All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

At-Tawbah 9:111 Juzʾ 11 Page 204

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, Allah has purchased from the believers their lives and their properties [in exchange] for that they will have Paradise. They fight in the cause of Allah, so they kill and are killed. [It is] a true promise [binding] upon Him in the Torah and the Gospel and the Qur'an. And who is truer to his covenant than Allah? So rejoice in your transaction which you have contracted. And it is that which is the great attainment.

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلَخْ تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في الجِهادِ بِبَيانِ حالِ المُتَخَلِّفِينَ عَنْهُ، ولا تَرى كَما نَقَلَ الشِّهابُ تَرْغِيبًا في الجِهادِ أحْسَنَ ولا أبْلَغَ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ أُبْرِزَ في صُورَةِ عَقْدٍ عاقِدُهُ رَبُّ العِزَّةِ جَلَّ جَلالُهُ وثَمَنُهُ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ولَمْ يَجْعَلِ المَعْقُودُ عَلَيْهِ كَوْنَهم مَقْتُولِينَ فَقَطْ بَلْ كُونُهم قاتِلِينَ أيْضًا لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى ونُصْرَةِ دِينِهِ سُبْحانَهُ، وجَعَلَهُ مُسَجَّلًا في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وناهِيكَ بِهِ مِن صَكٍّ، وجَعَلَ وعْدَهُ حَقًّا ولا أحَدَ أوْفى مِن واعِدِهِ فَنَسِيئَتُهُ أقْوى مِن نَقْدِ غَيْرِهِ وأشارَ إلى ما فِيهِ مِنَ الرِّبْحِ والفَوْزِ العَظِيمِ وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ

صَوَّرَ جِهادَ المُؤْمِنِينَ وبَذْلَ أمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فِيهِ وإثابَةَ اللَّهِ تَعالى لَهم عَلى ذَلِكَ الجَنَّةَ بِالبَيْعِ والشِّراءِ وأتى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏‏ إلَخْ بَيانًا لِمَكانِ التَّسْلِيمِ وهو المَعْرَكَةُ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الجَنَّةُ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ» ثُمَّ أمْضاهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ومِن هُنا أعْظَمَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أمْرَ هَذِهِ الآيَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو في المَسْجِدِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ إلَخْ فَكَثُرَ النّاسُ في المَسْجِدِ فَأقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ ثانِيًا طَرَفَيْ رِدائِهِ عَلى عاتِقِهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؟ قالَ: نَعَمْ فَقالَ الأنْصارِيُّ: بَيْعٌ رَبِيحٌ لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ. ومِنَ النّاسِ مَن قَرَّرَ وجْهَ المُبالَغَةِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَبَّرَ عَنْ قَبُولِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمُ الَّتِي بَذَلُوها في سَبِيلِهِ تَعالى وإثابَتِهِ إيّاهم بِمُقابَلَتِها الجَنَّةَ بِالشِّراءِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ ثُمَّ جَعَلَ
صفحة 27
المَبِيعَ الَّذِي هو العُمْدَةُ والمَقْصِدُ في العَقْدِ أنْفُسَ المُؤْمِنِينَ وأمْوالَهم والثَّمَنَ الَّذِي هو الوَسِيلَةُ في الصَّفْقَةِ الجَنَّةَ، ولَمْ يَعْكِسْ بِأنْ يُقالَ: إنَّ الَّلَهَ باعَ الجَنَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المَقْصِدَ بِالعَقْدِ هو الجَنَّةُ وما بَذَلَهُ المُؤْمِنُونَ في مُقابَلَتِها وسِيلَةٌ إلَيْها بِكَمالِ العِنايَةِ بِهِمْ وبِأمْوالِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ بِالجَنَّةِ بَلْ قالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مُبالَغَةً في تَقْرِيرِ وُصُولِ الثَّمَنِ إلَيْهِمْ واخْتِصاصِهِ بِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: بِالجَنَّةِ الثّابِتَةِ لَهُمُ المُخْتَصَّةِ بِهِمْ ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبْلَغُ مِن قِراءَةِ الأعْمَشِ ونُسِبَتْ أيْضًا إلى عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالجَنَّةِ عَلى أنَّها أوْفَقُ بِسَبَبِ النُّزُولِ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهم قالُوا: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ ولِنَفْسِكَ ما شِئْتَ. قالَ: أشْتَرِطُ لِرَبِّي أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أنْ تَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَكم وأمْوالَكم. قالُوا: فَما لَنا؟ قالَ: الجَنَّةُ. قالُوا: رَبِحَ البَيْعُ لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ. فَنَزَلَتْ: إنَّ اللَّهَ اشْتَرى» الآيَةَ

