All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

An-Naḥl 16:13 Juzʾ 14 Page 268

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And [He has subjected] whatever He multiplied for you on the earth of varying colors. Indeed in that is a sign for a people who remember.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ، أيْ وسَخَّرَ لَكم ما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ، وهو دَلِيلٌ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ والحِكْمَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏، وأوْمَأ إلى ما فِيهِ مِن مِنَّةٍ بِقَوْلِهِ (لَكم) .

والذَّرْءُ: الخَلْقُ بِالتَّناسُلِ والتَّوَلُّدُ بِالحَمْلِ والتَّفْرِيخِ، فَلَيْسَ الإنْباتُ ذَرْءًا، وهو شامِلٌ لِلْأنْعامِ والكُراعِ، وقَدْ مَضَتِ المِنَّةُ بِهِ ولِغَيْرِها مِثْلِ كِلابِ الصَّيْدِ والحِراسَةِ، وجَوارِحِ الصَّيْدِ، والطُّيُورِ، والوُحُوشِ المَأْكُولَةِ، ومِنَ الشَّجَرِ والنَّباتِ.

وزِيدَ هُنا وصْفُ اخْتِلافِ ألْوانِهِ، وهو زِيادَةٌ لِلتَّعْجِيبِ، ولا دَخْلَ لَهُ في الِامْتِنانِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ٤] في سُورَةِ الرَّعْدِ، وقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [فاطر: ٢٧] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فاطر: ٢٨] في سُورَةِ فاطِرٍ، وبِذَلِكَ صارَ هَذا آيَةً مُسْتَقِلَّةً؛ فَلِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِجُمْلَةِ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏، ولِكَوْنِ مَحَلِّ الِاسْتِدْلالِ هو اخْتِلافُ الألْوانِ مَعَ اتِّحادِ أصْلِ الذَّرْءِ أُفْرِدَتِ الآيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ .

صفحة ١١٨
والألْوانُ: جَمْعُ لَوْنٍ، وهو كَيْفِيَّةٌ لِسُطُوحِ الأجْسامِ مُدْرَكَةٌ بِالبَصَرِ تَنْشَأُ مِنَ امْتِزاجِ بَعْضِ العَناصِرِ بِالسَّطْحِ بِأصْلِ الخِلْقَةِ أوْ بِصَبْغِها بِعُنْصُرٍ ذِي لَوْنٍ مَعْرُوفٍ، وتَنْشَأُ مِنَ اخْتِلاطِ عُنْصُرَيْنِ فَأكْثَرَ ألْوانٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ونِيطَ الِاسْتِدْلالُ بِاخْتِلافِ الألْوانِ بِوَصْفِ التَّذَكُّرِ؛ لِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ تَذَكُّرِ الألْوانِ المُخْتَلِفَةِ إذْ هي مَشْهُورَةٌ.

وإقْحامُ لَفْظِ (قَوْمٍ) وكَوْنُ الجُمْلَةِ تَذْيِيلًا تَقَدَّمَ آنِفًا.

وأبْدى الفَخْرُ في (دُرَّةِ التَّنْزِيلِ) وجْهًا لِاخْتِلافِ الأوْصافِ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [النحل: ١١]، وقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النحل: ١٢]، وقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏: بِأنَّ ذَلِكَ لِمُراعاةِ اخْتِلافِ شِدَّةِ الحاجَةِ إلى قُوَّةِ التَّأمُّلِ بِدَلالَةِ المَخْلُوقاتِ النّاجِمَةِ عَنِ الأرْضِ يَحْتاجُ إلى التَّفْكِيرِ، وهو إعْمالُ النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى العِلْمِ، ودَلالَةُ ما ذَرَأهُ في الأرْضِ مِنَ الحَيَوانِ مُحْتاجَةٌ إلى مَزِيدِ تَأمُّلٍ في التَّفْكِيرِ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها وتَناسُلِها وفَوائِدِها، فَكانَتْ بِحاجَةٍ إلى التَّذْكِيرِ، وهو التَّفَكُّرُ مَعَ تَذَكُّرِ أجْناسِها واخْتِلافِ خَصائِصِها، وأمّا دَلالَةُ تَسْخِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ؛ فَلِأنَّها أدَقُّ وأحْوَجُ إلى التَّعَمُّقِ، عَبَّرَ عَنِ المُسْتَدِلِّينَ عَلَيْها بِأنَّهم يَعْقِلُونَ، والتَّعَقُّلُ هو أعْلى أحْوالِ الِاسْتِدْلالِ اهـ.

The same ayah, in another commentary

An-Naḥl 16:13