All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Al-Anʿām 6:92 Juzʾ 7 Page 139

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And this is a Book which We have sent down, blessed and confirming what was before it, that you may warn the Mother of Cities and those around it. Those who believe in the Hereafter believe in it, and they are maintaining their prayers.

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَحْقِيقٌ لِإنْزالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ بَعْدَ تَقْرِيرِ إنْزالِ ما يُشِيرُ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ، وتَكْذِيبٌ لِكَلِمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ إثْرَ تَكْذِيبِ وتَنْكِيرِ (كِتابٌ) لِلتَّفْخِيمِ، وجُمْلَةُ (أنْزَلْناهُ) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ صِفَةٌ بِهِ

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏ أيْ كَثِيرُ الفائِدَةِ والنَّفْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى مَنافِعِ الدّارَيْنِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ صِفَةً بَعْدَ صِفَةٍ. قالَ الإمامُ: جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ الباحِثَ عَنْ هَذا الكِتابِ المُتَمَسِّكَ بِهِ يَحْصُلُ بِهِ عِزُّ الدُّنْيا وسَعادَةُ الآخِرَةِ، ولَقَدْ شاهَدْنا والحَمْدُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثَمَرَةَ خِدْمَتِنا لَهُ في الدُّنْيا فَنَسْألُهُ أنْ لا يَحْرِمَنا سَعادَةَ الآخِرَةِ إنَّهُ البَرُّ الرَّحِيمُ. وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ صِفَةٌ أُخْرى، والإضافَةُ -عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ- غَيْرُ مَحْضَةٍ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا التَّوْراةُ لِأنَّها أعْظَمُ كِتابٍ نَزَلَ قَبْلُ ولِأنَّ الخِطابَ مَعَ اليَهُودِ، وإمّا ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ. وتَذْكِيرُ المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ الكِتابِ أوِ المَنَزَّلِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ومَعْنى كَوْنُها بَيْنَ يَدَيْهِ أنَّها مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ. فَإنَّ كُلَّ ما كانَ بَيْنَ اليَدَيْنِ كَذَلِكَ وتَصْدِيقُهُ لِلْكُلِّ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والأمْرِ بِهِ ونَفْيِ الشِّرْكِ والنَّهْيِ عَنْهُ. وفي سائِرِ أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تُنْسَخُ

