْرُبُ مِنهُ - مِنَ الخامِسِ عَلى طَرَفِ ذَنَبِ الجَدْيِ، وأشْمَلُهُما مِنَ الثّالِثِ، وهو مَعَ الآخَرِ في القَوْلِ الآخَرِ مِن كَواكِبِ القَوْسِ، والقَمَرُ يُقارِبُ أجْنَبَهُما، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ في وقْتِ طُلُوعِهِ ابْتِداءُ ما بِهِ يَعِيشُونَ وتَعِيشُ مَواشِيهِمْ، ثُمَّ سَعْدُ الأخْبِيَةِ أرْبَعَةُ كَواكِبَ مِنَ الثّالِثِ، ومِن كَواكِبِ الرّامِي عَلى يَدِ ساكِبِ الماءِ اليُمْنى ثَلاثَةٌ مِنها عَلى شَكْلِ مُثَلَّثٍ حادِّ الزَّوايا، والرّابِعُ وسَطُهُ وهو السَّعْدُ، والثَّلاثُ خِباؤُهُ ولِذا سُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَطْلُعُ قَبْلَ الدِّفْءِ فَيَخْرُجُ مِنَ الهَوامِّ ما كانَ مُخْتَبِئًا، والقَمَرُ يُقارِبُها مِن ناحِيَةِ الجَنُوبِ، ثُمَّ الفَرْغُ المُقَدَّمُ، ويُقالُ الأعْلى، كَوْكَبانِ نَيِّرانِ مِنَ الثّانِي بَيْنَهُما قِيدُ رُمْحٍ، أجَنَبُهُما عَلى مَتْنِ الفَرَسِ الأكْبَرِ المُجَنَّحِ، وأشْمَلُهُما عَلى مَنكِبِهِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِالبُعْدِ مِنهُما، ثُمَّ الفَرْغُ المُؤَخَّرُ كَوْكَبانِ نَيِّرانِ مِنَ الثّانِي بَيْنَهُما قِيدَ رُمْحٍ أيْضًا، أجْنَبُهُما عَلى جَناحِ الفَرَسِ، وأشْمَلُهُما مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سُرَّتِهِ ورَأْسِ المُسَلْسَلَةِ، شَبَّهَتِ العَرَبُ الأرْبَعَةَ بِفَرْغِ الدَّلْوِ، وهو بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الرّاءِ المُهْمَلَةِ وغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَصَبُّ الماءِ مِنها لِكَثْرَةِ الأمْطارِ في وقْتِها، ثُمَّ بَطْنُ الحُوتِ ويُقالُ لَهُ: الرِّشاءُ، بِكَسْرِ الرّاءِ، أيْ رِشاءُ الدَّلْوِ، وقَلْبُ الحُوتِ أيْضًا كَوْكَبٌ نَيِّرٌ مِنَ الثّالِثِ عَلى جَنْبِ المَرْأةِ المُسَلْسَلَةِ، يُحاذِيهِ القَمَرُ ولا يُقارِبُهُ، وإنَّما سُمِّيَ بِهِ لِوُقُوعِهِ في بَطْنِ سَمَكَةٍ عَظِيمَةٍ تَحْتَ نَحْرِ النّاقَةِ تُصَوِّرُها العَرَبُ مِن سَطْرَيْنِ عَلَيْهِما كَواكِبُ خَفِيَّةٌ بَعْضُها مِنَ المُسَلْسَلَةِ وبَعْضُها مِن إحْدى سَمَكَتَيِ الحُوتِ.

