All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

An-Naḥl 16:3 Juzʾ 14 Page 267

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

He created the heavens and earth in truth. High is He above what they associate with Him.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النحل: ١]؛ لِأنَّهم إذا سَمِعُوا ذَلِكَ تَرَقَّبُوا دَلِيلَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شُرَكاءُ؛ فابْتُدِئَ بِالدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِالخَلْقِ والتَّقْدِيرِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما يُخْلَقُ لا يُوصَفُ بِالإلَهِيَّةِ كَما أنْبَأ عَنْهُ التَّفَرُّعُ عَقِبَ هَذِهِ الأدِلَّةِ بِقَوْلِهِ الآتِي ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النحل: ١٧] .

وأعْقَبَ قَوْلَهُ (سُبْحانَهُ) بِقَوْلِهِ (‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النحل: ١])؛ تَحْقِيقًا لِنَتِيجَةِ الدَّلِيلِ، كَما يُذْكَرُ المَطْلُوبُ قَبْلَ ذِكْرِ القِياسِ في صِناعَةِ المَنطِقِ، ثُمَّ يُذْكَرُ ذَلِكَ المَطْلُوبُ عَقِبَ القِياسِ في صُورَةِ النَّتِيجَةِ تَحْقِيقًا لِلْوَحْدانِيَّةِ؛ لِأنَّ الضَّلالَ فِيها هو أصْلُ انْتِقاضِ عَقائِدِ أهْلِ الشِّرْكِ؛ ولِأنَّ إشْراكَهم هو الَّذِي حَداهم

صفحة ١٠١
إلى إنْكارِ نُبُوَّةِ مَن جاءَ يَنْهاهم عَنِ الشِّرْكِ؛ فَلا جَرَمَ كانَ الِاعْتِناءُ بِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ، وإبْطالِ الشِّرْكِ مُقَدَّمًا عَلى إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - المُبْدَأُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [النحل: ٢] .
وعُدِّدَتْ دَلائِلُ مِنَ الخَلْقِ كُلِّها مُتَضَمِّنَةً نِعَمًا جَمَّةً عَلى النّاسِ إدْماجًا لِلِامْتِنانِ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وتَعْرِيضًا بِأنَّ المُنْعَمَ عَلَيْهِمُ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ قَدْ كَفَرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، إذْ شَكَرُوا ما لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِمْ ونَسُوا مَنِ انْفَرَدَ بِالإنْعامِ، وذَلِكَ أعْظَمُ الكُفْرانِ، كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ عَطْفُ (‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [النحل: ١٨]) عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [النحل: ١٧] .

والِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن سائِرِ الأدِلَّةِ وأجْمَعُ؛ لِأنَّها مَحْوِيَّةٌ لَهُما، ولِأنَّهُما مِن أعْظَمِ المَوْجُوداتِ؛ فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِما، ولَكِنْ ما فِيهِ مِن إجْمالِ المَحْوِيّاتِ اقْتَضى أنْ يُعَقَّبَ بِالِاسْتِدْلالِ بِأصْنافِ الخَلْقِ والمَخْلُوقاتِ؛ فَثَنّى بِخَلْقِ الإنْسانِ وأطْوارِهِ، وهو أعْجَبُ المَوْجُوداتِ المُشاهَدَةِ، ثُمَّ بِخَلْقِ الحَيَوانِ وأحْوالِهِ؛ لِأنَّهُ جَمَعَ الأنْواعَ الَّتِي تَلِي الإنْسانَ في إتْقانِ الصُّنْعِ مَعَ ما في أنْواعِها مِنَ المِنَنِ، ثُمَّ بِخَلْقِ ما بِهِ حَياةُ الإنْسانِ والحَيَوانِ وهو الماءُ والنَّباتُ، ثُمَّ بِخَلْقِ أسْبابِ الأزْمِنَةِ والفُصُولِ والمَواقِيتِ، ثُمَّ بِخَلْقِ المَعادِنِ الأرْضِيَّةِ، وانْتَقَلَ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ البِحارِ، ثُمَّ بِخَلْقِ الجِبالِ والأنْهارِ والطُّرُقاتِ وعَلاماتِ الِاهْتِداءِ في السَّيْرِ، وسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.

والباءُ في قَوْلِهِ (بِالحَقِّ) لِلْمُلابَسَةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (خَلَقَ) إذِ الخَلْقُ هو المُلابِسُ لِلْحَقِّ.

والحَقُّ: هُنا ضِدُّ العَبَثِ، فَهو هُنا بِمَعْنى الحِكْمَةِ والجَدِّ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الدخان: ٣٩]، وقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [ص: ٢٧]، والحَقُّ والصِّدْقُ يُطْلَقانِ وصْفَيْنِ لِكَمالِ الشَّيْءِ في نَوْعِهِ.

وجُمْلَةُ (‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) مُعْتَرِضَةٌ.

صفحة ١٠٢
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (تَعالى عَمّا تُشْرِكُونَ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ.

The same ayah, in another commentary

An-Naḥl 16:3