وقِيلَ: عَبَّرَ بِذَلِكَ مَدْحًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم بَذَلُوا أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِمُجَرَّدِ الوَعْدِ لِكَمالِ ثِقَتِهِمْ بِوَعْدِهِ تَعالى مَعَ أنَّ تَمامَ الِاسْتِعارَةِ مَوْقُوفٌ عَلى ذَلِكَ إذْ لَوْ قِيلَ بِالجَنَّةِ لاحْتَمَلَ كَوْنَ الشِّراءِ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّها صالِحَةٌ لِلْعِوَضِيَّةِ بِخِلافِ الوَعْدِ بِها واعْتُرِضَ بِأنَّ مَناطَ دَلالَةِ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ عَلى الوَعْدِ لَيْسَ كَوْنَهُ جُمْلَةً ظَرْفِيَّةً مُصَدَّرَةً بِأنْ فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْبالِ بَلْ هو الجَنَّةُ الَّتِي يَسْتَحِيلُ وُجُودُها في عالَمِ الدُّنْيا ولَوْ سَلِمَ ذَلِكَ بِكَوْنِ العِوَضِ الجَنَّةَ المَوْعُودَ بِها لا نَفْسَ الوَعْدِ بِها عَلى أنَّ حَدِيثَ احْتِمالِ كَوْنِ الشِّراءِ حَقِيقَةً لَوْ قِيلَ بِالجَنَّةِ يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ كَما قِيلَ لِأنَّ حَقِيقَةَ الشِّراءِ مِمّا لا يَصِحُّ مِنهُ تَعالى لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ مالِكُ الكُلِّ والشِّراءُ إنَّما يَكُونُ مِمَّنْ لا يَمْلِكُ، ولِهَذا قالَ الفُقَهاءُ: طَلَبُ الشِّراءِ يُبْطِلُ دَعْوى المِلْكِيَّةِ نَعَمْ قَدْ لا يُبْطِلُ في بَعْضِ الصُّوَرِ كَما إذا اشْتَرى الأبُ دارًا لِطِفْلِهِ مِن نَفْسِهِ فَكَبِرَ الطِّفْلُ ولَمْ يَعْلَمْ ثُمَّ باعَها الأبُ وسَلَّمَها لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ طَلَبَ الِابْنُ شِراءَها مِنهُ ثُمَّ عَلِمَ بِما صَنَعَ أبُوهُ فادَّعى الدّارَ فَإنَّهُ تُقْبَلُ دَعْواهُ ولا يُبْطِلُها ذَلِكَ الطَّلَبُ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الأسْتُرُوشْنِيِّ لَكِنَّ هَذا لا يَضُرُّنا فِيما نَحْنُ فِيهِ. ومِنَ المُحَقِّقِينَ مِن وجْهِ دَلالَةِ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى الوَعْدِ بِأنَّهُ يَقْتَضِي بِصَرِيحِهِ عَدَمَ التَّسْلِيمِ وهو عَيْنُ الوَعْدِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: اشْتَرَيْتُ مِنكَ كَذا بِكَذا احْتَمَلَ النَّقْدَ بِخِلافِ ما إذا قُلْتَ: بِأنَّ لَكَ كَذا فَإنَّهُ في مَعْنى لَكَ عَلَيَّ كَذا وفي ذِمَّتِي واللّامُ هُنا لَيْسَتْ لِلْمِلْكِ إذْ لا يُناسِبُ شِراءَ مِلْكِهِ بِمِلْكِهِ كالمَمْهُورَةِ إحْدى خَدَمَتَيْها فَهي لِلِاسْتِحْقاقِ وفِيهِ إشْعارٌ بِعَدَمِ القَبْضِ، وأمّا كَوْنُ تَمامِ الِاسْتِعارَةِ مَوْقُوفًا عَلى ذَلِكَ فَلَهُ وجْهٌ أيْضًا حَيْثُ كانَ المُرادُ بِالِاسْتِعارَةِ الِاسْتِعارَةَ التَّمْثِيلِيَّةَ إذْ لَوْلاهُ لَصَحَّ جَعْلُ الشِّراءِ مَجازًا عَنِ الِاسْتِبْدالِ مَثَلًا وهو مِمّا لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ مَعَ تَأتِّي التَّمْثِيلِ مِنَ البَلاغَةِ واللَّطائِفِ عَلى ما لا يَخْفى لَكِنْ أنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الكَلامَ بَعْدُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ومِمّا أشَرْنا إلَيْهِ مِن فَضِيلَةِ التَّمْثِيلِ يُعْلَمُ انْحِطاطُ القَوْلِ بِاعْتِبارِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ في ‏‏‏‏‏ وحْدَهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ قِيلَ: بَيانٌ لِمَكانِ التَّسْلِيمِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ البَيْعَ سَلِمَ كَما قالَ الطِّيبِيُّ وغَيْرُهُ وقِيلَ: بَيانٌ لِما لِأجْلِهِ الشِّراءُ كَأنَّهُ لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ إلَخْ قِيلَ: لِماذا فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: لِيُقاتِلُوا في سَبِيلِهِ تَعالى وقِيلَ: بَيانٌ لِلْبَيْعِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ الِاشْتِراءُ المَذْكُورُ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَبِيعُونَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِالجَنَّةِ؟ فَقِيلَ: يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وذَلِكَ بَذْلٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ إلى جِهَتِهِ تَعالى وتَعْرِيضٌ لَهُما لِلْهَلاكِ.
صفحة 28
وقِيلَ: بَيانٌ لِنَفْسِ الِاشْتِراءِ وقِيلَ: ذِكْرٌ لِبَعْضِ ما شَمِلَهُ الكَلامُ السّابِقُ اهْتِمامًا بِهِ عَلى أنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم بِصَرْفِها في العَمَلِ الصّالِحِ وأمْوالَهم بِبَذْلِها فِيما يُرْضِيهِ وهو في جَمِيعِ ذَلِكَ خَبَرٌ لَفْظًا ومَعْنًى ولا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ. وقِيلَ: إنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (وتُجاهِدُونَ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ) ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أتى بِالمُضارِعِ بَعْدَ الماضِي لِإفادَةِ الِاسْتِمْرارِ كَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَرَيْتُ مِنكم أنْفُسَكم في الأزَلِ وأعْطَيْتُ ثَمَنَها الجَنَّةَ فَسَلِّمُوا المَبِيعَ واسْتَمِرُّوا عَلى القِتالِ، ولا يَخْفى ما في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ مِنَ النَّظَرِ. وانْظُرْ هَلْ ثَمَّ مانِعٌ مِن جَعْلِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَرى مِنهم ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ مُقاتِلِينَ في سَبِيلِهِ فَإنِّي لَمْ أقِفْ عَلى مَن صَرَّحَ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ أوْفَقُ الأوْجُهِ بِالِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، تَأمَّلْ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ بَيانٌ لِكَوْنِ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بَذْلًا لِلنَّفْسِ وأنَّ المُقاتِلَ في سَبِيلِهِ تَعالى باذِلٌ لَها وإنْ كانَتْ سالِمَةً غانِمَةً، فَإنَّ الإسْنادَ في الفِعْلَيْنِ لَيْسَ بِطَرِيقِ اشْتِراطِ الجَمْعِ بَيْنَهُما ولا اشْتِراطِ الِاتِّصافِ بِأحَدِهِما البَتَّةَ بَلْ بِطَرِيقِ وصْفِ الكُلِّ بِحالِ البَعْضِ، فَإنَّهُ يَتَحَقَّقُ القِتالُ مِنَ الكُلِّ سَواءٌ وُجِدَ الفِعْلانِ أوْ أحَدُهُما مِنهم أوْ مِن بَعْضِهِمْ بَلْ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم أحَدُهُما أيْضًا، كَما إذا وجَدَ المُضارَبَةَ ولَمْ يُوجَدِ القَتْلُ مِن أحَدِ الجانِبَيْنِ، ويُفْهَمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّهُ يَتَحَقَّقُ الجِهادُ بِمُجَرَّدِ العَزِيمَةِ والنَّفِيرِ وتَكْثِيرِ السَّوادِ وإنْ لَمْ تُوجَدْ مُضارَبَةٌ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ لِما أنَّ في ذَلِكَ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِلْهَلاكِ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ أُجُورَ المُجاهِدِينَ مُخْتَلِفَةٌ قِلَّةً وكَثْرَةً وإنْ كانَ هُناكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهم. فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما مِن غازِيَةٍ تَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الغَنِيمَةَ إلّا تَعَجَّلُوا ثُلْثَيْ أجْرِهِمْ مِنَ الآخِرَةِ، ويَبْقى لَهُمُ الثُّلُثُ، وإنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهم أجْرُهم» . وفي رِوايَةٍ أُخْرى: «ما مِن غازِيَةٍ أوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو وتَسْلَمُ إلّا كانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلْثَيْ أُجُورِهِمْ، وما مِن غازِيَةٍ أوْ سَرِيَّةٍ تُحْنَقُ وتُصابُ إلّا أتَمَّ أُجُورَهم» . وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم في الأجْرِ سَواءٌ ولا يَنْقُصُ أجْرُهم بِالغَنِيمَةِ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِما في الصَّحِيحَيْنِ مِن أنَّ المُجاهِدَ يَرْجِعُ بِما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ، وبِأنْ أهْلَ بَدْرٍ غَنِمُوا وهم هم ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ خَبَرَ الصَّحِيحَيْنِ مُطْلَقٌ وخَبَرَ مُسْلِمٍ مُقَيَّدٌ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، وبِأنَّهُ لِمَ يَجِئْ نَصٌّ في أهْلِ بَدْرٍ أنَّهم لَوْ لَمْ يَغْنَمُوا لَكانَ أجْرُهم عَلى قَدْرِ أجْرِهِمْ وقَدْ غَنِمُوا فَقَطْ، وكَوْنُهم هم هم لا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ وراءَ مَرْتَبَتِهِمْ مَرْتَبَةٌ أُخْرى أفْضَلُ مِنها، والقَوْلُ بِأنَّ في السَّنَدِ أبا هانِئٍ وهو مَجْهُولٌ فَلا يُعَوَّلُ عَلى خَبَرِهِ غَلَطٌ فاحِشٌ فَإنَّهُ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ رَوى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وحَيْوَةُ وابْنُ وهْبٍ وخَلائِقُ مِنَ الأئِمَّةِ ويَكْفِي في تَوْثِيقِهِ احْتِجاجُ مُسْلِمٍ بِهِ في صَحِيحِهِ، ومِثْلَ هَذا ما حَكاهُ القاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ مِن أنَّ تَعَجُّلَ ثُلْثَيِ الأجْرِ إنَّما هو في غَنِيمَةٍ أُخِذَتْ عَلى غَيْرِ وجْهِها إذْ لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ثُلُثُ الأجْرِ، وكَذا ما قِيلَ: مِن أنَّ الحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلى مَن خَرَجَ بِنِيَّةِ الغَزْوِ والغَنِيمَةِ مَعًا فَإنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ ثَوابَهُ لا مَحالَةَ، فالصَّوابُ أنَّ أجْرَ مَن لَمْ يَغْنَمْ أكْثَرُ مِن أجْرِ مَن غَنِمَ لِصَرِيحِ ما ذَكَرْناهُ المُوافِقِ لِصَرائِحِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَشْهُورَةِ عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم. ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ أجْرَ مَن قُتِلَ أكْثَرُ مِن أجْرِ مَن قَتَلَ لِكَوْنِ الأوَّلِ مِنَ الشُّهَداءِ دُونَ الثّانِي، وظاهِرُ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ: «مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَهو شَهِيدٌ، ومَن ماتَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَهو شَهِيدٌ» . أنَّ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى والمَوْتَ فِيها سَواءٌ في الأجْرِ وهو المُوافِقُ لِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ واسْتَدَلَّ لَهُ أيْضًا بَعْضُ
صفحة 29
العُلَماءِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وتَقْدِيمُ حالَةِ القاتِلِيَّةِ في الآيَةِ عَلى حالَةِ المَقْتُولِيَّةِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَهُما في كَوْنِهِما مِصْداقًا لِكَوْنِ القِتالِ بَذْلًا لِلنَّفْسِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ رِعايَةً لِكَوْنِ الشَّهادَةِ عَرِيقَةً في هَذا البابِ إيذانًا بِعَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِالمَوْتِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بَلْ بِكَوْنِهِ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ السَّلامَةِ كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ في حَقِّهِمْ:

