All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Al-Māʾidah 5:86 Juzʾ 7 Page 122

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَطَفَ التَّكْذِيبَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى عَلى الكُفْرِ مَعَ أنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ لِما أنَّ القَصْدَ إلى بَيانِ حالِ المُكَذِّبِينَ وذَكَرَهم بِمُقابَلَةِ المُصَدِّقِينَ بِها لِيَقْتَرِنَ الوَعِيدُ بِالوَعْدِ وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِن ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ إلى أنَّ هَذا أمْرٌ مِنهُ عَزَّ شَأْنُهُ أنْ يُبَلِّغَ رَسُولُهُ ﷺ ما أنْزَلَهُ إلَيْهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأحْكامِ العُبُودِيَّةِ ولَمْ يَأْمُرْهُ جَلَّ جَلالُهُ بِأنْ يُعَرِّفَ النّاسَ أسْرارَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فَإنَّ ذَرَّةً مِن أسْرارِهِ سُبْحانَهُ تَتَحَمَّلُها السَّمَواتُ والأرْضُ، وهَذِهِ الأسْرارُ هي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ ما خَصَصْناكَ بِهِ أوْ تَعَرَّفْنا بِهِ إلَيْكَ

وقالَ بَعْضُهم وهو المَنصُورُ: أنَّ المَوْصُولَ عامٌّ ويَنْدَرِجُ فِيهِ الوَحْيُ والإلْهاماتُ والمَناماتُ والمُشاهَداتُ وسائِرُ المَواهِبِ والرَّسُولُ ﷺ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ كُلِّ ذَلِكَ إلّا أنَّ مَراتِبَ التَّبْلِيغِ مُخْتَلِفَةٌ حَسَبَ اخْتِلافِ الِاسْتِعْداداتِ فَتَبْلِيغٌ بِالعِبارَةِ وتَبْلِيغٌ بِالإشارَةِ وتَبْلِيغٌ بِالهِمَّةِ وتَبْلِيغٌ بِالجَذْبَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ بِما أوْدَعَ فِيكَ مِن أسْرارِ الأُلُوهِيَّةِ فَلا يَقْدِرُونَ أنْ يُوصِلُوا إلَيْكَ ما يَقْطَعُكَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ: يَعْصِمُكَ مِنهم أنْ يَكُونَ لَكَ بِهِمُ اشْتِغالٌ، وقِيلَ: يَعْصِمُكَ مِن أنْ تَرى لِنَفْسِكَ فِيهِمْ شَيْئًا بَلْ تَرى الكُلَّ مِنهُ سُبْحانَهُ وبِهِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ يُعْتَدُّ بِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَتُعْطُوا الظّاهِرَ حَقَّهُ وتَعْمَلُوا بِالشَّرِيعَةِ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ مَعَ
صفحة 7
تَوْحِيدِ الأفْعالِ ﴿والإنْجِيلَ﴾ فَتُعْطُوا الباطِنَ حَقَّهُ وتَعْمَلُوا بِالطَّرِيقَةِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ مَعَ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَتُعْطُوا الحَقِيقَةَ حَقَّها وتُشاهِدُوا الكَثْرَةَ في عَيْنِ الوَحْدَةِ والوَحْدَةَ في عَيْنِ الكَثْرَةِ ولا تَحْجُبُكُمُ الكَثْرَةُ عَنِ الوَحْدَةِ ولا الوَحْدَةُ عَنِ الكَثْرَةِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِجَهْلِهِمْ بِهِ وقِلَّةِ اسْتِعْدادِهِمْ لِمَعْرِفَةِ أسْرارِهِ

وعَنْ بَعْضِ السّادَةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ: أنَّ القُرْآنَ المُنَزَّلَ عَلى النَّبِيِّ المُرْسَلِ ﷺ ذُو صِفَتَيْنِ؛ صِفَةُ قَهْرٍ وصِفَةُ لُطْفٍ فَمَن تَجَلّى لَهُ القُرْءانُ بِصِفَةِ اللُّطْفِ يَزِيدُ نُورُ بَصِيرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وحَقائِقِ أسْرارِهِ ودَقائِقِ بَيانِهِ ويَزِيدُ بِذَلِكَ ظاهِرُ الخِطابِ وباطِنُهُ، ومَن يَتَجَلّى لَهُ بِصِفَةِ القَهْرِ تَزِيدُ ظُلْمَةُ طُغْيانِهِ ويَنْسَدُّ عَلَيْهِ بابُ عِرْفانِهِ بِحَيْثُ لا يُدْرِكُ سِرَّ الخِطابِ فَتَكْثُرُ عَلَيْهِ الشُّكُوكُ والأوْهامُ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وشَبَّهَ بَعْضُهم ذَلِكَ بِنُورِ الشَّمْسِ فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ مَن يَنْتَفِعُ ويَتَضَرَّرُ بِهِ الخُفّاشُ ونَحْوُهُ

