All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Al-Anʿām 6:110 Juzʾ 7 Page 141

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى (يُؤْمِنُونَ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ أيْ وما يُشْعِرُكم أنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنْ إدْراكِ الحَقِّ فَلا يُدْرِكُونَهُ وأبْصارَهم عَنِ اجْتِلائِهِ فَلا يُبْصِرُونَهُ. وهَذا -عَلى ما قالَ الإمامُ- تَقْرِيرٌ لِما في الآيَةِ الأُولى مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ. وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ هَذا التَّقْلِيبَ لَيْسَ مِن تَوَجُّهِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ إلى الحَقِّ واسْتِعْدادِها لَهُ بَلْ لِكَمالِ نُبُوِّها عَنْهُ وإعْراضِها بِالكُلِّيَّةِ؛ ولِذَلِكَ أخَّرَ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ عَدَمِ إيمانِهِمْ إشْعارًا بِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ وحَسْمًا لِتَوَهُّمِ أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ ناشِئٌ مِن تَقْلِيبِهِ تَعالى مَشاعِرَهم بِطَرِيقِ الإجْبارِ. وتَحْقِيقُهُ عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشايِخِنا الكُورانِيُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَيْثُ عَلِمَ في الأزَلِ سُوءَ اسْتِعْدادِهِمُ المَخْبُوءِ في ماهِيّاتِهِمْ أفاضَ عَلَيْهِمْ ما يَقْتَضِيهِ وفَعَلَ بِهِمْ ما سَألُوهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ بَعْدَ أنْ رَغَّبَهم ورَهَّبَهم وأقامَ الحُجَّةَ وأوْضَحَ المَحَجَّةَ ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ بِما جاءَ مِنَ الآياتِ بِاللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: بِمُحَمَّدٍ ﷺ وإنْ لَمْ يَجْرِ لِذَلِكَ ذِكْرٌ، وقِيلَ: بِالتَّقْلِيبِ، وهو كَما تَرى

‏‏‏ ‏‏‏ أيْ عِنْدَ وُرُودِ الآياتِ السّابِقَةِ، والكافُ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَنصُوبٍ بِـ (لا يُؤْمِنُونَ) . و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بَلْ يَكْفُرُونَ كُفْرًا كائِنًا كَكُفْرِهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. وتَوْسِيطُ تَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ لِأنَّهُ مِن مُتَمِّماتِ عَدَمِ إيمانِهِمْ. وقالَ أبُو البَقاءِ: أنَّ الكافَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَقْلِيبًا كَكُفْرِهِمْ أيْ عُقُوبَةً مُساوِيَةً لِمَعْصِيَتِهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ، ولا يَخْفى ما فِيهِ. والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ

وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْها بِأنَّ المُرادَ مِن ‏‏‏‏‏ إلَخْ: أنا لا نَفْعَلُ بِهِمْ ما نَفْعَلُهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الفَوائِدِ والألْطافِ مِن حَيْثُ أخْرَجُوا أنْفُسَهم عَنْ هَذا الحَدِّ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. والقاضِي بِأنَّ المُرادَ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في الآياتِ الَّتِي ظَهَرَتْ فَلا نَجِدُهم يُؤْمِنُونَ بِها آخِرًا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِها أوَّلًا. والجَبائِيُّ بِأنَّ المُرادَ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في جَهَنَّمَ عَلى لَهَبِ النّارِ وجَمْرِها لِنُعَذِّبَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ في الدُّنْيا. والكُلُّ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ
صفحة 256
يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، وهَكَذا غالِبُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ ‏‏‏‏‏‏ أيْ نَدَعُهم ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ تَجاوُزِهِمُ الحَدَّ في العِصْيانِ ‏‏‏‏‏‏

110

- أيْ يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ وهَذا عَطْفٌ عَلى يُؤْمِنُونَ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ أيْضًا مُبَيِّنٌ لِما هو المُرادُ بِتَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ مُعْرِبٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ. والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ. وجُمْلَةُ (يَعْمَهُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (نَذَرُهُمْ) . وقُرِئَ (يُقَلِّبُ. ويَذَرُ) عَلى الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وقَرَأ الأعْمَشُ (وتُقَلَّبُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وإسْنادُهُ إلى أفْئِدَتِهِمْ
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: أيْ أخْلَصْناهم وآوَيْناهم لِحَضْرَتِنا ودَلَلْناهم لِلِاكْتِفاءِ بِنا عَمّا سِوانا ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهم أهْلُ السّابِقَةِ الَّذِينَ سَألُوهُ سُبْحانَهُ الهِدايَةَ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِالمَيْلِ إلى السِّوى وهو شِرْكُ الكامِلِينَ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ سَيِّدِي عَمْرُ بْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِقَوْلِهِ: ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتَ بِرِدَّتِي ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِعِظَمِ ما أتَوْا بِهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وهُمُ المَحْجُوبُونَ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهُمُ العارِفُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِينَ هم خَزائِنُ حَقائِقِ الإيمانِ

وفِي الخَبَرِ «لا يَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي قائِمِينَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وهم عَلى ذَلِكَ» ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهو آدابُ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ والحَقِيقَةِ (اقْتَدِهْ) أمْرٌ لَهُ ﷺ أنْ يَتَّصِفَ بِجَمِيعِ ما تَفَرَّقَ فِيهِمْ مِن ذَلِكَ الهُدى وكانَ ذَلِكَ -عَلى ما قِيلَ- في مَنازِلِ الوَسائِطِ، ولَمّا كَحَّلَ عُيُونَ أسْرارِهِ بِكُحْلِ الرُّبُوبِيَّةِ جَعَلَهُ مُسْتَقِلًّا بِذاتِهِ مُسْتَقِيمًا بِحالِهِ وأخْرَجَهُ مِن حَدِّ الإرادَةِ إلى حَدِّ المَعْرِفَةِ والِاسْتِقامَةِ ولِذا أمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإسْقاطِ الوَسائِطِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لَيْسَ في هَذا تَوْسِيطُ الوَسائِطِ لِأنَّهُ أمَرَ بِالِاقْتِداءِ بِهُداهم لا بِهِمْ. ونَظِيرُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ أنِ اتَّبِعْ إبْراهِيمَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيْ لَمْ يُظْهِرْ مِن عَلْمِهِ وكَلامِهِ سُبْحانَهُ عَلى أحَدٍ شَيْئًا؛ وذَلِكَ لِزَعْمِهِمُ البُعْدَ مِن عِبادِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَدَمَ إمْكانِ ظُهُورِ بَعْضِ صِفاتِهِ عَلى مَظْهَرٍ بَشَرِيٍّ، ولَوْ عَرَفُوا لَما أنْكَرُوا ولا اعْتَقَدُوا أنَّهُ لا مُظْهِرَ لِكَمالِ عَلْمِهِ وحِكْمَتِهِ إلّا الإنْسانُ الكامِلُ بَلْ لَوِ ارْتَفَعَ الحَوَلُ عَنِ العَيْنِ لَما رَأوُا الواحِدَ اثْنَيْنِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِما فِيهِ مِن أسْرارِ القُرْبِ والوِصالِ والتَّشْوِيقِ إلى الحُسْنِ والجَمالِ بَلْ مِنهُ تَجَلّى الحَقُّ لِخَلْقِهِ لَوْ يَعْلَمُونَ

