All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Ibrāhīm 14:35 Juzʾ 13 Page 260

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And [mention, O Muhammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [إبراهيم: ٢٨] فَإنَّهم كَما بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا أهْمَلُوا الشُّكْرَ عَلى ما بَوَّأهُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ بِإجابَةِ دَعْوَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبَدَّلُوا اقْتِداءَهم بِسَلَفِهِمُ الصّالِحِ اقْتِداءً بِأسْلافِهِمْ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ، وبَدَّلُوا دُعاءَ سَلَفِهِمُ الصّالِحِ لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ كُفْرًا بِمَفِيضِ تِلْكَ النِّعَمِ.

صفحة ٢٣٨
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [إبراهيم: ٣٢] بِأنِ انْتَقَلَ مِن ذِكْرِ النِّعَمِ العامَّةِ لِلنّاسِ الَّتِي يَدْخُلُ تَحْتَ مِنَّتِها أهْلُ مَكَّةَ بِحُكْمِ العُمُومِ إلى ذِكْرِ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها أهْلَ مَكَّةَ، وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ في الِامْتِنانِ بِها إلى أُسْلُوبِ الحِكايَةِ عَنْ إبْراهِيمَ لِإدْماجِ التَّنْوِيهِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والتَّعْرِيضِ بِذُرِّيَّتِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ.
(وإذْ) اسْمُ زَمانٍ ماضٍ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ شائِعِ الحَذْفِ في أمْثالِهِ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، زِيادَةً في التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ المُشْرِكِينَ الَّذِي مَرَّ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [إبراهيم: ٢٨]، فَمَوْقِعُ العِبْرَةِ مِنَ الحالَيْنِ واحِدٌ.

و(رَبِّ): مُنادى مَحْذُوفٌ مِنهُ حَرْفُ النِّداءِ، وأصْلُهُ رَبِّي، حُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا، وهو كَثِيرٌ في المُنادى المُضافِ إلى الياءِ.

والبَلَدُ: المَكانُ المُعَيَّنُ مِنَ الأرْضِ، ويُطْلَقُ عَلى القَرْيَةِ، والتَّعْرِيفُ في البَلَدِ تَعْرِيفُ العَهْدِ؛ لِأنَّهُ مَعْهُودٌ بِالحُضُورِ، والبَلَدُ: بَدَلٌ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ.

وحِكايَةُ دُعائِهِ بِدُونِ بَيانِ البَلَدِ إبْهامٌ يَرِدُ بَعْدَهُ البَيانُ بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [إبراهيم: ٣٧]، أوْ هو حَوالَةُ عَلى ما في عِلْمِ العَرَبِ مِن أنَّهُ مَكَّةُ، وقَدْ مَضى في سُورَةِ البَقَرَةِ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ، والتَّعْرِيفُ هُنا لِلْعَهْدِ، والتَّنْكِيرُ في آيَةِ البَقَرَةِ تَنْكِيرُ النَّوْعِيَّةِ، فَهُنا دَعا لِلْبَلَدِ بِأنْ يَكُونَ آمِنًا، وفي آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ دَعا لِمُشارٍ إلَيْهِ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مِن نَوْعِ البِلادِ الآمِنَةِ، فَمَآلُ المُفادَيْنِ مُتَّحِدٌ.

واجْنُبْنِي: أمْرٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ، يُقالُ: جَنَّبَهُ الشَّيْءَ، إذا جَعَلَهُ جانِبًا عَنْهُ، أيْ: باعَدَهُ عَنْهُ، وهي لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ، وأهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: جَنَّبَهُ بِالتَّضْعِيفِ أوْ أجْنَبَهُ بِالهَمْزِ، وجاءَ القُرْآنُ هُنا بِلُغَةِ أهْلِ نَجْدٍ؛ لِأنَّها أخَفُّ.

وأرادَ بِبَنِيهِ: أبْناءَ صُلْبِهِ، وهم يَوْمَئِذٍ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ، فَهو مِنَ اسْتِعْمالِ الجَمْعِ في التَّثْنِيَةِ، أوْ أرادَ جَمِيعَ نَسْلِهِ تَعْمِيمًا في الخَيْرِ فاسْتُجِيبَ لَهُ في البَعْضِ.