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ صِفَةُ الكِتابِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ لِلْبَرَكاتِ وتَصْدِيقِ ما تَقَدَّمَهُ والإنْذارِ. واخْتارَ العَلّامَةُ الثّانِي كَوْنَهُ عَطْفًا عَلى صَرِيحِ الوَصْفِ أيْ كِتابٌ مُبارَكٌ وكائِنٌ لِلْإنْذارِ، وادُّعِيَ أنَّهُ لا حاجَةَ مَعَ هَذا إلى ذَلِكَ التَّكَلُّفِ فَإنَّ عَطْفَ الظَّرْفِ عَلى المُفْرَدِ في بابِ الخَبَرِ والصِّفَةِ كَثِيرٌ، ودَعْوى أنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ عَرْوُ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةَ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ واقْتِرانُ هَذا بِهِ تَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّ الصِّفاتِ
صفحة 222
إذا تَعَدَّدَتْ ولَمْ يُعْطَفْ أوَّلُها يَمْتَنِعُ العَطْفُ أوْ يُقَبَّحُ والواقِعُ خِلافُهُ، والأوْلى ما يُقالُ: إنَّ الدّاعِيَ أنَّ اللَّفْظَ والمَعْنى يَقْتَضِيانِهِ، أمّا المَعْنى فَلِأنَّ الإنْذارَ عُلَّةٌ لِإنْزالِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ولَوْ عُطِفَ لَكانَ عَلى أوَّلِ الصِّفاتِ عَلى الرّاجِحِ في العَطْفِ عِنْدَ التَّعَدُّدِ؛ ولا يَحْسُنُ عَطْفُ التَّعْلِيلِ عَلى المُعَلَّلِ بِهِ ولا الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ فَإنَّهُ نَظِيرُ هَذا رَجُلٌ قامَ عِنْدِي ولِيَخْدِمَنِي وهو كَما تَرى، ومِنهُ يُعْلَمُ الدّاعِي اللَّفْظِيُّ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا أوْ مُقَدَّمًا أيْ ولِتُنْذِرَ أنْزَلْناهُ أوْ وأنْزَلْناهُ لِتُنْذِرَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لِلْاهْتِمامِ أوْ لِلْحَصْرِ الإضافِيِّ، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ أيْ لِتُبَشِّرَ ولِتُنْذِرَ وأيًّا ما كانَ فَفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، والمُرادُ بِها مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها قِبْلَةُ أهْلِ القُرى وحَجِّهِمْ وهم يَتَجَمَّعُونَ عِنْدَها تَجْمُّعَ الأوْلادِ عِنْدَ الأُمِّ المُشْفِقَةِ ويُعَظِّمُونَها أيْضًا تَعْظِيمَ الأُمِّ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ والجَبائِيِّ ولِأنَّها أعْظَمُ القُرى شَأْنًا فَغَيْرُها تَبَعٌ لَها كَما يَتْبَعُ الفَرْعُ الأصْلَ. وقِيلَ: لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها فَكَأنَّها خَرَجَتْ مِن تَحْتِها كَما تَخْرُجُ الأوْلادُ مِن تَحْتِ الأُمِّ أوْ لِأنَّها مَكانُ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (لِيُنْذِرَ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْكِتابِ لِأنَّهُ مُنْذِرٌ بِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مِن أهْلِ المَدَرِ والوَبَرِ في المَشارِقِ والمَغارِبِ لِعُمُومِ بِعْثَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الصّادِعِ بِها القُرْآنُ في غَيْرِ آيَةٍ، واللَّفْظُ لا يَأْبى هَذا الحَمْلَ فَلا مُتَمَسَّكَ بِالآيَةِ لِطائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ زَعَمُوا أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرْسَلٌ لِلْعَرَبِ خاصَّةً، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: خَصَّ أُولَئِكَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أحَقُّ بِإنْذارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ولِذا أنْزَلَ كِتابَ كُلِّ رَسُولٍ بِلِسانِ قَوْمِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وبِما فِيها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، ومَنِ اقْتَصَرَ عَلى الثّانِي في البَيانِ لاحَظَ سَبْقَ الإنْذارِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ بِالكِتابِ، قِيلَ: أوْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهم يَرْهَبُونَ مِنَ العَذابِ ويَرْغَبُونَ في الثَّوابِ ولا يَزالُ ذَلِكَ يَحْمِلُهم عَلى النَّظَرِ والتَّأمُّلِ حَتّى يُؤْمِنُوا بِهِ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

92

- يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالصَّلاةِ مُطْلَقُ الطّاعَةِ مَجازًا أوِ اكْتَفى بِبَعْضِها الَّذِي هو عِمادُ الدِّينِ وعَلَمُ الإيمانِ ولِذا أطْلَقَ عَلى ذَلِكَ الإيمانَ مَجازًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And who is more unjust than one who invents a lie about Allah or says, "It has been inspired to me," while nothing has been inspired to him, and one who says, "I will reveal [something] like what Allah revealed." And if you could but see when the wrongdoers are in the overwhelming pangs of death while the angels extend their hands, [saying], "Discharge your souls! Today you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation for what you used to say against Allah other than the truth and [that] you were, toward His verses, being arrogant."