لا يَفْرَحُونَ إذا نالَتْ رِماحُهم قَوْمًا ولَيْسُوا مَجازِيعا

إذا نِيلُوا لا يَقَعُ الطَّعْنُ إلّا في نُحُورِهِمْ ∗∗∗ وما لَهم عَنْ حِياضِ المَوْتِ تَهْلِيلُ
وفِيهِ عَلى ما قِيلَ دَلالَةٌ عَلى جَراءَتِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَنْكَسِرُوا لِأنْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ، ومِنَ النّاسِ مَن دَفَعَ السُّؤالَ بِعَدَمِ مُراعاةِ التَّرْتِيبِ في هَذِهِ القِراءَةِ بِأنَّ الواوَ لا تَقْتَضِيهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُجْدِي لِأنَّ تَقْدِيمَ ما حَقُّهُ التَّأْخِيرُ في أبْلَغِ الكَلامِ لا يَكُونُ بِسَلامَةِ الأمِيرِ كَما لا يَخْفى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ لِأنَّ مَعْنى الشِّراءِ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ وعْدٌ لَهم بِها عَلى الجِهادِ في سَبِيلِهِ سُبْحانَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: (حَقًّا) نَعْتٌ لَهُ و(عَلَيْهِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ‏‏‏ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ: وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لِوَعْدًا أيْضًا أيْ وعْدًا مُثْبَتًا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ كَما هو مُثْبَتٌ في القُرْآنِ فالمُرادُ إلْحاقُ ما لًا يُعْرَفُ بِما يُعْرَفُ إذْ مِنَ المَعْلُومِ ثُبُوتُ هَذا الحُكْمِ في القُرْآنِ ثُمَّ إنَّ ما في الكِتابَيْنِ إمّا أنْ يَكُونَ أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اشْتَرى اللَّهُ تَعالى مِنهم أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِذَلِكَ أوْ أنَّ مَن جاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ لَهُ ذَلِكَ وفي كِلا الأمْرَيْنِ ثُبُوتٌ مُوافِقٌ لِما في القُرْآنِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُ الجارِّ بِاشْتَرى ووَعْدًا وحَقًّا ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونٍ ما قَبْلَهُ مِن حَقِيقَةِ الوَعْدِ والمَقْصُودُ مِن مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عُرْفًا نَفْيُ المُساواةِ أيْ لا أحَدَ مِثْلُهُ تَعالى في الوَفاءِ بِعَهْدِهِ وهَذا كَما يُقالُ: لَيْسَ في المَدِينَةِ أفْقَهُ مِن فُلانٍ فَإنَّهُ يُفِيدُ عُرْفًا أنَّهُ أفْقَهُ أهْلِها، ولا يَخْفى ما في جَعْلِ الوَعْدِ عَهْدًا ومِيثاقًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ التِفاتٌ إلى خِطابِهِمْ لِزِيادَةِ التَّشْرِيفِ والِاسْتِبْشارُ إظْهارٌ لِسُرُورِهِمْ ولَيْسَتِ السِّينُ فِيهِ لِلطَّلَبِ والفاءُ لِتَرْتِيبِهِ أوْ تَرْتِيبِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَأظْهِرُوا السُّرُورَ بِما فُزْتُمْ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏‏ مَعَ أنَّ الِابْتِهاجَ بِهِ بِاعْتِبارِ أدائِهِ إلى الجَنَّةِ لِأنَّ المُرادَ تَرْغِيبُهم في الجِهادِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالبَيْعِ ولَمْ يُذْكَرِ العَقْدُ بِعُنْوانِ الشِّراءِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِهِ سُبْحانَهُ لا مِن قِبَلِهِمْ والتَّرْغِيبُ عَلى ما قِيلَ إنَّما يَتِمُّ فِيما هو مِن قِبَلِهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ بَيْعِهِمْ ولِلْإشْعارِ بِتَمَيُّزِهِ عَلى غَيْرِهِ فَإنَّهُ بَيْعُ الفانِي بِالباقِي ولِأنَّ كِلا البَدَلَيْنِ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ومِن هُنا كانَ الحَسَنُ إذا قَرَأ الآيَةَ يَقُولُ: أنْفُسٌ هو خَلَقَها وأمْوالٌ هو رَزَقَها ‏‏‏‏ أيِ البَيْعُ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الَّذِي لا فَوْزَ أعْظَمُ مِنهُ وما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ إشارَةٌ إلى بُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ وسُمُوِّ رُتْبَتِهِ في الكَمالِ والجُمْلَةُ تَذْلِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الأمْرِ السّابِقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْلِيلًا لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ، والإشارَةِ إلى الجَنَّةِ الَّتِي جُعِلَتْ ثَمَنًا بِمُقابَلَةِ ما بَذَلُوا مِن أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وفي ذَلِكَ إعْظامٌ لِلثَّمَنِ ومِنهُ يُعْلَمُ حالُ المُثَمِّنِ ونُقِلَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنْهُ أنْشَدَ لِلصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
صفحة 30

أُثامِنُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ رَبَّها ∗∗∗ فَلَيْسَ لَها في الخَلْقِ كُلِّهِمْ

ثَمَنُ بِها أشْتَرِي الجَنّاتِ إنْ أنا بِعْتُها ∗∗∗ بِشَيْءٍ سِواها إنَّ ذَلِكم غَبْنُ

إذا ذَهَبَتْ نَفْسِي بِدُنْيا أصَبْتُها ∗∗∗ فَقَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي وقَدْ ذَهَبَ الثَّمَ
نُ والمَشْهُورُ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لَيْسَ لِأبْدانِكم ثَمَنٌ إلّا الجَنَّةُ فَلا تَبِيعُوها إلّا بِها، وهو ظاهِرٌ في أنَّ المَبِيعَ هو الأبْدانُ وبِذَلِكَ صَرَّحَ بَعْضُ الفُضَلاءِ في حَواشِيهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الجَوْهَرِ الباقِي بَدَنُهُ الَّذِي هو مَرْكَبُهُ وآلَتُهُ والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ بِالجَوْهَرِ الباقِي الجَوْهَرَ المُجَرَّدَ المَخْصُوصَ وهو النَّفْسُ النّاطِقَةُ، ولا يَخْفى أنَّ جُمْهُورَ المُتَكَلِّمِينَ عَلى نَفْيِ المُجَرَّداتِ وإنْكارِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ وأنَّ الإنْسانَ هو هَذا الهَيْكَلُ المَحْسُوسُ وبِذَلِكَ أبْطَلَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُتَأخِّرِينَ مِن أفاضِلِ المُعاصِرِينَ القَوْلَ بِخَلْقِ الأفْعالِ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ الفاعِلِ والقابِلِ واحِدًا، وقَدْ قالُوا: بِامْتِناعِ اتِّحادِهِما والإنْصافُ إثْباتُ شَيْءٍ مُغايِرٍ لِلْبَدَنِ والهَيْكَلِ المَحْسُوسِ في الإنْسانِ، والمَبِيعُ إمّا ذاكَ ومَعْنى بَيْعِهِ تَعْرِيضُهُ لِلْمَهالِكِ والخُرُوجِ عَنِ التَّعَلُّقِ الخاصِّ بِالبَدَنِ، وإمّا البَدَنُ ومَعْنى بَيْعِهِ ظاهِرٌ إلّا أنَّهُ رُبَّما يَدَّعِي أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ النَّفْسِ غَيْرُ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

