All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Al-Insān 76:2 Juzʾ 29 Page 578

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, We created man from a sperm-drop mixture that We may try him; and We made him hearing and seeing.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فَإنَّ الإنْسانَ فِيهِ مَعْرِفَةُ مَعادِهِ فَلا يَفْتَرِقانِ كَيْفَ وفي إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فَضْلُ التَّقْرِيرِ والتَّمْكِينِ في النَّفْسِ فَإذا اخْتَلَفا عُمُومًا وخُصُوصًا فاتَتِ المُلايَمَةُ ولا شَكَّ أنَّ الحَمْلَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا ولا وجْهَ لَهُ ولا نَقْضَ بِهِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ بِناءً عَلى أنَّهُ لا عُمُومَ فِيهِ ولا خُصُوصَ.

نَعَمْ دَلَّ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ‏‏ ‏‏‏‏ عَلى أنَّ المُرادَ غَيْرُهُ أوْ هو تَغْلِيبٌ وقِيلَ يَجْعَلُ ما لِلْأكْثَرِ لِلْكُلِّ مَجازًا في الإسْنادِ أوِ الطَّرْفِ ورُوِيَتْ إرادَتُهُ عَنْ قَتادَةَ والثَّوْرِيِّ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وقالَ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ مَرَّتْ بِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً قَبْلَ أنْ يُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ وهو مُلْقًى بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ.

وفِي رِوايَةِ الضَّحاكِ عَنْهُ أنَّهُ خُلِقَ مِن طِينٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِن صَلْصالٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً فَتَمَّ خَلْقُهُ بَعْدَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ وحَكى الماوَرْدِيُّ عَنْهُ أنَّ الحِينَ المَذْكُورَ هاهُنا هو الزَّمَنُ الطَّوِيلُ المُمْتَدُّ الَّذِي لا يُعْرَفُ مِقْدارُهُ.

ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ إنَّ مِنَ الحِينِ حِينًا لا يُدْرَكُ وتَلا الآيَةَ فَقالَ: واللَّهِ ما يَدْرِي كَمْ أتى عَلَيْهِ حَتّى خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى. ورَأيْتُ لِبَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ أنَّ هَلْ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ فَهو في مَعْنى النَّفْيِ أيْ ما أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا وظاهِرُهُ القَوْلُ بِقَدَمِ الإنْسانِ في الزَّمانِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ زَمانٌ إلّا وفِيهِ إنْسانٌ وهو القِدَمُ النَّوْعِيُّ كَما قالَ بِهِ مَن قالَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وهو كُفْرٌ بِالإجْماعِ ووُجِّهَ
صفحة 152
بِأنَّهم عَنَوْا شَيْئِيَّةَ الثُّبُوتِ لِقِدَمِ الإنْسانِ عِنْدَهم بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ دُونَ شَيْئِيَّةِ الوُجُودِ ضَرُورَةَ أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها حادِثٌ زَمانًا ويُرْشِدُ إلى هَذا قَوْلُ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ في البابِ 358 مِنَ الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في العالَمِ مَن هو عَلى صُورَةِ الحَقِّ ما حَصَلَ المَقْصُودُ مِنَ العِلْمِ بِالحَقِّ أعْنِي العِلْمَ الحادِثَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

«كُنْتُ كَنْزًا لَمْ أُعْرَفْ فَأحْبَبْتُ أنْ أُعْرَفَ فَخَلَقْتُ الخَلْقَ وتَعَرَّفَتْ إلَيْهِمْ فَعَرَفُونِي» .