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ كالَّذِينِ قالُوا ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ مِن جِهَتِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ والحالُ أنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ كَمُسَيْلِمَةَ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ أنا قادِرٌ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ النَّظْمِ كالَّذِينِ قالُوا: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وتَفْسِيرُ الأوَّلِ بِما ذَكَرْناهُ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِنا وتَفْسِيرُ الثّانِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، وتَفْسِيرُ الثّالِثِ ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ ومَن وافَقَهُ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ نَزَلَتْ في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، والأخِيرُ نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وجَعَلَ بَعْضُهم عَلى هَذا عَطْفَ (أوْ قالَ) الأوَّلِ عَلى (افْتَرى) إلَخْ مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ بِـ (أوْ) واسْتُحْسِنَ أنَّهُ مِن عَطْفِ المُغايِرِ بِاعْتِبارِ العُنْوانِ و(أوْ) لِلتَّنْوِيعِ يَعْنِي أنَّهُ تارَةً ادَّعى أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَهُ نَبِيًّا وأُخْرى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلَيْهِ وإنْ كانَ يَلْزَمُ النُّبُوَّةُ في نَفْسِ الأمْرِ الإيحاءَ ويَلْزَمُ الإيحاءُ النُّبُوَّةَ، ويُفْهَمُ مِن صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أنَّ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ. وأمّا ابْنُ أبِي سَرْحٍ فَلَمْ يَدَّعِ صَرِيحًا القُدْرَةَ ولَكِنْ
صفحة 223
قَدْ يَقْتَضِيها كَلامُهُ عَلى ما يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الثّانِي بِعَبْدِ اللَّهِ ودَعَواهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّرْدِيدِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ كانَ قَدْ تَكَلَّمَ بِالإسْلامِ فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ فَكَتَبَ لَهُ شَيْئًا فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ أمْلاها عَلَيْهِ فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَجِبَ عَبْدُ اللَّهِ مِن تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ فَقالَ تَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: هَكَذا أُنْزِلَتْ عَلَيَّ فَشَكَّ حِينَئِذٍ وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ ولَئِنْ كانَ كاذِبًا لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ،» وجَعْلُ الشِّقِّ الثّانِي في مَعْنى دَعْوى القُدْرَةِ عَلى المِثْلِ فَيَصِحُّ تَفْسِيرُ الثّانِي والثّالِثِ بِهِ لا يَصِحُّ إلّا إذا اعْتُبِرَ عُنْوانُ الصِّلَةِ في الأخِيرِ مِن بابِ المُماشاةِ مَثَلًا كَما لا يَخْفى. واعْتَبَرَ الإمامُ عُمُومَ افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ تَعالى وجَعَلَ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ نَوْعًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي وُصِفَتْ بِكَوْنِها افْتِراءً ثُمَّ قالَ: والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القَوْلِ وما قَبْلَهُ أنَّ في الأوَّلِ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ فِيما يَكْذِبُ بِهِ ولَمْ يُنْكِرْ نُزُولَ الوَحْيِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ؛ وفي الثّانِي أثْبَتَ الوَحْيَ لِنَفْسِهِ ونَفاهُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكانَ جَمْعًا بَيْنَ أمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ الكَذِبِ: إثْباتُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، ونَفْيُ ما هو مَوْجُودٌ، انْتَهى. وفِيهِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ حَيْثُ جَعَلَ ضَمِيرَ (إلَيْهِ) راجِعًا لِلنَّبِيِّ ﷺ والواوَ في ‏‏‏ ‏‏‏ لِلْعَطْفِ والمُتَعاطِفانِ مَقُولُ القَوْلِ؛ والمُنْساقُ لِلذِّهْنِ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِـ (مَن) والواوِ لِلْحالِ وما بَعْدَها مِن كَلامِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ ورُبَّما يُقالُ لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ: إنَّ المُرادَ بِمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ تَعالى أحَدًا بِحَمْلِ افْتِراءِ الكَذِبِ عَلى أعِظَمِ أفْرادِهِ وهو الشِّرْكُ، وكَثِيرٌ مِنَ الآياتِ يَصْدَحُ بِهَذا المَعْنى، وبِمَن قالَ: ‏‏‏ ‏‏ والحالُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ كاذِبًا وبِمَن قالَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ الطّاعِنُ في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَن أظْلَمُ مِمَّنْ أشْرَكَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوِ ادَّعى النُّبُوَّةَ كاذِبًا أوْ طَعَنَ في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ فَتَذَكَّرْ وتَدَبَّرْ

