All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Al-Qiyāmah 75:27 Juzʾ 29 Page 578

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏

And it is said, "Who will cure [him]?"

Read in the muṣḥaf

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ إيثارِ العاجِلَةِ عَلى الآخِرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ ارْتَدِعُوا عَنْ ذَلِكَ وتَنَبَّهُوا لِما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ المَوْتِ الَّذِي تَنْقَطِعُ عِنْدَهُ ما بَيْنَكم وبَيْنَ العاجِلَةِ مِنَ العَلاقَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيِ النَّفْسُ أوِ الرُّوحُ الدّالُّ عَلى سِياقِ الكَلامِ كَما في قَوْلِ حاتِمٍ:

أماوِيُّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
ونَحْوَ قَوْلِ العَرَبِ أرْسَلَتْ يُرِيدُونَ جاءَ المَطَرُ ولا تَكادُ تَسْمَعُهم يَقُولُونَ أرْسَلَتِ السَّماءُ نَعَمْ قَدْ يُصَرَّحُ فِيما هُنا بِالفاعِلِ فَيُقالُ بَلَغَتِ النَّفْسُ ﴿التَّراقِيَ﴾ أيْ أعالِي الصَّدْرِ وهي العِظامُ المُكْتَنِفَةُ ثَغْرَةَ النَّحْرِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ وأنْشَدُوا لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:

ورُبَّ عَظِيمَةٍ رافَعَتْ عَنْهم ∗∗∗ وقَدْ بَلَغَتْ نُفُوسُهُمُ التَّراقِي
‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏

أيْ قالَ مَن حَضَرَ صاحِبَها مَن يَرْقِيهِ ويُنْجِيهِ مِمّا هو فِيهِ مِنَ الرُّقْيَةِ وهي ما يُسْتَشْفى بِهِ المَلْسُوعُ والمَرِيضُ مِنَ الكَلامِ المُعَدِّ لِذَلِكَ ومِنهُ آياتُ الشِّفاءِ ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الطَّبِيبِ أعَمُّ مِن أنْ يُطَبَّ بِالقَوْلِ أوْ بِالفِعْلِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وأبُو قِلابَةَ وقَتادَةَ ما هو ظاهِرٌ فِيهِ والِاسْتِفْهامُ عِنْدَ بَعْضٍ حَقِيقِيٌّ وقِيلَ هو اسْتِفْهامُ اسْتِبْعادٍ وإنْكارٍ أيْ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لا أحَدَ يَرْقِيهِ كَما يُقالُ عِنْدَ اليَأْسِ مَن ذا الَّذِي يَقْدِرُ أنَّ يَرْقى هَذا المُشْرِفَ عَلى المَوْتِ ورُوِيَ
صفحة 147
ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ زَيْدٍ وقِيلَ هو مِن كَلامِ مَلائِكَةِ المَوْتِ أيْ أيُّكم يَرْقى بِرُوحِهِ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ مِنَ الرُّقِيِّ وهو العُرُوجُ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وسُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ والِاسْتِفْهامُ عَلَيْهِ حَقِيقِيٌّ وتُعُقِّبَ بِأنَّ اعْتِبارَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ يُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدُ ‏‏ ‏‏‏ إلَخِ ودُفِعَ بِأنَّ الضَّمِيرَ لِلْإنْسانِ والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ والِاقْتِصارُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أحْوالِ بَعْضِ الفَرِيقَيْنِ لا يُنافِي العُمُومَ فِيما قَبْلُ ووَقَفَ حَفْصٌ رِوايَةً عَنْ عاصِمٍ عَلى مَن وابْتَدَأ ‏‏‏