صفحة ٢٣٩
والأصْنامُ: جَمْعُ صَنَمٍ، وهو صُورَةٌ أوْ حِجارَةٌ أوْ بِناءٌ يُتَّخَذُ مَعْبُودًا ويُدْعى إلَهًا، وأرادَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِثْلَ ودٍّ وسُواعٍ ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرٍ، أصْنامِ قَوْمِ نُوحٍ، ومِثْلَ الأصْنامِ الَّتِي عَبَدَها قَوْمُ إبْراهِيمَ.
وإعادَةُ النِّداءِ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ لِإنْشاءِ التَّحَسُّرِ عَلى ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ تَعْلِيلٌ لِلدَّعْوَةِ بِإجْنابِهِ عِبادَتَها بِأنَّها ضَلالٌ راجَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، فَحَقٌّ لِلْمُؤْمِنَ الضَّنِينِ بِإيمانِهِ أنْ يَخْشى أنْ تَجْتَرِفَهُ فِتْنَتُها، فافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِما يُفِيدُهُ حَرْفُ (إنَّ) في هَذا المَقامِ مِن مَعْنى التَّعْلِيلِ.

وذَلِكَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَرَجَ مِن بَلَدِهِ أُورَ الكَلْدانِيِّينَ إنْكارًا عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ، فَقالَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الصافات: ٩٩] وقالَ لِقَوْمِهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [مريم: ٤٨]، فَلَمّا مَرَّ بِمِصْرَ وجَدَهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ثُمَّ دَخَلَ فِلَسْطِينَ فَوَجَدَهم عَبْدَةَ أصْنامٍ، ثُمَّ جاءَ عَرَبَةَ تِهامَةَ فَأسْكَنَ بِها زَوْجَهُ فَوَجَدَها خالِيَةً ووَجَدَ حَوْلَها جُرْهُمَ قَوْمًا عَلى الفِطْرَةِ والسَّذاجَةِ فَأسْكَنَ بِها هاجَرَ وابْنَهُ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ أقامَ هُنالِكَ مَعْلَمَ التَّوْحِيدِ، وهو بَيْتُ اللَّهِ الكَعْبَةُ بَناهُ هو وابْنُهُ إسْماعِيلُ، وأرادَ أنْ يَكُونَ مَأْوى التَّوْحِيدِ، وأقامَ ابْنُهُ هُنالِكَ لِيَكُونَ داعِيَةً لِلتَّوْحِيدِ، فَلا جَرَمَ سَألَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَلَدًا آمِنًا حَتّى يَسْلَمَ ساكِنُوهُ وحَتّى يَأْوِيَ إلَيْهِمْ مَن إذا آوى إلَيْهِمْ لَقَّنُوهُ أُصُولَ التَّوْحِيدِ.

فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏، أيْ: فَمَن تَبِعَنِي مِنَ النّاسِ فَتَجَنَّبَ عِبادَةَ الأصْنامِ فَهو مِنِّي، فَدَخَلَ في ذَلِكَ أبُوهُ وقَوْمُهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ ذُرِّيَّتُهُ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ يَصْلُحُ لِلْماضِي والمُسْتَقْبَلِ.

و(مِن) في قَوْلِهِ مِنِّي اتِّصالِيَّةٌ، وأصْلُها التَّبْعِيضُ المَجازِيُّ، أيْ: فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ بِي اتِّصالَ البَعْضِ بِكُلِّهِ.

صفحة ٢٤٠
وقَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ تَأدُّبٌ في مَقامِ الدُّعاءِ ونَفْعٌ لِلْعُصاةِ مِنَ النّاسِ بِقَدْرِ ما يَسْتَطِيعُهُ، والمَعْنى: ومَن عَصانِي أُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى رَحْمَتِكَ وغُفْرانِكَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ الدُّعاءُ بِالمَغْفِرَةِ لِمَن عَصى، وهَذا مِن غَلَبَةِ الحِلْمِ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وخَشْيَةٍ مِنَ اسْتِئْصالِ عُصاةِ ذُرِّيَّتِهِ، ولِذَلِكَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ قَلِيلًا في الحَياةِ الدُّنْيا، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٢٦] وقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٢٦] ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٢٧] ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٢٨] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الزخرف: ٢٩]، وسَوْقُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ هُنا لِلتَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِأنَّهم لَمْ يَبَرُّوا بِأبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وإذْ كانَ قَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ تَفْوِيضًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِمَن يُشْرِكُ بِهِ.

The same ayah, in another commentary

Ibrāhīm 14:35