‏‏‏ ‏‏‏ أيْ تُبْصِرُ. ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلَيْهِ ثُمَّ لَمّا حُذِفَ أُقِيمَ الظَّرْفُ مَقامَهُ؛ والأصْلُ: لَوْ تَرى الظّالِمِينَ إذْ هُمْ، و(إذْ) ظَرْفُ لِـ (تَرى) و الظّالِمُونَ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ خَبَرُهُ، وإذْ ظَرْفٌ لِـ (تَرى) . وتَقْيِيدُ الرُّؤْيَةِ بِهَذا الوَقْتِ لِيُفِيدَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ رُؤْيَتِهِمْ بَلْ رُؤْيَتُهم عَلى حالٍ فَظِيعَةٍ عِنْدَ كُلِّ ناظِرٍ، وقِيلَ: المَفْعُولُ (إذْ) والمَقْصُودُ تَهْوِيلُ هَذا الوَقْتِ لِفَظاعَةِ ما فِيهِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا هائِلًا، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ ما يَشْمَلُ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ الِافْتِراءِ والقَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ والغَمْرَةِ -كَما قالَ الشِّهابُ في الأصْلِ-: المَرَّةُ مِن غَمَرَ الماءُ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلشِّدَّةِ وشاعَ فِيها حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي: وتُسْعِدُنِي في غَمْرَةٍ بَعْدَ غَمْرَةٍ سَبُوحٌ لَها مِنها عَلَيْها شَواهِدُ والمُرادُ هُنا سَكَراتُ المَوْتِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ‏‏‏‏‏‏‏‏ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أرْواحَهم وهم أعْوانُ مَلَكِ المَوْتِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ بِالعَذابِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم قائِلِينَ لَهم ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ خَلِّصُوها مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ، والأمْرُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيزِ، وذَهَبَ بَعْضُهم أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِفِعْلِ المَلائِكَةِ في
صفحة 224
قَبْضِ أرْواحِ الظَّلَمَةِ بِفِعْلِ الغَرِيمِ المُلِحِّ يَبْسُطُ يَدَهُ إلى مَن عَلَيْهِ الحَقُّ ويُعَنِّفُ عَلَيْهِ في المُطالَبَةِ ولا يُمْهِلُهُ ويَقُولُ لَهُ: أخْرِجْ ما لِي عَلَيْكَ السّاعَةَ ولا أرِيمُ مَكانِي حَتّى أنْزِعَهُ مِن أحْداقِكَ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ العُنْفِ في السِّياقِ والإلْحاحِ والتَّشْدِيدِ في الإزْهاقِ مِن غَيْرِ تَنْفِيسٍ وإمْهالٍ ولا بَسْطٍ ولا قَوْلَ حَقِيقَةً هُناكَ، واسْتَظْهَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّهم يَفْعَلُونَ مَعَهم هَذِهِ الأُمُورَ حَقِيقَةً عَلى الصُّوَرِ المَحْكِيَّةِ، وإذا أمْكَنَ البَقاءُ عَلى الحَقِيقَةِ فَلا مَعْدِلَ عَنْها

