﴿ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿ ﴾ [الرعد: ١٧]، أيْ فائِدَةُ هَذِهِ الأمْثالِ أنَّ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ حِينَ يَضْرِبُها لَهُمُ الحُسْنى إلى آخِرِهِ.
فَمُناسَبَتُهُ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلَيْنِ أنَّهُما عائِدانِ إلى أحْوالِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ. فَفي ذِكْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ زِيادَةُ تَنْبِيهٍ لِلتَّمْثِيلِ ولِلْغَرَضِ مِنهُ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ بِما عَقَلُوا الأمْثالَ فَجُوزُوا بِالحُسْنى، وأمّا المُشْرِكُونَ فَأعْرَضُوا ولَمْ يَعْقِلُوا الأمْثالَ، قالَ تَعالى ﴿ ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، فَكانَ جَزاؤُهم عَذابًا عَظِيمًا وهو سُوءُ الحِسابِ الَّذِي عاقِبَتُهُ المَصِيرُ إلى جَهَنَّمَ. فَمَعْنى ﴿ ﴾ اسْتَجابُوا لِدَعْوَتِهِ بِما تَضَمَّنَهُ المَثَلُ السّابِقُ وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ الحُسْنى مُبْتَدَأٌ و﴿ ﴾ خَبَرُهُ. وفي العُدُولِ إلى المَوْصُولَيْنِ وصِلَتَيْهِما في قَوْلِهِ ﴿ ﴾ - ﴿ ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ الصِّلَتَيْنِ سَبَبانِ لِما حَصَلَ لِلْفَرِيقَيْنِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ ﴿ ﴾ لِأنَّهُ الأهَمُّ؛ لِأنَّ الغَرَضَ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ الَّذِينَ اسْتَجابُوا مَعَ جَعْلِ الحُسْنى في مَرْتَبَةِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وفي ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِها أيْضًا.
صفحة ١٢٣
وأمّا الخَبَرُ عَنْ وعِيدِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا فَقَدْ أُجْرِيَ عَلى أصْلِ نَظْمِ الكَلامِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿ ﴾ [المائدة: ٣٦] في سُورَةِ العُقُودِ.
وأُتِيَ بِاسْمِ الإشارَةِ في ﴿ ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ بِسَبَبِ ما قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الصِّلَةِ.
وسُوءُ الحِسابِ ما يَحُفُّ بِالحِسابِ مِن إغْلاظٍ وإهانَةٍ لِلْمُحاسَبِ، وأمّا أصْلُ الحِسابِ فَهو حَسَنٌ لِأنَّهُ عَدْلٌ.