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِجَمْعِهِ الظّاهِرَ والباطِنَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وهي القَلْبُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مِنَ القُوى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ كَمَنِ ادَّعى الكَمالَ والوُصُولَ إلى التَّوْحِيدِ والخَلاصِ عَنْ كَثْرَةِ صِفاتِ النَّفْسِ وزَعَمَ أنَّهُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ مِن أهْلِ الإرْشادِ وهو لَيْسَ كَذَلِكَ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ كَمَن سَمّى مُفْتَرِياتِ وهْمِهِ وخَيالِهِ ومُخْتَرَعاتِ عَقْلِهِ وفِكْرِهِ وحْيًا وفَيْضًا مِنَ الرُّوحِ القُدْسِيِّ فَتَنَبَّأ لِذَلِكَ، أو ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ كَمَن تَفَرْعَنَ وادَّعى الأُلُوهِيَّةَ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهم هَؤُلاءِ الأصْنافُ الثَّلاثَةُ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الطَّبِيعِيِّ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ
صفحة 257
كالمُتَقاضِي المُلِظِّ يَقُولُونَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ تَغْلِيظًا وتَعْنِيفًا عَلَيْهِمْ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والصَّغارِ لِوُجُودِ صِفاتِ نُفُوسِكم وهَيْآتِها المُظْلِمَةِ وتَكاثُفِ حُجُبِ أنانِيَّتِكم وتَفَرْعُنِكم ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ مُنْفَرِدِينَ مُجَرَّدِينَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِالِاسْتِغْراقِ في عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ حَبَّةِ القَلْبِ بِنُورِ الرُّوحِ عَنِ العُلُومِ والمَعارِفِ ﴿والنَّوى﴾ أيْ نَوى النَّفْسِ بِنُورِ القَلْبِ عَنِ الأخْلاقِ والمَكارِمِ أوْ فالِقُ حَبَّةِ المَحَبَّةِ الأزَلِيَّةِ في قُلُوبِ المُحِبِّينَ والصِّدِّيقِينَ، ونَوى شَجَرِ أنْوارِ الأزَلِ في فُؤادِ العارِفِينَ فَتُثْمِرُ بِالأعْمالِ الزَّكِيَّةِ والمَقاماتِ الشَّرِيفَةِ والحالاتِ الرَّفِيعَةِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ العالِمَ بِهِ مِنَ الجاهِلِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيِ الجاهِلَ مِنَ العالِمِ، أوْ يَخْرُجُ حَيَّ القَلْبِ عَنْ مَيِّتِ النَّفْسِ تارَةً بِاسْتِيلاءِ نُورِ الرُّوحِ عَلَيْها ومُخْرِجُ مَيِّتَ النَّفْسِ عَنْ حَيِّ القَلْبِ أُخْرى بِإقْبالِهِ عَلَيْها واسْتِيلاءِ الهَوى وصِفاتِ النَّفْسِ عَلَيْهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مُظْهِرُ أنْوارِ صِفاتِهِ عَلى صَفَحاتِ آفاقِ مَخْلُوقاتِهِ أوْ شاقُّ ظُلْمَةِ الإصْباحِ بِنُورِ الإصْباحُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ بَحْرَ العَدَمِ كانَ مَمْلُوءًا مِنَ الظُّلْمَةِ فَشَقَّهُ بِأنْ أجْرى فِيهِ جَدْوَلًا مِن نُورِهِ حَتّى بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى. وقالَ الإمامُ: فالِقُ ظُلْمَةِ العَدَمِ بِصَباحِ التَّكْوِينِ والإيجادِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ الجَمادِيَّةِ بِصَباحِ الحَياةِ والعَقْلِ والرَّشادِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ الجَهالَةِ بِصَباحِ الِادِّراكِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ بِتَخْلِيصِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ إلى فُسْحَةِ عالَمِ الأفْلاكِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ الِاشْتِغالِ بِعالَمِ المُمَكِناتِ بِصَباحِ نُورِ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ مُدَبِّرِ المُحْدَثاتِ والمُبْدَعاتِ. وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: المَعْنى فالِقُ ظُلْمَةِ صِفاتِ النَّفْسِ عَنِ القَلْبِ بِإصْباحِ نُورِ شَمْسِ الرُّوحِ وإشْراقِهِ عَلَيْها، ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ لَيْلَ الحَيْرَةِ في الذّاتِ البَحْتِ ﴿سَكَنًا﴾ تَسْكُنُ إلَيْهِ أرْواحُ العاشِقِينَ كَما قالَ قائِلُهم:

زِدْنِي بِفَرْطِ الحُبِّ فِيكَ تَحَيُّرًا وارْحَمْ حَشًا بِلَظى هَواكَ تَسَعَّرا
أوْ جاعِلُ ظُلْمَةِ النَّفْسِ سَكَنَ القَلْبِ يَسْكُنُ إلَيْها أحْيانًا لِلِارْتِفاقِ والِاسْتِرْواحِ أوْ سَكَنًا تَسْكُنُ فِيهِ القُوى البَدَنِيَّةُ وتَسْتَقِرُّ عَنِ الِاضْطِرابِ كَما قِيلَ ﴿والشَّمْسَ﴾ أيْ شَمْسَ تَجَلِّي الصِّفاتِ ﴿والقَمَرَ﴾ أيْ قَمَرَ تَجْلِّي الأفْعالِ ﴿حُسْبانًا﴾ أيْ عَلى حِسابِ الأحْوالِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ بِهِما أوْ شَمْسَ الرُّوحِ وقَمَرَ القَلْبِ مَحْسُوبَيْنِ في عِدادِ المَوْجُوداتِ الباقِيَةِ الشَّرِيفَةِ مُعْتَدًّا بِهِما أوْ عَلى حِسابِ الأوْقاتِ والأحْوالِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ المُرْشِدِينَ أوْ نُجُومَ الحَواسِّ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهو عِلْمُ الآدابِ ﴿والبَحْرِ﴾ وهو عِلْمُ الحَقائِقِ أوِ المَعْنى لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ بَرِّ الأجْسادِ إلى مَصالِحِ المَعاشِ وبَحْرِ العُلُومِ بِاكْتِسابِها بِها ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ أظْهَرَكم ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وهي النَّفْسُ الكُلِّيَّةُ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ في أرْضِ البَدَنِ حالَ الظُّهُورِ ﴿ومُسْتَوْدَعٌ﴾ في عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ مِن سَماءِ الرُّوحِ ماءَ العِلْمِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ أيْ كُلَّ صِنْفٍ مِنَ الأخْلاقِ والفَضائِلِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيِ النَّباتِ ﴿خَضِرًا﴾ زِينَةَ النَّفْسِ وبَهْجَةً لَها ‏‏‏ ‏‏‏ أيِ الخَضِرِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ أعْمالًا مُتَرَتِّبَةً شَرِيفَةً ونِيّاتٍ صادِقَةً يَتَقَوّى القَلْبُ بِها ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ نَخْلِ العَقْلِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ مِن ظُهُورِ تَعَلُّقِها ﴿قِنْوانٌ﴾ مَعارِفُ وحَقائِقُ ﴿دانِيَةٌ﴾ قَرِيبَةُ التَّناوُلِ لِظُهُورِها بِنُورِ الرُّوحِ كَأنَّها بَدِيهِيَّةٌ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وهي أعْنابُ الأحْوالِ والأذْواقِ، ومِنها تُعْتَصِرُ سُلافَةُ المَحَبَّةِ وفي سَكْرَةٍ مِنها ولَوْ عُمْرَ ساعَةٍ تَرى الدَّهْرَ عَبْدًا طائِعًا ولَكَ الحُكْمُ ﴿والزَّيْتُونَ﴾ أيْ زَيْتُونَ التَّفَكُّرِ ﴿والرُّمّانَ﴾ أيْ رُمّانَ الهِمَمِ الشَّرِيفَةِ والعَزائِمِ النَّفْسِيَّةِ ﴿مُشْتَبِهًا﴾ كَما في أفْرادِ نَوْعٍ واحِدٍ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كَنَوْعَيْنِ وفَرْدَيْنِ مِنهُما مَثَلًا ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ راعُوهُ بِالمُراقَبَةِ عِنْدَ السُّلُوكِ وبَدْءِ الحالِ ﴿ويَنْعِهِ﴾ وهو كَمالٌ عِنْدَ الوُصُولِ بِالحُضُورِ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ جِنِّ الوَهْمِ والخَيالِ حَيْثُ أطاعُوهم
