All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

At-Takāthur 102:7 Juzʾ 30 Page 600

‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Then you will surely see it with the eye of certainty.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما سَبَقَهُ مِنَ الزَّجْرِ والرَّدْعِ المُكَرَّرِ ومِنَ الوَعِيدِ المُؤَكَّدِ عَلى إجْمالِهِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَمّا يُتَرَقَّبُ مِن هَذا الزَّجْرِ والوَعِيدِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ جَوابًا عَمّا يَجِيشُ في نَفْسِ السّامِعِ.

ولَيْسَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ جَوابَ (لَوْ) عَلى مَعْنى: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَكُنْتُمْ كَمَن تَرَوْنَ الجَحِيمَ، أيْ: لَتَرْوُنَّها بِقُلُوبِكم؛ لِأنَّ نَظْمَ الكَلامِ صِيغَةُ قَسَمٍ بِدَلِيلِ قَرْنِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ اللّامُ لامَ جَوابِ (لَوْ)؛ لِأنَّ جَوابَ (لَوْ) مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ فَلا تَقْتَرِنُ بِهِ نُونُ التَّوْكِيدِ.

والإخْبارُ عَنْ رُؤْيَتِهِمُ الجَحِيمَ كِنايَةٌ عَنِ الوُقُوعِ فِيها، فَإنَّ الوُقُوعَ في الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ رُؤْيَتَهُ فَيُكَنّى بِالرُّؤْيَةِ عَنِ الحُضُورِ، كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:

صفحة ٥٢٣

لا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
وأُكِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ قَصْدًا لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ بِمَعْناهُ الكِنائِيِّ. وقَدْ عُطِفَ هَذا التَّأْكِيدُ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي هي لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [التكاثر: ٤]، ولَيْسَ هُنالِكَ رُؤْيَتانِ تَقَعُ إحْداهُما بَعْدَ الأُخْرى بِمُهْلَةٍ.
وعَيْنَ اليَقِينِ: اليَقِينُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ تَرَدُّدٌ. فَلَفْظُ عَيِنٍ مَجازٌ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ الخالِصَةِ غَيْرِ النّاقِصَةِ ولا المُشابِهَةِ.

وإضافَةُ (عَيْنَ) إلى اليَقِينِ بَيانِيَّةٌ كَإضافَةِ (حَقُّ) إلى اليَقِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الواقعة: ٩٥] .

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِضَمِّ المُثَنّاةِ مِن (أراهُ) .

وأمّا (لَتَرَوُنَّها) فَلَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في قِراءَتِهِ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ.

وأشارَ في الكَشّافِ إلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ المُفْتَتَحَةَ بِقَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [التكاثر: ٣] والمُنْتَهِيَةَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏، اشْتَمَلَتْ عَلى وُجُوهٍ مِن تَقْوِيَةِ الإنْذارِ والزَّجْرِ، فافْتُتِحَتْ بِحَرْفِ الرَّدْعِ والتَّنْبِيهِ، وجِيءَ بَعْدَهُ بِحَرْفِ (ثُمَّ) الدّالِّ عَلى أنَّ الإنْذارَ الثّانِيَ أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ. وكُرِّرَ حَرْفُ الرَّدْعِ والتَّنْبِيهِ وحُذِفَ جَوابُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [التكاثر: ٥] لِما في حَذْفِهِ مِن مُبالَغَةِ التَّهْوِيلِ، وأُتِيَ بِلامِ القَسَمِ لِتَوْكِيدِ الوَعِيدِ. وأُكِّدَ هَذا القَسَمُ بِقَسَمٍ آخَرَ، فَهَذِهِ سِتَّةُ وُجُوهٍ.

وأقُولُ زِيادَةً عَلى ذَلِكَ: إنَّ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ تَأْكِيدَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ بِأنَّها يَقِينٌ وأنَّ اليَقِينَ حَقِيقَةٌ. والقَوْلُ في إضافَةِ ‏‏ ‏‏‏‏ كالقَوْلِ في إضافَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [التكاثر: ٥] المَذْكُورِ آنِفًا.

The same ayah, in another commentary

At-Takāthur 102:7