[Such believers are] the repentant, the worshippers, the praisers [of Allah], the travelers [for His cause], those who bow and prostrate [in prayer], those who enjoin what is right and forbid what is wrong, and those who observe the limits [set by] Allah. And give good tidings to the believers.

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏‏‏‏ نَعْتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَطْعٌ لِأجْلِ المَدْحِ أيْ هُمُ التّائِبُونَ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ (التّائِبِينَ) بِالياءِ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ أوْ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (التّائِبُونَ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ أيْضًا وإنْ لَمْ يُجاهِدُوا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ فَإنَّ كُلًّا فِيهِ عامٌّ والحُسْنى بِمَعْنى الجَنَّةِ

وقِيلَ: الخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وقِيلَ: خَبَرُهُ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يُقاتِلُونَ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ إلّا أنَّهُ يَكُونُ المَوْعُودُ بِالجَنَّةِ عَلَيْهِ هو المُجاهِدَ المُتَّصِفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ لا كُلَّ مُجاهِدٍ وبِذَلِكَ يُشْعِرُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: الشَّهِيدُ مَن كانَ فِيهِ الخِصالُ التِّسْعُ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ

وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُنافِي ذَلِكَ ما صَحَّ مِن حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِن أنَّ «مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهو صابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدَبِّرٍ كُفِّرَتْ خَطاياهُ إلّا الدَّيْنَ» فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ المُجاهِدَ قَدْ لا يَكُونُ مُتَّصِفًا بِجَمِيعِ ما في الآيَةِ مِنَ الصِّفاتِ وإلّا لا يَبْقى لِتَكْفِيرِ الخَطايا وجْهٌ، وكَأنَّهُ مِن هُنا اخْتارَ الزَّجّاجُ كَوْنَهُ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ كَما سَمِعْتَ إذْ في الآيَةِ عَلَيْهِ تَبْشِيرُ مُطْلَقِ المُجاهِدِينَ بِما ذُكِرَ وهو المَفْهُومُ مِن ظَواهِرَ الأخْبارِ. نَعَمْ دَلَّ كَثِيرٌ مِنها عَلى أنَّ الفَضْلَ الوارِدَ في المُجاهِدِينَ مُخْتَصٌّ بِمَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى هي العُلْيا وأنَّ مَن قاتَلَ لِلدُّنْيا والسُّمْعَةِ اسْتَحَقَّ النّارَ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ فَلْيُفْهَمْ، والمُرادُ مِنَ التّائِبِينَ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ الَّذِينَ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ ولَمْ يُنافِقُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُمُ الَّذِينَ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ والذُّنُوبِ، وأيَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ التّائِبِينَ في تَقْدِيرِ الَّذِينَ تابُوا وهو مِن ألْفاظِ العُمُومِ يَتَناوَلُ كُلَّ تائِبٍ فَتَخْصِيصُهُ بِالتّائِبِ عَنْ بَعْضِ المَعاصِي تَحَكُّمٌ. وأُجِيبُ بِأنَّ ذِكْرَهم بَعْدَ ذِكْرِ المُنافِقِينَ ظاهِرٌ في حَمْلِ التَّوْبَةِ عَلى التَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ والنِّفاقِ وأيْضًا لَوْ حُمِلَتِ التَّوْبَةُ عَلى التَّوْبَةِ عَنِ المَعاصِي يَكُونُ ما ذُكِرَ بَعْدُ مِنَ الصِّفاتِ غَيْرَ تامِّ الفائِدَةِ مَعَ أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الظّاهِرُ اجْتِنابُهُ لِلْمَعاصِي، والمُرادُ
صفحة 31
مِنَ العابِدِينَ الَّذِينَ أتَوْا بِالعِبادَةِ عَلى وجْهِها، وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى في أحايِينِهِمْ كُلِّها أما واللَّهِ ما هو بِشَهْرٍ ولا شَهْرَيْنِ ولا سَنَةٍ ولا سَنَتَيْنِ ولَكِنْ كَما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وقالَ قَتادَةُ: هم قَوْمٌ أخَذُوا مِن أبْدانِهِمْ في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ، ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى كُلِّ حالٍ كَما رُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ فالحَمْدُ بِمَعْنى الوَصْفِ بِالجَمِيلِ مُطْلَقًا وقِيلَ: هو بِمَعْنى الشُّكْرِ فَيَكُونُ في مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ أيِ الحامِدُونَ لِنَعْمائِهِ تَعالى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَمْدَ في كُلِّ حالٍ أوْلى وفِيهِ تَأسٍّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أوَّلُ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ الحَمّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ» . وجاءَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا أتاهُ الأمْرُ يَسُرُّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصّالِحاتُ، وإذا أتاهُ الأمْرُ يَكْرَهُهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ» .