صفحة 258
وانْقادُوا لَهم ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وافْتَرَوْا ‏‏ ‏‏‏ مِنَ العُقُولِ ﴿وبَناتٍ﴾ مِنَ النُّفُوسِ يَعْتَقِدُونَ أنَّها لِتَجَرُّدِها مُؤَثِّرَةٌ مِثْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مِنهم أنَّها أسْماؤُهُ وصِفاتُهُ لا تُؤَثِّرُ إلّا بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مِن تَقَيُّدِهِ بِما قَيَّدُوهُ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ الحادِيَ والعِشْرِينَ وأرْبَعِمِائَةٍ: يَعْنِي مِن كُلِّ عَيْنٍ مِن أعْيُنِ الوُجُوهِ وأعْيُنِ القُلُوبِ فَإنَّ القُلُوبَ ما تَرى إلّا بِالبَصَرِ وأعْيُنِ الوُجُوهِ لا تَرى إلّا بِالبَصَرِ فالبَصَرُ حَيْثُ كانَ بِهِ يَقَعُ الِادِّراكُ فَيُسَمّى البَصَرُ في العَقْلِ عَيْنَ البَصِيرَةِ ويُسَمّى في الظّاهِرِ بَصَرَ العَيْنِ، والعَيْنُ في الظّاهِرِ مَحَلُّ البَصَرِ والبَصِيرَةُ في الباطِنِ مَحَلٌّ لِلْعَيْنِ الَّذِي هو بَصَرٌ في عَيْنِ الوَجْهِ فاخْتَلَفَ الِاسْمُ عَلَيْهِ وما اخْتَلَفَ هو في نَفْسِهِ فَكَما لا تُدْرِكُهُ العُيُونُ بِأبْصارِها لا تُدْرِكُهُ البَصائِرُ بِأعْيُنِها، ووَرَدَ في الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ كَما احْتَجَبَ عَنِ الأبْصارِ وأنَّ المَلَأ الأعْلى يَطْلُبُونَهُ كَما تَطْلُبُونَهُ أنْتُمْ» فاشْتَرَكْنا في الطَّلَبِ مَعَ المَلَإ الأعْلى واخْتَلَفْنا في الكَيْفِيَّةِ فَمِنّا مَن يَطْلُبُهُ بِفِكْرِهِ والمَلَأُ الأعْلى لَهُ العَقْلُ ومالَهُ الفِكْرُ، ومِنّا مَن يَطْلُبُهُ بِهِ ولَيْسَ في المَلَإ الأعْلى مَن يَطْلُبُهُ بِهِ لِأنَّ الكامِلَ مِنّا هو عَلى الصُّورَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها؛ فَلِهَذا يَصِحُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ أنْ يَطْلُبَ اللَّهَ تَعالى بِهِ ومَن طَلَبَهُ بِهِ وصَلَ إلَيْهِ فَإنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ غَيْرُهُ، وأنَّ الكامِلَ مِنّا لَهُ نافِلَةٌ تَزِيدُ عَلى فَرائِضِهِ إذا تَقَرَّبَ العَبْدُ بِها إلى رَبِّهِ أحَبَّهُ؛ فَإذا أحَبَّهُ كانَ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، فَإذا كانَ الحَقُّ بَصَرَ مِثْلِ هَذا العَبْدِ رَآهُ وأدْرَكَهُ بِبَصَرِهِ لِأنَّ بَصَرَهُ الحَقُّ فَما أدْرَكَهُ إلّا بِهِ لا بِنَفْسِهِ، وما ثَمَّ مَلَكٌ يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِنافِلَةٍ بَلْ هم في الفَرائِضِ وفَرائِضُهم قَدِ اسْتَغْرَقَتْ أنْفاسَهم فَلا نَفْلَ عِنْدَهم فَلَيْسَ لَهم مَقامٌ يُنْتِجُ أنْ يَكُونَ الحَقُّ بَصَرَهم حَتّى يُدْرِكُوهُ بِهِ فَهم عَبِيدُ اضْطِرارٍ ونَحْنُ عَبِيدُ اضْطِرارٍ مِن فَرائِضِنا وعَبِيدُ اخْتِيارٍ مِن نَوافِلِنا، إلى آخِرِ ما قالَ. وهو صَرِيحٌ في أنَّ بَعْضَ الأبْصارِ تُدْرِكُهُ لَكِنْ مِن حَيْثِيَّةِ رَفْعِ الغَيْرِيَّةِ. وقالَ في البابِ الرّابِعِ عَشَرَ وأرْبَعِمِائَةٍ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ:

مَن رَأى الحَقَّ كِفاحًا عَلَنًا إنَّما أبْصَرَهُ ∗∗∗ خَلْفَ حِجابٍ وهو لا يَعْرِفُهُ
