All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Baqarah 2:153 Juzʾ 2 Page 23

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allah is with the patient.

Read in the muṣḥaf

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏

هَذِهِ جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] وما اتَّصَلَ بِهِ مِن تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ١٥٠] وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٧٧] لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ تَكْمِلَةً لِدَفْعِ المَطاعِنِ في شَأْنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ فَلَهُ أشَدُّ اتِّصالٍ بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ١٥٠] المُتَّصِلِ بِقَوْلِهِ ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] .

وهُوَ اعْتِراضٌ مُطْنِبٌ ابْتُدِئَ بِهِ إعْدادُ المُسْلِمِينَ لِما هم أهْلُهُ مِن نَصْرِ دِينِ اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى ما خَوَّلَهم مِنَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ في الآياتِ السّالِفَةِ مِن جَعْلِهِمْ أُمَّةً وسَطًا وشُهَداءَ عَلى

صفحة ٥٢
النّاسِ، وتَفْضِيلِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إلى اسْتِقْبالِ أفْضَلِ بُقْعَةٍ، وتَأْيِيدِهِمْ بِأنَّهم عَلى الحَقِّ في ذَلِكَ، وأمْرِهِمْ بِالِاسْتِخْفافِ بِالظّالِمِينَ وأنْ لا يَخْشَوْهم، وتَبْشِيرِهِمْ بِأنَّهُ أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وهَداهم، وامْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ أرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم، وهَداهم إلى الِامْتِثالِ لِلْأحْكامِ العَظِيمَةِ كالشُّكْرِ والذِّكْرِ، فَإنَّ الشُّكْرَ والذِّكْرَ بِهِما تَهْيِئَةُ النُّفُوسِ إلى عَظِيمِ الأعْمالِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ كُلِّهُ أمَرَهم هُنا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، ونَبَّهَهم إلى أنَّهُما عَوْنٌ لِلنَّفْسِ عَلى عَظِيمِ الأعْمالِ، فَناسَبَ تَعْقِيبَها بِها، وأيْضًا فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ١٥٠] مُشْعِرٌ بِأنَّ أُناسًا مُتَصَدُّونَ لِشَغْبِهِمْ وتَشْكِيكِهِمْ والكَيْدِ لَهم، فَأُمِرُوا بِالِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ.
وكُلُّها مُتَماسِكَةٌ مُتَناسِبَةُ الِانْتِقالِ عَدا آيَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ١٥٨] إلى قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ١٥٨] فَسَيَأْتِي تَبْيِينُنا لِمَوْقِعِها.

وافْتُتِحَ الكَلامُ بِالنِّداءِ لِأنَّ فِيهِ إشْعارًا بِخَبَرٍ مُهِمٍّ عَظِيمٍ، فَإنَّ شَأْنَ الأخْبارِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَهُولُ المُخاطَبَ أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَها ما يُهَيِّئُ النَّفْسَ لِقَبُولِها لِتَسْتَأْنِسَ بِها قَبْلَ أنْ تَفْجَأها.

وفِي افْتِتاحِ هَذا الخِطابِ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ إيذانٌ بِأنَّهُ سَيُعْقَبُ بِالنَّدْبِ إلى عَمَلٍ عَظِيمٍ وبَلْوًى شَدِيدَةٍ، وذَلِكَ تَهْيِئَةٌ لِلْجِهادِ، ولَعَلَّهُ إعْدادٌ لِغَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرى، فَإنَّ ابْتِداءَ المَغازِي كانَ قُبَيْلَ زَمَنِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ إذْ كانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ في رَجَبٍ أوْ شَعْبانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ وكانَتْ غَزْوَةُ بُواطَ والعُشَيْرَةِ وبَدْرٍ الأُولى في رَبِيعٍ وجُمادى مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِما قِتالٌ، وكانَتْ بَدْرٌ الكُبْرى في رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ فَكانَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٤٣] أنَّ ما وقَعَ في حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ مِن قَوْلِ الرّاوِي أنَّ ناسًا قُتِلُوا قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، أنَّهُ تَوَهُّمٌ مِن أحَدِ الرُّواةِ عَنِ البَراءِ، فَإنَّ أوَّلَ قَتْلٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَعَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ وهي بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ بِنَحْوِ شَهْرَيْنِ، والأصَحُّ ما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «لَمّا وُجِّهَ النَّبِيءُ إلى الكَعْبَةِ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ» الحَدِيثَ فَلَمْ يَقُلِ: الَّذِينَ قُتِلُوا.

فالوَجْهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها تَهْيِئَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِلصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ، وتَحْبِيبٌ لِلشَّهادَةِ إلَيْهِمْ.