‏‏‏‏‏‏‏ أيِ الصّائِمُونَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأجابَ بِما ذُكِرَ. وإلَيْهِ ذَهَبَ جُلَّةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ

وجاءَ عَنْ عائِشَةَ: «سِياحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيامُ» وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ الصَّوْمَ يَعُوقُ عَنِ الشَّهَواتِ كَما أنَّ السِّياحَةَ تَمْنَعُ مِنها في الأكْثَرِ أوْ لِأنَّهُ رِياضَةٌ رُوحانِيَّةٌ يَنْكَشِفُ بِها كَثِيرٌ مِن أحْوالِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ فَشَبَّهَ الِاطِّلاعَ عَلَيْها بِالِاطِّلاعِ عَلى البُلْدانِ والأماكِنِ النّائِيَةِ إذْ لا يَزالُ المُرْتاضُ يَتَوَصَّلُ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ ويَدْخُلُ مِن مَدائِنِ المَعارِفِ إلى مَدِينَةٍ بَعْدَ أُخْرى عَلى مَطايا الفِكْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ السّائِحِينَ هُمُ المُهاجِرُونَ، ولَيْسَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةُ

وأخْرَجَ هو وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهم طَلَبَةُ العِلْمِ لِأنَّهم يَسِيحُونَ في الأرْضِ لِطَلَبِهِ وقِيلَ: هُمُ المُجاهِدُونَ لِما أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في السِّياحَةِ فَقالَ: إنَّ سِياحَةَ أُمَّتِي الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى» . والمُخْتارُ ما تَقَدَّمَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وإنَّما لَمْ تُحْمَلِ السِّياحَةُ عَلى المَعْنى المَشْهُورِ لِأنَّها نَوْعٌ مِنَ الرَّهْبانِيَّةِ، وقَدْ نَهى عَنْها وكانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في بَنِي إسْرائِيلَ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ في الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، فالرُّكُوعُ والسُّجُودُ عَلى مَعْناهُما الحَقِيقِيِّ، وجَعَلَهُما بَعْضُهم عِبارَةً عَنِ الصَّلاةِ لِأنَّهُما أعْظَمُ أرْكانِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: المُصَلُّونَ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيِ الإيمانِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ الشِّرْكِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في الأمْرَيْنِ، ولَوْ أبْقى لَفْظَ النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى عُمُومِهِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ بَلْ قِيلَ: إنَّهُ الأوْلى والعَطْفُ هُنا عَلى ما في المُغْنِي إنَّما كانَ مِن جِهَةِ أنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ مِن حَيْثُ هُما أمْرٌ ونَهْيٌ مُتَقابِلانِ بِخِلافِ بَقِيَّةِ الصِّفاتِ لِأنَّ الآمِرَ بِالمَعْرُوفِ ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ وهو تَرْكُ المَعْرُوفِ والنّاهِي عَنِ المُنْكَرِ آمِرٌ بِالمَعْرُوفِ فَأُشِيرَ إلى الِاعْتِدادِ بِكُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ وأنَّهُ لا يَكْفِي فِيهِ ما يَحْصُلُ في ضِمْنِ الآخَرِ، وحاصِلُهُ عَلى ما قِيلَ: إنَّ العَطْفَ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّقابُلِ أوْ لِدَفْعِ الإيهامِ

ووَجَّهَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ذَلِكَ بِأنَّ بَيْنَهُما تَلازُمًا في الذِّهْنِ والخارِجِ لِأنَّ الأوامِرَ تَتَضَمَّنُ النَّواهِيَ ومُنافاةً بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِأنَّ أحَدَهُما طَلَبُ فِعْلٍ والآخَرَ طَلَبُ تَرْكٍ فَكانا بَيْنَ كَمالِ الِاتِّصالِ والِانْقِطاعِ المُقْتَضِي لِلْعَطْفِ بِخِلافِ
صفحة 32
ما قَبْلَهُما وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما في حُكْمِ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: الجامِعُونَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ ويَرُدُّ عَلى ظاهِرِهِ أنَّ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ في حُكْمِ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ أيْضًا فَكانَ يَنْبَغِي فِيهِما العَطْفُ عَلى ما ذُكِرَ إذْ مَعْناهُ الجامِعُونَ بَيْنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ ويُدْفَعُ بِأدْنى التِفاتٍ، وأمّا العَطْفُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ فِيما بَيَّنَهُ وعَيَّنَهُ مِنَ الحَقائِقِ والشَّرائِعِ فَقِيلَ لِلْإيذانِ بِأنَّ العَدَدَ قَدْ تَمَّ بِالسّابِعِ مِن حَيْثُ إنَّ السَّبْعَةَ هو العَدَدُ التّامُّ والثّامِنُ ابْتِداءُ تَعْدادٍ آخَرَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ يُسَمّى واوَ الثَّمانِيَةِ وإلَيْهِ مالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ مِمَّنْ أثْبَتَ واوَ الثَّمانِيَةِ وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ لَمْ يَرْضَهُ النُّحاةُ كَما فَصَّلَهُ ابْنُ هِشامٍ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقَهُ وقِيلَ: إنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما قَبْلَهُ مُفَصَّلُ الفَضائِلِ وهَذا مُجْمَلُها يَعْنِي أنَّهُ مِن ذِكْرِ أمْرٍ عامٍّ شامِلٍ لِما قَبْلَهُ وغَيْرِهِ ومِثْلُهُ يُؤْتى بِهِ مَعْطُوفًا نَحْوُ زَيْدٌ وعَمْرٌو وسائِرُ قَبِيلَتِهِ كُرَماءُ فَلِمُغايَرَتِهِ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ والعُمُومِ والخُصُوصِ عُطِفَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلَيْهِ وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ لِأنَّ مَن لَمْ يُصَدِّقْ فِعْلُهُ قَوْلَهُ لا يُجْدِي أمْرُهُ نَفْعًا ولا يُفِيدُ نَهْيُهُ مَنعًا