‏‏‏‏ المُرادُ بِهِ مُطْلَقُ الزَّمانِ لا المُتَعارَفُ عَلَيْهِ، وهو إمّا حِينَ المَوْتِ أوْ ما يَشْمَلُهُ وما بَعْدَهُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ المُشْتَمِلِ عَلى الهَوانِ والشِّدَّةِ. والإضافَةُ كَما في رَجُلِ سُوءٍ تُفِيدُ أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ في ذَلِكَ لِأنَّ الِاخْتِصاصَ الَّذِي تُفِيدُهُ الإضافَةُ أقْوى مِنَ اخْتِصاصِ التَّوْصِيفِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى ظاهِرِها لِأنَّ العَذابَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّأْدِيبِ لا لِلْهَوانِ والخِزْيِ. ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ غَمَراتِ المَوْتِ بِشَدائِدَ العَذابِ في النّارِ فَإنَّها وإنْ كانَتْ أشَدَّ مِن سَكَراتِ المَوْتِ في الحَقِيقَةِ إلّا أنَّها اسْتُعْمِلَتْ فِيها تَقْرِيبًا لِلْإفْهامِ، وبَسْطِ المَلائِكَةِ أيْدِيَهم بِضَرْبِهِمْ لِلظّالِمِينَ في النّارِ بِمَقامِعَ مِن حَدِيدٍ، والإخْراجَ بِالإخْراجِ مِنَ النّارِ وعَذابِها، واليَوْمَ بِاليَوْمِ المَعْلُومِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُفْتَرِينَ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ مِن نَفْيِ إنْزالِهِ عَلى بَشَرٍ شَيْئًا وادِّعاءِ الوَحْيِ أوْ مِن نِسْبَةِ الشِّرْكِ إلَيْهِ ودَعْوى النُّبُوَّةِ كَذِبًا ونَفْيِها عَمَّنِ اتَّصَفَ بِها حَقِيقَةً أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وفي التَّعْبِيرِ بِـ (غَيْرَ الحَقِّ) عَنِ الباطِلِ ما لا يَخْفى وهو مَفْعُولُ ‏‏‏‏‏‏، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ قَوْلًا غَيْرَ الحَقِّ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏

93

- أيْ تُعْرِضُونَ فَلا تَتَأمَّلُونَ فِيها ولا تُؤْمِنُونَ

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[It will be said to them], "And you have certainly come to Us alone as We created you the first time, and you have left whatever We bestowed upon you behind you. And We do not see with you your 'intercessors' which you claimed that they were among you associates [of Allah]. It has [all] been severed between you, and lost from you is what you used to claim."

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لِلْحِسابِ ‏‏‏‏ أيْ مُنْفَرِدِينَ عَنِ الأعْوانِ والأوْثانِ الَّتِي زَعَمْتُمْ أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ عَنِ الأمْوالِ والأوْلادِ وسائِرِ ما آثَرْتُمُوهُ مِنَ الدُّنْيا، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللّاتُ والعُزّى فَنَزَلَتْ. والجُمْلَةُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِهِ تَعالى ولا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: (ولا يُكَلِّمُهُمْ) لِأنَّ المُرادَ نَفْيُ تَكْلِيمِهِمْ بِما يَنْفَعُهم أوْ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغَضَبِ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِ المَلائِكَةِ (أخْرِجُوا) إلَخْ وهي مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ وإنْ ظَنَّهُ الإمامُ أوْلى وأقْوى. ونَصْبُ ‏‏‏‏ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ وهو جَمْعُ فَرْدٍ عَلى خِلافِ القِياسِ كَأنَّهُ جَمْعُ فَرْدانَ كَسَكْرانَ عَلى ما في الصِّحاحِ، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ كَكُسالى، والرّاءُ في فَرْدِهِ مَفْتُوحَةٌ عِنْدَ صاحِبِ الدُّرِّ المَصُونِ، وحُكِيَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ سُكُونُها، ونُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ جَمْعُ فَرِيدٍ كَأسِيرٍ وأُسارى، وفي القامُوسِ يُقالُ: جاءُوا أفْرادًا وفُرادًا وفُرادى وفَرادُ وفُرادُ وفَرْدى كَسَكْرى أيْ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ والواحِدُ فَرَدٌ وفَرِدٌ وفَرِيدٌ وفَرْدانُ، ولا يَجُوزُ فَرْدٌ في هَذا المَعْنى ولَعَلَّ هَذا بُعَيْدَ الإرادَةِ في الآيَةِ، وقُرِئَ فُرادًا كَرُخالٍ المَضْمُومِ الرّاءِ وفُرادَ كَأُحادَ ورُباعَ في كَوْنِهِ صِفَةً مَعْدُولَةً ولا يَرِدُ أنَّ مَجِيءَ هَذا الوَزْنِ المَعْدُولِ مَخْصُوصٌ بِالعَدَدِ بَلْ بِبَعْضِ كَلِماتِهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ مِن عَدَمِ الِاخْتِصاصِ، نَعَمْ هو شائِعٌ فِيما ذُكِرَ وفَرْدى كَسَكْرى تَأْنِيثُ فَرْدانَ، والتَّأْنِيثُ لِجَمْعِ ذِي الحالِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ بَدَلٌ مِن فُرادى بَدَلُ كُلٍّ لِأنَّ المُرادَ المُشابَهَةُ في الِانْفِرادِ المَذْكُورِ والكافُ اسْمٌ بِمَعْنى مِثْلٍ أيْ مِثْلَ الهَيْئَةِ الَّتِي وُلِدْتُمْ عَلَيْها في الِانْفِرادِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَ الحالِ مِن غَيْرِ عَطْفٍ وهو الصَّحِيحُ أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في فُرادى فَهي حالٌ مُتَرادِفَةٌ أوْ مُتَداخِلَةٌ؛ والتَّشْبِيهُ
صفحة 225
أيْضًا في الِانْفِرادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ ابْتِداءِ الخِلْقَةِ أيْ مُشَبَّهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِكم بِمَعْنى شَبِيهَةِ حالِكم حالَ ابْتِداءِ خَلْقِكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا بِهِما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرِ (جِئْتُمُونا) أيْ مَجِيئًا كَخَلْقِنا لَكُمْ