وأدْغَمَ الجُمْهُورُ قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا أدْرِي ما وجْهُ قِراءَتِهِ وكَذَلِكَ قَرَأ ﴿بَلْ رانَ﴾ [المُطَفِّفِينَ: 14] وقالَ بَعْضُهم كَأنَّهُ قَصَدَ أنْ لا يُتَوَهَّمُ أنَّها كَلِمَةٌ واحِدَةٌ فَسَكَتَ سَكْتَةً لَطِيفَةً لِيُشْعِرَ أنَّهُما كَلِمَتانِ وإلّا فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُدْغَمَ في ‏‏ ‏‏‏

فَقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ إنَّ النُّونَ تُدْغَمُ في الرّاءِ وذَلِكَ نَحْوَ مَن راشَدَ والإدْغامُ بِغُنَّةٍ وبِغَيْرِ غُنَّةٍ ولَمْ يَذْكُرِ الإظْهارَ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ لَعَلَّ الإظْهارَ رَأْيٌ كُوفِيٌّ فَعاصِمٌ شَيْخُ حَفْصٍ يَذْكُرُ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالنَّحْوِ، وأمّا ﴿بَلْ رانَ﴾ فَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ أيْضًا أنَّ إظْهارَ اللّامِ وإدْغامَها مَعَ الرّاءِ حَسَنانِ، فَلَعَلَّ حَفْصًا لَمّا أفْرَطَ في إظْهارِ الإظْهارِ فِيهِ صارَ كالوَقْفِ القَلِيلِ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى أنَّ النَّفْسَ جِسْمٌ لا جَوْهَرَ مُجَرَّدٌ إذْ لا يَتَّصِفُ بِالحَرَكَةِ والتَّحَيُّزِ وأجابَ بَعْضٌ بِأنَّ هَذِهِ النَّفْسَ المُسْنَدَ إلَيْها بُلُوغُ التَّراقِي هي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ لا الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ وهي الجَوْهَرُ المُجَرَّدُ دُونَ الحَيَوانِيَّةِ وآخَرُ بِأنَّ المُرادَ بِبُلُوغِها التَّراقِي قُرْبُ انْقِطاعِ التَّعَلُّقِ وهو مِمّا يَتَّصِفُ بِهِ المُجَرَّدُ إذْ لا يَسْتَدْعِي حَرَكَةً ولا تَحَيُّزًا ولا نَحْوَهُما مِمّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ.

وزَعَمَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إرادَةُ الحَقِيقَةِ ولَوْ كانَتِ النَّفْسُ جِسْمًا ضَرُورَةَ أنَّ بُلُوغَها التَّراقِي لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مُفارَقَتِها القَلْبَ وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَوْتُ ولا يُقالُ ‏‏ ‏‏‏ كَما هو ظاهِرٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فِيهِ ولا يَتَأنّى أيْضًا ما يَذْكُرُ بَعْدُ عَلى ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا أنَّ النَّفْسَ وهي الرُّوحُ الأمْرِيَّةُ جِسْمٌ لَطِيفٌ جِدًّا ألْطَفُ مِنَ الضَّوْءِ عِنْدَ القائِلِ بِجِسْمِيَّتِهِ والنَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ مَرْكَبٌ لَها وهي سارِيَةٌ في البَدَنِ نَحْوَ سَرَيانِ ماءِ الوَرْدِ في الوَرْدِ والنّارِ في الفَحْمِ وسَرَيانِ السَّيّالِ الكَهْرَبائِيِّ عِنْدَ القائِلِ بِهِ في الأجْسامِ والأدِلَّةِ عَلى جِسْمِيَّتِها كَثِيرَةٌ وقَدِ اسْتَوْفاها الشَّيْخُ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِ الرُّوحِ وأتى فِيهِ بِالعَجَبِ ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِبُلُوغِ التَّراقِي مُشارَفَةُ المَوْتِ وقُرْبُ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ سَلَّمْتَ الضَّرُورَةُ الَّتِي في كَلامِ ذَلِكَ الزّاعِمِ أمْ لَمْ تُسَلِّمْ لِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ .

The same ayah, in another commentary

Al-Qiyāmah 75:27