هَذا واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَنازِلَ الثَّمانِيَةَ والعِشْرِينَ تُسَمِّي العَرَبُ الأرْبَعَةَ عَشَرَ الشَّمالِيَّةَ مِنها الَّتِي أوَّلُها الشَّرَطانِ وآخِرُها السِّماكُ شامِيَّةً، والباقِيَةَ مِنها الَّتِي أوَّلُها الغَفْرُ وآخِرُها بَطْنُ الحُوتِ يَمانِيَّةً، وأنَّها تُسَمِّي خُرُوجَ المَنزِلِ مِن ضِياءِ الفَجْرِ طُلُوعَهُ، وغُرُوبَ رَقِيبِهِ وقْتَ الصُّبْحِ سُقُوطَهُ، والمَنازِلَ الَّتِي يَكُونُ طُلُوعُها في مَواسِمِ المَطَرِ الأنْواءَ ورُقَباءَها إذا طَلَعَتْ في غَيْرِ مَواسِمِ المَطَرِ البَوارِحَ. قالَهُ القُطْبُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّوْءُ سُقُوطُ نَجْمٍ مِنَ المَنازِلِ في المَغْرِبِ مَعَ الفَجْرِ وطُلُوعُ رَقِيبِهِ مِنَ المَشْرِقِ يُقابِلُهُ مِن ساعَتِهِ في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى مُضِيِّ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ما خَلا الجَبْهَةَ فَإنَّ لَها أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولَمْ يُسْمَعْ في النَّوْءِ أنَّهُ السُّقُوطُ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، والعَرَبُ تُضِيفُ الأمْطارَ والرِّياحَ والحَرَّ والبَرْدَ إلى السّاقِطِ مِنها، وقالَ الأصْمَعِيُّ: إلى الطّالِعِ في سُلْطانِهِ، فَتَقُولُ: مُطِرْنا بِنَوْءِ الثُّرَيّا مَثَلًا والجَمْعُ أنْواءٌ ونُوآنٌ مِثْلُ عَبْدٍ وعُبْدانٍ، وذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنِ المَرْزُوقِيِّ أنَّ نَوْءَ الشَّرَطَيْنِ ثَلاثَةُ أيّامٍ، ونَوْءَ البُطَيْنِ ثَلاثُ لَيالٍ، ونَوْءَ الثُّرَيّا خَمْسُ لَيالٍ، ونَوْءَ الدَّبَرانِ ثَلاثُ لَيالٍ، ونَوْءَ الهَقْعَةِ سِتُّ لَيالٍ، ولا يَذْكُرُونَ نَوْأها إلّا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ، ونَوْءَ الهَنْعَةِ لا يُذْكَرُ أيْضًا، وإنَّما يَكُونُ في أنْواءِ الجَوْزاءِ والذِّراعَ لا نَوْءَ لَهُ، ونَوْءَ النَّثْرَةِ سَبْعُ لَيالٍ ونَوْءَ الطَّرْفِ ثَلاثُ لَيالٍ، ونَوْءَ الجَبْهَةِ سَبْعٌ، والزُّبْرَةَ أرْبَعٌ، والصَّرْفَةَ ثَلاثٌ، والعَوّاءَ لَيْلَةٌ، والسِّماكَ أرْبَعٌ، والغَفْرَ ثَلاثٌ، وقِيلَ لَيْلَةٌ، والزُّبانا ثَلاثٌ، والإكْلِيلَ أرْبَعٌ، والقَلْبُ ثَلاثٌ، والشَّوْلَةَ كَذَلِكَ، والنَّعائِمَ لَيْلَةٌ، والبَلْدَةَ ثَلاثٌ، وقِيلَ: لَيْلَةٌ، وسَعْدَ الذّابِحِ لَيْلَةٌ، وبُلَعَ وسَعْدَ السُّعُودِ وسَعْدَ الأخْبِيَةِ والفَرْغَ المُقَدَّمَ ثَلاثٌ، والمُؤَخَّرَ أرْبَعٌ ولَمْ يَذْكُرْ في نُسْخَتِي لِلرِّشاءِ نَوْءًا. ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الإنْسانِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا إنْ أرادَ بِهِ أنَّ النَّوْءَ
صفحة 20
نَزَلَ بِالماءِ فَهو كُفْرٌ، والقائِلُ كافِرٌ حَلالٌ دَمُهُ إنْ لَمْ يَتُبْ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ، وفي الرَّوْضَةِ: مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ النَّوْءَ يُمْطِرُ حَقِيقَةً كَفَرَ وصارَ مُرْتَدًّا، وإنْ أرادَ أنَّ النَّوْءَ سَبَبٌ يُنَزِّلُ اللَّهُ تَعالى بِهِ الماءَ حَسَبَما عُلِمَ وقُدِّرَ فَهو لَيْسَ بِكُفْرٍ بَلْ مُباحٌ؛ لَكِنْ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هو وإنْ كانَ مُباحًا كُفْرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى وجَهْلٌ بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ أثَرَ سَماءٍ: ”هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: قالَ أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ، فَأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ وأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا فَهو كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ“» وظاهِرُهُ أنَّ الكُفْرَ مُقابِلُ الإيمانِ فَيُحْمَلُ عَلى ما إذا أرادَ القائِلُ ما سَمِعْتَ أوَّلًا. واللَّهُ تَعالى الحافِظُ مِن كُلِّ سُوءٍ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.