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قَرَأتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ واسَوْأتاهُ إنَّ النِّساءَ والرِّجالَ سَيُحْشَرُونَ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى سَوْأةِ بَعْضٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لا يَنْظُرُ الرِّجالُ إلى النِّساءِ ولا النِّساءُ إلى الرِّجالِ شُغِلَ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ“»

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ما أعْطَيْناكم في الدُّنْيا مِنَ المالِ والخَدَمِ وهو مُتَضَمِّنٌ لِلتَّوْبِيخِ أيْ فَشُغِلْتُمْ بِهِ عَنِ الآخِرَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ما قَدَّمْتُمْ مِنهُ شَيْئًا لِأنْفُسِكُمْ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: يُؤْتى بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُ بَذَجٌ فَيَقُولُ لَهُ تَبارَكَ وتَعالى: أيْنَ ما جَمَعْتَ؟ فَيَقُولُ: يا رَبِّ جَمَعْتُهُ وتَرَكْتُهُ أوْفَرَ ما كانَ فَيَقُولُ: أيْنَ ما قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ فَلا يَراهُ قَدَّمَ شَيْئًا، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، والجُمْلَةُ قِيلَ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ نُبْصِرُ وهو عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو البَقاءِ حِكايَةُ حالٍ وبِهِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ولَيْسَ حالًا مِن مَفْعُولِ (نَرى) أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ولا مَفْعُولًا ثانِيًا، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وإضافَةُ الشُّفَعاءِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِاعْتِبارِ الزَّعْمِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ وصْفُهم بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في الدُّنْيا ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ شُرَكاءُ لِلَّهِ تَعالى في رُبُوبِيَّتِكم واسْتِحْقاقِ عِبادَتِكُمْ، والزَّعْمُ هُنا نَصٌّ في الباطِلِ وجاءَ اسْتِعْمالُهُ في الحَقِّ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: تَقُولُ هَلَكْنا إنْ هَلَكَتْ وإنَّما عَلى اللَّهِ أرْزاقُ العِبادِ كَما زَعَمَ (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) بِنَصْبِ –بَيْنَ- وهي قِراءَةُ عاصِمٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: الكَلامُ عَلى إضْمارِ الفاعِلِ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أيْ تَقَطَّعَ الأمْرُ أوِ الوَصْلُ بَيْنَكُمْ، وقِيلَ: أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ شَرْطَ إفادَةِ الإسْنادِ مَفْقُودَةٌ فِيهِ وهو تَغايُرُ الحُكْمِ والمَحْكُومِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ لا يَجُوزُ قامَ ولا جَلَسَ وأنْتَ تُرِيدُ قامَ هو أيِ القِيامَ وجَلَسَ هو أيِ الجُلُوسَ