صفحة ٥٣
ولِذَلِكَ وقَعَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ المُشْعِرُ بِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ وهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا في وقْعَةِ بَدْرٍ بُعَيْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٤٥] الآيَةَ إلّا أنّا نَقُولُ هُنا إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ عِلْمًا مِنهُ بِضَعْفِ عَزائِمِهِمْ عَنْ عَظائِمِ الأعْمالِ وقالَ هُنالِكَ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٤٥] ولَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ هَذا هُنا، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ يُسِرَّ لَهم ما يَصْعُبُ عَلى غَيْرِهِمْ، وأنَّهُمُ الخاشِعُونَ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ هُنالِكَ، وزادَ هُنا فَقالَ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَبَشَّرَهم بِأنَّهم مِمَّنْ يَمْتَثِلُ هَذا الأمْرَ ويُعَدُّ لِذَلِكَ في زُمْرَةِ الصّابِرِينَ.

وقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ تَذْيِيلٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ أيِ اصْبِرُوا لِيَكُونَ اللَّهُ مَعَكم لِأنَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ.

وقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏

عَطَفَ النَّهْيَ عَلى الأمْرِ قَبْلَهُ لِمُناسَبَةِ التَّعَرُّضِ لِلْغَزْوِ مِمّا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمّا أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَرَفُوا أنَّ المَوْتَ في سَبِيلِ اللَّهِ أقْوى ما يَصْبِرُونَ عَلَيْهِ، ولَكِنْ نَبَّهَ مَعَ ذَلِكَ عَلى أنَّ الصَّبْرَ يَنْقَلِبُ شُكْرًا عِنْدَما يَرى الشَّهِيدُ كَرامَتَهُ بَعْدَ الشَّهادَةِ، وعِنْدَما يُوقِنُ ذَوُوهُ بِمَصِيرِهِ مِنَ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، فَقَوْلُهُ ولا تَقُولُوا نَهْيٌ عَنِ القَوْلِ النّاشِئِ عَنِ اعْتِقادٍ، ذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَقُولُ إلّا ما يَعْتَقِدُ فالمَعْنى: ولا تَعْتَقِدُوا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا تَكْمِيلٌ لِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٤٣] كَما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ البَراءِ فَإنَّهُ قالَ: قُتِلَ أُناسٌ قَبْلَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، فَأعْقَبَ قَوْلَهُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٤٣] بِأنَّ فَضِيلَةَ شَهادَتِهم غَيْرُ مَنقُوصَةٍ.

وارْتَفَعَ أمْواتٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ لا تَقُولُوا هم أمْواتٌ.

وبَلْ لِلْإضْرابِ الإبْطالِي إبْطالًا لِمَضْمُونِ المَنهِيِّ عَنْ قَوْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ هم أحْياءٌ، ولَيْسَ المَعْنى بَلْ قُولُوا هم أحْياءٌ لِأنَّ المُرادَ إخْبارُ المُخاطَبِينَ هَذا الخَبَرَ العَظِيمَ، فَقَوْلُهُ أحْياءٌ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ بَعْدَ ”بَلِ“ الإضْرابِيَّةِ.

وإنَّما قالَ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها حَياةٌ غَيْرُ جِسْمِيَّةٍ ولا مادِّيَّةٍ

صفحة ٥٤
بَلْ حَياةٌ رُوحِيَّةٌ، لَكِنَّها زائِدَةٌ عَلى مُطْلَقِ حَياةِ الأرْواحِ، فَإنَّ لِلْأرْواحِ كُلِّها حَياةً وهي عَدَمُ الِاضْمِحْلالِ وقَبُولُ التَّجَسُّدِ في الحَشْرِ مَعَ إحْساسٍ ما بِكَوْنِها آيِلَةً إلى نَعِيمٍ أوْ جَحِيمٍ، وأمّا حَياةُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَهي حَياةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى إدْراكاتِ التَّنَعُّمِ بِلَذّاتِ الجَنَّةِ والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ والِانْكِشافاتِ الكامِلَةِ، ولِذَلِكَ ورَدَ في الحَدِيثِ «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تُجْعَلُ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرْعى مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ وتَشْرَبُ مِن مائِها» .
والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ اتِّصالَ اللَّذّاتِ بِالأرْواحِ مُتَوَقِّفٌ عَلى تَوَسُّطِ الحَواسِّ الجُسْمانِيَّةِ، فَلَمّا انْفَصَلَتِ الرُّوحُ عَنِ الجَسَدِ عُوِّضَتْ جَسَدًا مُناسِبًا لِلْجَنَّةِ لِيَكُونَ وسِيلَةً لِنَعِيمِها.

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:153