فَجَعَلَ نَفْسَهُ كَنْزًا والكَنْزُ لا يَكُونُ إلّا مُكْتَنَزًا في شَيْءٍ فَلَمْ يَكُنْ كَنْزُ الحَقِّ نَفْسِهِ إلّا في صُورَةِ الإنْسانِ الكامِلِ في شَيْئِيَّةِ ثُبُوتِهِ هُناكَ كانَ الحَقُّ مَكْنُوزًا فَلَمّا ألْبَسَ الحَقُّ الإنْسانَ شَيْئِيَّةَ الوُجُودِ ظَهَرَ الكَنْزُ بِظُهُورِهِ فَعَرَفَهُ الإنْسانُ الكامِلُ بِوُجُودِهِ وعَلِمَ أنَّهُ كانَ مَكْنُوزًا فِيهِ في شَيْئِيَّةِ ثُبُوتِهِ وهو لا يَشْعُرُ بِهِ انْتَهى ولا يَخْفى أنَّ الأشْياءَ كُلَّها في شَيْئِيَّةِ الثُّبُوتِ قَدِيمَةٌ لا الإنْسانُ وحْدَهُ، ولَعَلَّهم يَقُولُونَ الإنْسانُ هو كُلُّ شَيْءٍ لِأنَّهُ الإمامُ المُبِينُ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [يس: 12] والكَلامُ في هَذا المَقامِ طَوِيلٌ ولا يَسَعُنا أنْ نُطِيلَ بَيْدَ أنّا نَقُولُ كَوْنُ ﴿هَلْ﴾ هُنا لِلْإنْكارِ مُنْكَرٌ وأنَّ دَعْوى صِحَّةِ ذَلِكَ لَإحْدى الكِبَرِ والَّذِي فَهِمَهُ أجِلَّةٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِنَ الآيَةِ الإخْبارُ الإيجابِيُّ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ شَيْءٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا فَقالَ لَيْتَها تَمَّتْ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَتْلُو ذَلِكَ فَقالَ يا لَيْتَها تَمَّتْ فَعُوقِبَ في قَوْلِهِ هَذا فَأخَذَ عَمُودًا مِنَ الأرْضِ فَقالَ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مِثْلَ هَذا ‏‏‏‏‏ جَمْعُ مَشَجٍ بِفُتْحَتَيْنِ كَسَبَبٍ وأسْبابٍ، أوْ مَشِجٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ كَكَتِفٍ وأكْتافٍ، أوْ مَشِيجٍ كَشَهِيدٍ وأشْهادٍ ونَصِيرٍ وأنْصارٍ أيْ أخْلاطٍ جَمْعُ خَلْطٍ بِمَعْنى مُخْتَلِطٍ مُمْتَزِجٍ، يُقالُ: مَشَجْتَ الشَّيْءَ إذا خَلَطْتَهُ ومَزَجْتَهُ فَهو مَشِيجٌ ومَمْشُوجٌ، وهو صِفَةٌ لِنُطْفَةٍ ووُصِفَ بِالجَمْعِ وهي مُفْرِدَةٌ لِأنَّ المُرادَ بِها مَجْمُوعُ ماءِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ والجَمْعُ قَدْ يُقالُ عَلى ما فَوْقَ الواحِدِ أوْ بِاعْتِبارِ الأجْزاءِ المُخْتَلِفَةِ فِيهِما رِقَّةً وغِلَظًا وصُفْرَةً وبَياضًا وطَبِيعَةً وقُوَّةً وضَعْفًا حَتّى اخْتَصَّ بَعْضُها بِبَعْضِ الأعْضاءِ عَلى ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِحِكْمَتِهِ فَخَلَقَهُ بِقُدْرَتِهِ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ «أنَّ ما كانَ مِن عَصَبٍ وعَظْمٍ وقُوَّةٍ فَمِن ماءِ الرَّجُلِ، وما كانَ مِن لَحْمٍ ودَمٍ فَمِن ماءِ المَرْأةِ»، والحاصِلُ أنَّهُ نَزَلَ المَوْصُوفُ مَنزِلَةَ الجَمْعِ ووُصِفَ بِصِفَةِ أجْزائِهِ وقِيلَ هو مُفْرَدٌ جاءَ عَلى أفْعالٍ كَأعْشارٍ وأكْياشٍ في قَوْلِهِمْ بُرْمَةُ أعْشارٍ أيْ مُتَكَسِّرَةٌ وبُرْدٌ أكْيَشُ أيْ مَغْزُولٌ غَزَلَهُ مَرَّتَيْنِ.

واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والمَشْهُورُ عَنْ نَصِّ سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ النُّحاةِ أنَّ أفْعالًا لا يَكُونُ جَمْعًا وحُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ في العامِ ومَعْنى نُطْفَةٍ مُخْتَلِطَةٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ نُطْفَةٌ اخْتَلَطَ وامْتَزَجَ فِيها الماءانِ، وقِيلَ: اخْتَلَطَ فِيها الدَّمُ والبَلْغَمُ والصَّفْراءُ والسَّوْداءُ وقِيلَ الأمْشاجُ نَفْسُ الأخْلاطِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ هَذِهِ الأرْبَعَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ مِن نُطْفَةٍ هي عِبارَةٌ عَنْ أخْلاطٍ أرْبَعَةٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: أمْشاجٌ أيْ ألْوانٌ أيْ ذاتُ ألْوانٍ فَإنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ وماءَ المَرْأةِ أصْفَرُ فَإذا اخْتَلَطا ومَكَثا في قَعْرِ الرَّحِمِ اخْضَرّا كَما يَخْضَرُّ الماءُ بِالمُكْثِ، ورُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ وأُخْرِجَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: الأمْشاجُ العُرُوقُ الَّتِي في النُّطْفَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْ ذاتِ عُرُوقٍ، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وكَذا ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ «أمْشاجٍ» أطْوارٍ أيْ ذاتِ أطْوارٍ فَإنَّ النُّطْفَةَ تَصِيرُ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً وهَكَذا إلى تَمامِ الخِلْقَةِ ونَفْخِ الرُّوحِ وقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ حالٌ مِن فاعِلِ خَلَقْنا والمُرادُ مُرِيدِينَ ابْتِلاءَهُ واخْتِبارَهُ بِالتَّكْلِيفِ فِيما بَعْدُ عَلى أنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ أوْ ناقِلِينَ لَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ ومَن طَوْرَ إلى طَوْرٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ المَنقُولَ يَظْهَرُ في كُلِّ ظُهُورٍ ظُهُورًا آخَرَ كَظُهُورِ نَتِيجَةِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ بَعْدَهُ.

ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَلى الوَجْهَيْنِ يَنْحَلُّ ما قِيلَ إنَّ الِابْتِلاءَ بِالتَّكْلِيفِ وهو يَكُونُ بَعْدَ جَعْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لا قَبْلُ فَكَيْفَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وقِيلَ الكَلامُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ أيْ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
صفحة 153
لِنَبْتَلِيَهُ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ وعَسُفَ لِأنَّ التَّقْدِيمَ لا يَقَعُ في حالِ مَوْقِعِهِ لا لَفْظًا لِأجْلِ الفاءِ ولا مَعْنًى لِأنَّهُ لا يَتَّجِهُ السُّؤالُ قَبْلَ الجَعْلِ والأوْجَهُ الأوَّلُ، وهَذا الجَعْلُ كالمُسَبِّبِ عَنِ الِابْتِلاءِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جَعْلِهِ كَذَلِكَ أنْ يَنْظُرَ الآياتِ الآفاقِيَّةَ والأنْفُسِيَّةَ ويَسْمَعَ الأدِلَّةَ السَّمْعِيَّةَ فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلى الخَلْقِ المُقَيَّدِ بِهِ بِالفاءِ ورَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى.

The same ayah, in another commentary

Al-Insān 76:2