وهُوَ بِهِ إنَّ هَذا لَهو الأمْرُ العُجابُ كُلُّ راءٍ لا يَرى غَيْرَ الَّذِي هو فِيهِ مِن نَعِيمٍ وعَذابٍ صُورَةُ الرّائِي تَجَلَّتْ عِنْدَهُ وهو عَيْنُ الرّاءِ بَلْ عَيْنُ الحِجابِ فَإذا رَآهُ سُبْحانَهُ الرّائِي كِفاحًا فَما يَراهُ إلّا حَتّى يَكُونَ الحَقُّ جَلَّ جَلالُهُ بَصَرَهُ فَيَكُونُ هو الرّائِيَ نَفْسَهُ بِبَصَرِهِ في صُورَةِ عَبْدِهِ فَأعْطَتْهُ الصُّورَةُ المُكافَحَةَ إذا كانَتِ الحامِلَةَ لِلْبَصَرِ ولِجَمِيعِ القُوى إلَخْ. وقالَ في البابِ الحادِي وأرْبَعِمِائَةٍ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ:

قَدِ اسْتَوى المَيِّتُ والحَيُّ ∗∗∗ في كَوْنِهِمْ ما عِنْدَهم شَيٌّ

مِنِّي فَلا نُورَ ولا ظُلْمَةَ ∗∗∗ فِيهِمْ ولا ظِلَّ ولا في رُؤْيَتِهِمْ لِي مَعْدُومَةٌ
فَنَشْرُهم في كَوْنِهِمْ طَيٌّ وفَهْمِهِمْ إنْ كانَ مَعْناهم عَنْهُ إذا حَقَّقْتَهُ غَيٌّ إنَّ كُلَّ مَرْئِيٍّ لا يَرى الرّائِي إذا رَآهُ مِنهُ إلّا قَدْرَ مَنزِلَتِهِ ورُتْبَتِهِ فَما رَآهُ وما رَأى إلّا نَفْسَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما تَفاضَلَتِ الرُّؤْيَةُ في الرّائِينَ إذْ لَوْ كانَ هو المَرْئِيَّ ما اخْتَلَفُوا لَكِنْ لَمّا كانَ هو سُبْحانَهُ مُجَلِّيَ رُؤْيَتِهِمْ أنْفُسَهم لِذَلِكَ وصَفُوهُ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَتَجَلّى، ولَكِنَّ شُغْلَ الرّائِي بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ في مَجْلى الحَقِّ حَجَبَهُ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ فَلَوْ لَمْ تَبْدُ لِلرّائِي صُورَتُهُ أوْ صُورَةُ كَوْنٍ مِنَ الأكْوانِ رُبَّما كانَ يَراهُ فَما حَجَبَنا عَنْهُ إلّا رُؤْيَةُ نُفُوسِنا فِيهِ فَلَوْ زِلْنا عَنّا ما رَأيْناهُ لِأنَّهُ ما كانَ يَبْقى بِزَوالِنا مَن يَراهُ وإنْ نَحْنُ لَمْ نَزُلْ فَما نَرى إلّا نُفُوسَنا فِيهِ وصُوَرَنا وقَدْرَنا ومَنزِلَتَنا فَعَلى كُلِّ حالٍ ما رَأيْناهُ، وقَدْ نَتَوَسَّعُ فَنَقُولُ: قَدْ رَأيْناهُ ونَصْدُقُ كَما أنَّهُ
صفحة 259
لَوْ قُلْنا: رَأيْنا الإنْسانَ صَدَقْنا في أنْ نَقُولَ رَأيْنا مَن مَضى مِنَ النّاسِ ومَن بَقِيَ ومَن في زَمانِنا مِن كَوْنِهِمْ إنْسانًا لا مِن حَيْثُ شَخْصِيَّةِ كُلِّ إنْسانٍ، ولَمّا كانَ العالَمُ أجْمَعُهُ وآحادُهُ عَلى صُورَةِ حَقٍّ ورَأيْنا الحَقَّ فَقَدْ رَأيْنا وصَدَّقْنا، وإذا نَظَرْنا في عَيْنِ التَّمْيِيزِ في عَيْنِ عَيْنٍ لَمْ نُصَدِّقْ إلى ءاخِرِ ما قالَ. وفي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ لِهَذا المَطْلَبِ ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِغايَةِ ظُهُورِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إذْ لا ألْطَفَ كَما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِن هَوِيَّةِ تَكَوُّنِ عَيْنِ بَصَرِ العَبْدِ ﴿الخَبِيرُ﴾ أيِ العَلِيمُ خِبْرَةً أنَّهُ بَصَرُ العَبْدِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ و‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وعَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ: اللَّطِيفُ مَن نَوَّرَ قَلْبَكَ بِالهُدى، ورَبّى جِسْمَكَ بِالغِذاءِ، وجَعَلَ لَكَ الوِلايَةَ بِالبَلْوى، ويَحْرُسُكَ وأنْتَ في لَظى، ويُدْخِلُكَ جَنَّةَ المَأْوى. وقالَ غَيْرُهُ: اللَّطِيفُ إنْ دَعَوْتَهُ لَبّاكَ، وإنْ قَصَدْتَهُ آواكَ، وإنْ أحْبَبْتَهُ أدْناكَ، وإنْ أطَعْتَهُ كافاكَ، وإنْ أغْضَبْتَهُ عافاكَ، وإنْ أعْرَضْتَ عَنْهُ دَعاكَ، وإنْ أقْبَلْتَ إلَيْهِ هَداكَ، وإنْ عَصَيْتَهُ راعاكَ. وهو كَلامٌ ما ألْطَفَهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وهي