ورُدَّ بِأنَّهُ سُمِعَ بَدا بَداءً وقَدْ قَدَّرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بَدا البَداءُ

وقالَ السَّفاقُسِيُّ: إنَّ مَن جَعَلَ الفاعِلَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ قالَ: المُرادُ - وقَعَ التَّقْطِيعُ والتَّغايُرُ - حاصِلٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ ولَوَسُلِّمَ فالتَّقَطُّعُ المُعْتَبَرُ مَرْجِعًا مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ و (تَقَطَّعَ) مُنْكَرٌ فَكَيْفَ يُقالُ اتَّحَدَ الحُكْمُ والمَحْكُومُ عَلَيْهِ

ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ بِالتَّأْوِيلِ مُتَعَيِّنٌ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لِأنَّهُ إذا تَقَطَّعَ التَّقَطُّعُ حَصَلَ الوَصْلُ وهو ضِدُّ المَقْصُودِ وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هو الفاعِلُ وبَقِيَ عَلى حالِهِ مَنصُوبًا حَمْلًا لَهُ عَلى أغْلَبِ أحْوالِهِ وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وقِيلَ: إنَّهُ بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى مَبْنِيٍّ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ

واخْتارَ أبُو حَيّانَ أنَّ الكَلامَ مِن بابِ التَّنازُعِ سُلِّطَ عَلى (ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. تَقَطَّعَ) وضَلَّ عَنْكم فَأعْمَلَ الثّانِي وهو ضَلَّ، وأضْمَرَ في تَقْطَعَ ضَمِيرَهُ، والمُرادُ بِذَلِكَ الأصْنامُ والمَعْنى لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وضَلُّوا عَنْكُمْ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ أيْ لَمْ يَبْقَ اتِّصالٌ بَيْنَكم وبَيْنَ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ فَعَبَدْتُمُوهم
صفحة 226
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (بَيْنُكُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهو مِنَ الأضْدادِ كالقُرْءِ يُسْتَعْمَلُ في الوَصْلِ والفَصْلِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الوَصْلُ أيْ تَقْطَّعَ وصْلُكم وتَفَرَّقَ جَمْعُكُمْ، وطَعَنَ ابْنُ عَطِيَّةٍ في هَذا بِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنَ العَرَبِ أنَّ البَيْنَ بِمَعْنى الوَصْلِ وإنَّما انْتُزِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى السَّماعِ لِأنَّ -بَيْنَ- يُسْتَعْمَلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَلابِسَيْنِ نَحْوُ بَيْنِي وبَيْنَكَ رَحِمٌ وصَداقَةٌ وشَرِكَةٌ فَصارَ لِذَلِكَ بِمَعْنى الوَصْلَةِ. عَلى أنَّهُ لَوْ قِيلَ بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ فَإنَّ أبا عَمْرٍو وأبا عُبَيْدَةَ وابْنَ جِنِّيِّ والزَّجّاجَ وغَيْرَهم مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ نَقَلُوهُ وكَفى بِهِمْ سَنَدًا فِيهِ فَكَوْنُهُ مُنْتَزَعًا مِن هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا لا ظَرْفًا. وقِيلَ: إنَّ (بَيْنَ) هُنا ظَرْفٌ لَكِنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ عَلى سَبِيلِ الِاتِّساعِ

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكُمْ) وما فِيهِ مَوْصُوفَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وضاعَ وبَطَلَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

94

- أنَّها شُفَعاؤُكم أوْ أنَّها شُرَكاءُ لِلَّهِ تَعالى فِيكم أوْ أنْ لا بَعْثَ ولا جَزاءَ

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, Allah is the cleaver of grain and date seeds. He brings the living out of the dead and brings the dead out of the living. That is Allah; so how are you deluded?

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[He is] the cleaver of daybreak and has made the night for rest and the sun and moon for calculation. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

You read 6:92–96 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:92