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ المُرادَ بِحِفْظِ الحُدُودِ ظاهِرُهُ وهي إقامَةُ الحَدِّ كالقِصاصِ عَلى مَنِ اسْتَحَقَّهُ، والصِّفاتُ الأُوَلُ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (والآمِرُونَ) صِفاتٌ مَحْمُودَةٌ لِلشَّخْصِ في نَفْسِهِ، وهَذِهِ لَهُ بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ فَلِذا تَغايَرَ تَعْبِيرُ الصِّنْفَيْنِ فَتُرِكَ العاطِفُ في القِسْمِ الأوَّلِ وعُطِفَ في الثّانِي، ولَمّا كانَ لا بُدَّ مِنِ اجْتِماعِ الأوَّلِ في شَيْءٍ واحِدٍ تُرِكَ فِيها العَطْفُ لِشِدَّةِ الِاتِّصالِ بِخِلافِ هَذِهِ فَإنَّهُ يَجُوزُ اخْتِلافُ فاعِلِها ومَن تَعَلَّقَتْ بِهِ، وهَذا هو الدّاعِي لِإعْرابِ ‏‏‏‏‏‏‏ مُبْتَدَأً مَوْصُوفًا بِما بَعْدَهُ، (والآمِرُونَ) خَبَرُهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الكامِلُونَ في أنْفُسِهِمُ المُكَمِّلُونَ لِغَيْرِهِمْ وقُدِّمَ الأوَّلُ لِأنَّ المُكَمِّلَ لا يَكُونُ مُكَمِّلًا حَتّى يَكُونَ كامِلًا في نَفْسِهِ، وبِهَذا يَتَّسِقُ النَّظْمُ أحْسَنَ اتِّساقٍ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وهو وجْهٌ وجِيهٌ لِلْعَطْفِ في البَعْضِ وتُرِكَ العَطْفُ في الآخَرِ خَلا أنَّ المَأْثُورَ عَنِ السَّلَفِ كابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِ تَفْسِيرُ الحافِظِينَ لِحُدُودِ اللَّهِ بِالقائِمِينَ عَلى طاعَتِهِ سُبْحانَهُ وهو مُخالِفٌ لِما في هَذا التَّوْجِيهِ ولَعَلَّ الأمْرَ فِيهِ سَهْلٌ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ هَؤُلاءِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ ووَضْعُ المُؤْمِنِينَ مَوْضِعُ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مِلاكَ الأمْرِ هو الإيمانُ وأنَّ المُؤْمِنَ الكامِلَ مَن كانَ كَذَلِكَ وحَذْفُ المُبَشَّرِ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ أمْرٌ جَلِيلٌ لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

It is not for the Prophet and those who have believed to ask forgiveness for the polytheists, even if they were relatives, after it has become clear to them that they are companions of Hellfire.

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏ ‏‏ أيْ ما صَحَّ في حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحِكْمَتِهِ وما اسْتَقامَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِاللَّهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِهِ سُبْحانَهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيِ المُشْرِكُونَ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ ذَوِي قَرابَةٍ لَهم وجَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ أُخْرى قَبْلَها مَحْذُوفَةٍ حَذْفًا مُطَّرِدًا أيْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا أُولِي قُرْبى ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ ‏‏‏‏ أيِ المُشْرِكِينَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِأنْ ماتُوا عَلى الكُفْرِ أوْ نَزَلَ الوَحْيُ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ أصْلًا وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ الِاسْتِغْفارِ لِأحْيائِهِمُ الَّذِينَ لا قَطْعَ بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ مِنهُ في حَقِّهِمْ طَلَبُ تَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضاءِ فَلا يُقالُ: إنَّهُ لا فائِدَةَ في طَلَبِ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ، والآيَةُ عَلى الصَّحِيحِ نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ
صفحة 33
والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وآخَرُونَ عَنِ المُسَيَّبِ بْنِ حَزَنٍ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أيْ عَمِّ قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ فَقالَ: أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْرِضُها عَلَيْهِ وأبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ يُعاوِدانِهِ بِتِلْكَ المَقالَةِ فَقالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: هو عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبى أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَنَزَلَتْ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏» الآيَةَ

واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ بِأنَّ مَوْتَ أبِي طالِبٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِنَحْوِ ثَلاثِ سِنِينَ وهَذِهِ السُّورَةُ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهَذا الِاسْتِبْعادُ مُسْتَبْعَدٌ فَأيُّ بَأْسٍ أنْ يُقالَ: كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ فَإنَّ التَّشْدِيدَ مَعَ الكُفّارِ إنَّما ظَهَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ وذَكَرَ نَحْوًا مِن هَذا صاحِبُ التَّقْرِيبِ، وعَلَيْهِ لا يُرادُ بِقَوْلِهِ: فَنَزَلَتْ في الخَبَرِ أنَّ النُّزُولَ كانَ عَقِيبَ القَوْلِ بَلْ يُرادُ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ، فالفاءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ لا لِلتَّعْقِيبِ. واعْتَمَدَ عَلى هَذا التَّوْجِيهِ كَثِيرٌ مِن جُلَّةِ العُلَماءِ وهو تَوْجِيهٌ وجِيهٌ خَلا أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: أخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَوْتِ أبِي طالِبٍ فَبَكى فَقالَ: اذْهَبْ فَغَسِّلْهُ وكَفِّنْهُ ووارِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ورَحِمَهُ. فَفَعَلْتُ وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أيّامًا ولا يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏» إلَخْ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ النُّزُولَ قَبْلَ الهِجْرَةِ لِأنَّ عَدَمَ الخُرُوجِ مِنَ البَيْتِ فِيهِ مُغَيًّا بِهِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ بِضَعْفِ الحَدِيثِ لَكِنْ لَمْ نَرَ مَن تَعَرَّضَ لَهُ والأوْلى في الجَوابِ عَنْ أصْلِ الِاسْتِبْعادِ أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَ هَذِهِ السُّورَةِ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ بِاعْتِبارِ الغالِبِ كَما تَقَدَّمَ فَلا يُنافِي نُزُولَ شَيْءٍ مِنها في المَدِينَةِ والآيَةُ عَلى هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أبا طالِبٍ ماتَ كافِرًا وهو المَعْرُوفُ مِن مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ

ورَوى ابْنُ إسْحَقَ في سِيرَتِهِ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مِن خَبَرٍ طَوِيلٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأبِي طالِبٍ في مَرَضِ مَوْتِهِ وقَدْ طَمِعَ فِيهِ: أيْ عَمِّ فَأنْتَ فَقُلْها يَعْنِي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أسْتَحِلُّ بِها لَكَ الشَّفاعَةَ يَوْمَ القِيامَةِ وحَرَّضَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ فَقالَ: واللَّهِ يا ابْنَ أخِي لَوْلا مَخافَةُ السُّبَّةِ عَلَيْكَ وعَلى بَنِي أبِيكَ مِن بَعْدِي وأنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أنِّي قُلْتُها جَزَعًا مِنَ المَوْتِ لَقُلْتُها ولا أقُولُها إلّا لِأسُرَّكَ بِها فَلَمّا تَقارَبَ مِن أبِي طالِبٍ المَوْتُ نَظَرَ العَبّاسُ إلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَأصْغى إلَيْهِ بِأُذُنِهِ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي لَقَدْ قالَ أخِي الكَلِمَةَ الَّتِي أمَرْتَهُ أنْ يَقُولَها فَقالَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَمْ أسْمَعْ» . واحْتَجَّ بِهَذا ونَحْوِهِ مِن أبْياتِهِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْإقْرارِ بِحَقِّيَّةِ ما جاءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشِدَّةِ حُنُوِّهِ عَلَيْهِ ونُصْرَتِهِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الشِّيعَةُ الذّاهِبُونَ إلى مَوْتِهِ مُؤْمِنًا وقالُوا: إنَّهُ المَرْوِيُّ عَنْ أهْلِ البَيْتِ وأهْلُ البَيْتِ أدْرى وأنْتَ تَعْلَمُ قُوَّةَ دَلِيلِ الجَماعَةِ فالِاعْتِمادُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ العَبّاسِ دُونَهُ مِمّا تَضْحَكُ مِنهُ الثَّكْلى والأبْياتُ عَلى انْقِطاعِ أسانِيدِها لَيْسَ فِيها النُّطْقُ بِالشَّهادَتَيْنِ وهو مَدارُ فَلَكِ الإيمانِ، وشَدَّةُ الحُنُوِّ والنُّصْرَةُ مِمّا لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ إلّا أنَّها بِمَعْزِلٍ عَمّا نَحْنُ فِيهِ، وأخْبارُ الشِّيعَةِ عَنْ أهْلِ البَيْتِ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وإنَّهُ لَأوْهَنُ البُيُوتِ. نَعَمْ لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ الخَوْضُ فِيهِ كالخَوْضِ في سائِرِ كُفّارِ قُرَيْشٍ مِن أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ
صفحة 34
فَإنَّ لَهُ مَزِيَّةً عَلَيْهِمْ بِما كانَ يَصْنَعُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن مَحاسِنِ الأفْعالِ، وقَدْ رُوِيَ نَفْعُ ذَلِكَ لَهُ في الآخِرَةِ أفَلا يَنْفَعُهُ في الدُّنْيا في الكَفِّ عَنْهُ وعَدَمِ مُعامَلَتِهِ مُعامَلَةَ غَيْرِهِ مِنَ الكُفّارِ، فَعَنْأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «قالَ وقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ: لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفاعَتِي يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجْعَلُ في ضِحْضاحٍ مِن نارٍ» . وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ عَمَّكَ أبا طالِبٍ كانَ يَحُوطُكَ ويَنْصُرُكَ فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ فَقالَ: نَعَمْ وجَدْتُهُ في غَمَراتِ النّارِ فَأخْرَجْتُهُ إلى ضِحْضاحٍ مِن نارٍ» وسَبُّهُ عِنْدِي مَذْمُومٌ جِدًّا لا سِيَّما إذا كانَ فِيهِ إيذاءٌ لِبَعْضِ العَلَوِيِّينَ إذْ قَدْ ورَدَ: «لا تُؤْذُوا الأحْياءَ بِسَبِّ الأمْواتِ» و«مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ»

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا إلى المَقابِرِ فَجاءَ حَتّى جَلَسَ إلى قَبْرٍ مِنها فَناجاهُ طَوِيلًا ثُمَّ بَكى فَبَكَيْنا لِبُكائِهِ ثُمَّ قامَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ فَقامَ إلَيْهِ عُمَرُ فَدَعاهُ ثُمَّ دَعانا فَقالَ: ما أبْكاكُمْ؟ قُلْنا: بَكَيْنا لِبُكائِكَ قالَ: إنَّ القَبْرَ الَّذِي جَلَسْتُ عِنْدَهُ قَبْرُ آمِنَةَ وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَتِها فَأذِنَ لِي واسْتَأْذَنْتُهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وأنْزَلَ عَلَيَّ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ إلَخْ فَأخَذَنِي ما يَأْخُذُ الوَلَدَ لِلْوالِدَةِ مِنَ الرِّقَّةِ فَذاكَ الَّذِي أبْكانِي» ولا يَخْفى أنَّ الصَّحِيحَ في سَبَبِ النُّزُولِ هو الأوَّلُ. نَعَمْ خَبَرُ الِاسْتِئْذانِ في الِاسْتِغْفارِ لِأُمِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَدَمُ الإذْنِ جاءَ في رِوايَةٍ صَحِيحَةٍ لَكِنْ لَيْسَ فِيها أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكى وأبْكى مَن حَوْلَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي واسْتَأْذَنْتُ أنْ أزُورَ قَبْرَها فَأذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّرُكم بِالمَوْتِ». واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِهَذا الخَبَرِ ونَحْوِهِ عَلى أنَّ أُمَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمَّنْ لا يُسْتَغْفَرُ لَهُ وفي ذَلِكَ نِزاعٌ شَهِيرٌ بَيْنَ العُلَماءِ ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى

You read 9:111–113 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

At-Tawbah 9:111