ومِن ذَلِكَ كَتَبَ كَثِيرٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَإنَّهُ قَدْ هُدِيَ بِها أرْبابُ القُلُوبِ الصّافِيَةِ وضَلَّ بِها الكَثِيرُ حَتّى تَرَكُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ وعَطَّلُوا الشَّرائِعَ واسْتَحَلُّوا المُحَرَّماتِ وزَعَمُوا والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى أنَّ ذَلِكَ والَّذِي يَقْتَضِيهِ القَوْلُ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ الَّتِي هي مُعْتَقَدُ القَوْمِ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِفُتُوحاتِهِمْ، وقَدْ نُقِلَ لِي عَنْ بَعْضِ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ تَعالى بِالِاشْتِغالِ بِكُتُبِ القَوْمِ مِمَّنْ لَمْ يَقِفْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يُدْخِلَ الرَّجُلُ أُصْبَعَهُ في فَمِهِ وبَيْنَ أنْ يُدْخِلَ ذَكَرَهُ في فَرْجٍ مُحَرَّمٍ لِأنَّ الكُلَّ واحِدٌ، وكَذا لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَتَزَوَّجَ أجْنَبِيَّةً وبَيْنَ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهُ أوْ أُخْتَهُ وهَذا كَفَّرٌ صَرِيحٌ عافانا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِنهُ، ومَنشَأُ ذَلِكَ النَّظَرُ في كُتُبِ القَوْمِ مِن دُونِ فَهْمٍ لِمُرادِهِمْ وما دَرى هَذا المِسْكِينُ أنَّ مُراعاةَ المَراتِبِ أمْرٌ واجِبٌ عِنْدَهم وأنَّ تَرْكَ ذَلِكَ زَنْدَقَةٌ وأنَّهم قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الشَّرِيعَةَ مَظْهَرٌ أعْظَمٌ لِأنَّها مَظْهَرُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى الظّاهِرِ وأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِأحَدٍ أنْ يَصِلَ إلى اللَّهِ تَعالى بِإهْمالِها، فَقَدْ جاءَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ العارِفِينَ: الطُّرُقُ إلى اللَّهِ تَعالى مَسْدُودَةٌ إلّا عَلى مَنِ اقْتَفى أثَرَ الرَّسُولِ ﷺ، وإذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَطِيرُ في الهَواءِ وقَدْ أخَلَّ بِحُكْمٍ واحِدٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ فَقُولُوا: إنَّهُ زِنْدِيقٌ، ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ خِطابًا لِلْحَضْرَةِ المُحَمَّدِيَّةِ:

وأنْتَ بابُ اللَّهِ أيْ أمْرُهُ أتاهُ مِن غَيْرِكَ يَدْخُلُ
‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿اليَهُودَ﴾ وذَلِكَ لِقُوَّةِ المُبايَنَةِ لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ عَنْ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ وتَوْحِيدِ الذّاتِ ولَمْ يَكُنْ لَهم إلّا تَوْحِيدَ الأفْعالِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كَذَلِكَ بَلْ هم أشَدُّ مُبايَنَةً مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ وأقْوى لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ مُطْلَقًا وإنَّما قُدِّمَ اليَهُودُ عَلَيْهِمْ لِأنَّ البَحْثَ فِيهِمْ وهَذا خِلافُ ما عَلَيْهِ أهْلُ العِبارَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّهم بَرَزُوا مِن حِجابِ الصِّفاتِ ولَمْ يَبْقَ لَهم إلّا حِجابَ الذّاتِ وإلى هَذا الإشارَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ حَيْثُ مُدِحُوا بِالعِلْمِ والعَمَلِ وعَدَمِ الِاسْتِكْبارِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهم وصَلُوا إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ والصِّفاتِ وأنَّهم ما رَأوْا نُفُوسَهم مَوْصُوفَةً بِصِفَةِ العِلْمِ والعَمَلِ ولا نَسَبُوا عَمَلَهم وعِلْمَهم إلَيْها بَلْ إلى اللَّهِ تَعالى وإلّا لاسْتَكْبَرُوا وأظْهَرُوا العُجْبَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مِن أنْواعِ التَّوْحِيدِ الَّتِي
صفحة 8
مِن جُمْلَتِها تَوْحِيدُ الذّاتِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِالدَّلِيلِ وبِواسِطَةِ الرِّياضَةِ ‏‏ ‏‏‏‏ الَّذِي أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ ﷺ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِذَلِكَ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ المُعايِنِينَ لِذَلِكَ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ جَمْعًا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ تَفْصِيلًا ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الَّذِينَ اسْتَقامُوا بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مِنَ التَّجَلِّياتِ الثَّلاثِ مَعَ عُلُومِها ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ المُشاهِدِينَ لِلْوَحْدَةِ في عَيْنِ الكَثْرَةِ بِالِاسْتِقامَةِ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ حُجِبُوا عَنِ الذّاتِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الدّالُ عَلى التَّوْحِيدِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِحِرْمانِهِمُ الكُلِّيِّ واحْتِجابِهِمْ بِنُفُوسِهِمْ وصِفاتِها، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:86