والقَمَرُ في العُرْفِ العامِّ هو الكَوْكَبُ المَعْرُوفُ في جَمِيعِ لَيالِي الشَّهْرِ، والمَشْهُورُ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ بَعْدَ الِاجْتِماعِ مَعَ الشَّمْسِ ومُفارَقَتِهِ إيّاها لا يُسَمّى قَمَرًا إلّا مِن ثَلاثِ لَيالٍ وسِتٍّ وعِشْرِينَ لَيْلَةً وفِيما عَدا ذَلِكَ يُسَمّى هِلالًا، ولَعَلَّ الأظْهَرَ في الآيَةِ حَمْلُهُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ وهو الشّائِعُ إذا ذُكِرَ مَعَ الشَّمْسِ، أيْ قَدَّرْنا هَذا الجِرْمَ المَعْرُوفَ مَنازِلَ ومَسافاتٍ مَخْصُوصَةً فَسارَ فِيها ونَزَلَها مَنزِلَةً مَنزَلَةً ‏‏ ‏‏ أيْ صارَ في أواخِرِ سَيْرِهِ وقُرْبِهِ مِنَ الشَّمْسِ في رَأْيِ العَيْنِ ‏‏‏‏‏‏‏ هو عَوْدُ عِذْقِ النَّخْلَةِ مِن بَيْنِ الشِّمْراخِ إلى مَنبَتِهِ مِنها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أصْلُ العِذْقِ، وقِيلَ: الشِّمْراخُ، وهو ما عَلَيْهِ البُسْرُ مِن عِيدانِ العِذْقِ والكِباسَةِ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، ونُونُهُ - عَلى ما حُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ - زائِدَةٌ فَوَزْنُهُ فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ وهو الِاعْوِجاجُ والِانْعِطافُ، وذَهَبَ قَوْمٌ - واخْتارَهُ الرّاغِبُ، والسَّمِينُ، وصاحِبُ القامُوسِ - إلى أنَّها أصْلِيَّةٌ فَوَزْنُهُ فُعْلُولٌ. وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيِّ ”كالعِرْجَوْنِ“ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ وهي لُغَةٌ فِيهِ، كالبُزْيُونِ والبِزْيَوْنِ وهو بِساطٌ رُومِيٌّ أوِ السُّنْدُسُ ‏‏‏‏‏‏ أيِ العَتِيقِ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ زَمانٌ يَبِسَ فِيهِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ الِاصْفِرارُ والدِّقَّةُ والِاعْوِجاجُ، وقِيلَ: أقَلُّ مُدَّةِ القِدَمِ حَوْلٌ، فَلَوْ قالَ رَجُلٌ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي قَدِيمٌ فَهو حُرٌّ؛ عَتَقَ مِنهم مَن مَضى لَهُ حَوْلٌ وأكْثَرُ، وقِيلَ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، وحَكاهُ بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنْ أبِي الحَسَنِ الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

It is not allowable for the sun to reach the moon, nor does the night overtake the day, but each, in an orbit, is swimming.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And a sign for them is that We carried their forefathers in a laden ship.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

You read 36:37–41 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Yā-Sīn 36:37