صُوَرُ تَجَلِّياتِ صِفاتِهِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: أنَّها كَلِماتُهُ الَّتِي تَجَلّى مِنها لِذَوِي الحَقائِقِ وبَرَزَتْ مِن تَحْتِ سُرادِقاتِها أنْوارُ نُعُوتِهِ الأزَلِيَّةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ واهْتَدى ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ ذَلِكَ الإبْصارُ أيْ أنَّ ثَمَرَتَهُ تَعُودُ إلَيْهِ ‏‏‏ ‏‏ واحْتَجَبَ عَنِ الهُدى ﴿فَعَلَيْها﴾ عَماهُ واحْتِجابُهُ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ بَلِ اللَّهُ تَعالى حَفِيظٌ عَلَيْكم لِأنَّكم وسائِرُ شُؤُونِكم بِهِ مَوْجُودُونَ (وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) قالَ ابْنُ عَطاءٍ أيْ حَقِيقَةَ البَيانِ وهو الوُقُوفُ مَعَهُ حَيْثُ ما وقَفَ والجَرْيُ مَعَهُ حَيْثُ ما جَرى لا يَتَقَدَّمُ بِغَلَبَتِهِ ولا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ لِعَجْزِهِ، وقالَ آخَرُ: المَعْنى يَعْرِفُونَ قَدَرِي ويَفْهَمُونَ خِطابِي لا مَن لا يَعْرِفُ مَكانَ خِطابِي ومُرادِي مِن كَلامِي ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ قِيلَ: هو إشارَةٌ إلى وحْيٍ خاصٍّ بِهِ ﷺ لا يَتَحَمَّلُهُ غَيْرُهُ أوْ إشارَةٌ إلى الوَحْيِ بِالتَّوْحِيدِ؛ ولِذا وصَفَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ثُمَّ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ المَحْجُوبِينَ بِالكَثْرَةِ عَنِ الوَحْدَةِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَلْ شاءَ سُبْحانَهُ إشْراكَهم لِأنَّهُ المَعْلُومُ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ أزَلًا دُونَ إيمانِهِمْ ولا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُهُ دُونَ ما لا يَعْلَمُهُ مِنَ النَّفْيِ الصِّرْفِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ بَلْ أرْشِدُوهم إلى الحَقِّ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ بِأنْ يَسُبُّوكم وأنْتُمْ أعْظَمُ مَظاهِرِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إذْ هو الَّذِي طَلَبُوهُ مِنّا بِألْسِنَةِ اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ ومِن شَأْنِنا أنْ لا نَرُدَّ طالِبًا ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ أنَّهم طَلَبُوا خَوارِقَ العاداتِ وأعْرَضُوا عَنِ الحُجَجِ البَيِّناتِ لِاحْتِجابِهِمْ بِالحِسِّ والمَحْسُوسِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ فَيَأْتِي بِها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ لِسَبْقِ الشَّقاءِ عَلَيْهِمْ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لِاقْتِضاءِ اسْتِعْدادِهِمْ ذَلِكَ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ حِينَ أعْرَضُوا عَنِ الحُجَجِ البَيِّناتِ أوْ في الأزَلِ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ الَّذِي هو لَهم بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ ‏‏‏‏‏‏ يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ لا يَدْرُونَ وجْهَ الرَّشادِ (ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ) تَمَّ طَبْعُ الجُزْءِ السّابِعِ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي لِلْعَلّامَةِ الألُوسِيِّ بِحَوْلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثّامِنُ مِنهُ وأوَّلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةَ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:110