All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Ash-Shuʿarāʾ 26:10 Juzʾ 19 Page 367

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And [mention] when your Lord called Moses, [saying], "Go to the wrongdoing people -

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

شُرُوعٌ في عَدِّ آياتٍ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ بِذِكْرِ عَواقِبِ المُكَذِّبِينَ بِرُسُلِهِمْ

صفحة ١٠٣
لِيُحَذِّرَ المُخاطِبُونَ بِالدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ مِن أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ المُكَذِّبِينَ. وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَبْيِينٌ لِبَعْضِ ما نادى بِهِ الرُّسُلُ مِنَ البَراهِينِ.
وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ الأدِلَّةُ مِنَ المَثُلاتِ قُصِدَ ذِكْرُ كَثِيرٍ اشْتُهِرَ مِنها ولَمْ يُقْتَصَرْ عَلى حادِثَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ الأدِلَّةَ غَيْرَ العَقْلِيَّةِ يَتَطَّرَقُها احْتِمالُ عَدَمِ المُلازَمَةِ بِأنْ يَكُونَ ما أصابَ قَوْمًا مِن أُولَئِكَ عَلى وجْهِ الصُّدْفَةِ والِاتِّفاقِ، فَإذا تَبَيَّنَ تَكَرُّرُ أمْثالِها ضَعُفَ احْتِمالُ الِاتِّفاقِيَّةِ؛ لِأنَّ قِياسَ التَّمْثِيلِ لا يُفِيدُ القَطْعَ إلّا بِانْضِمامِ مُقَوِّماتٍ لَهُ مِن تَواتَرٍ وتَكَرُّرٍ.

وإنَّما ابْتُدِئَ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى ثُمَّ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلى خِلافِ تَرْتِيبِ حِكايَةِ القَصَصِ الغالِبِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِها عَلى تَرْتِيبِ سَبْقِها في الزَّمانِ، لَعَلَّهُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في إلْحاحِهِمْ عَلى إظْهارِ آياتٍ مِن خَوارِقِ العاداتِ في الكائِناتِ زاعِمِينَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا إذا جاءَتْهم آيَةٌ؛ فَضُرِبَ لَهُمُ المَثَلُ بِمُكابَرَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في آياتِ مُوسى إذْ قالُوا: (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [يونس: ٢]) وعُطِفَ (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏) عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةِ (أوْ لَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ) بِتَمامِها.

ويَكُونُ (إذْ) اسْمَ زَمانٍ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ نادى رَبُّكَ مُوسى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ في القِصَّةِ الَّتِي بَعْدَها: (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشعراء: ٦٩]) . وفي هَذا المُقَدَّرِ تَذْكِيرٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ - الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما يُسَلِّيهِ عَمّا يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ.

ونِداءُ اللَّهِ مُوسى الوَحْيُ إلَيْهِ بِكَلامٍ سَمِعَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَلَكٍ.

وجُمْلَةُ (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) تَفْسِيرٌ لِجُمْلَةِ (نادى)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ. والمَقْصُودُ مِن سَوْقِ هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِعاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ وذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشعراء: ٦٣]) إلى قَوْلِهِ: (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشعراء: ٩]) . وأمّا ما تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏) إلَخْ فَهو تَفْصِيلٌ لِأسْبابِ المَوْعِظَةِ بِذِكْرِ دَعْوَةِ مُوسى إلى ما أُمِرَ بِإبْلاغِهِ وإعْراضِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وما عَقِبَ ذَلِكَ إلى الخاتِمَةِ.

واسْتِحْضارُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِوَصْفِهِمْ بِالقَوْمِ الظّالِمِينَ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الإرْسالِ. وفي هَذا الإجْمالِ تَوْجِيهُ نَفْسِ مُوسى لِتَرَقُّبِ تَعْيِينِ هَؤُلاءِ القَوْمِ بِما يُبَيِّنُهُ، وإثارَةٌ لِغَضَبِ

صفحة ١٠٤
مُوسى عَلَيْهِمْ حَتّى يَنْضَمَّ داعِي غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ إلى داعِي امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ الباعِثِهِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ أوْقَعُ لِكَلامِهِ في نُفُوسِهِمْ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُمُ اشْتُهِرُوا بِالظُّلْمِ.
ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ وصْفِهِمُ الذّاتِيِّ بِطَرِيقَةِ البَيانِ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ وهو قَوْلُهُ: (‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏)، وفي تَكْرِيرِ كَلِمَةِ (قَوْمِ) مَوْقِعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ فَلَمْ يَقُلْ: ائْتِ قَوْمَ فِرْعَوْنَ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ:

يا تَيْمُ تَيْمَ عَدَيٍّ لا أبا لَكم لا يُلْفِينَّكُمُ في سَوْءَةٍ عُمَرُ
والظُّلْمُ يَعُمُّ أنْواعَهُ، فَمِنها ظُلْمُهم أنْفُسَهم بِعِبادَةِ ما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، ومِنها ظُلْمُهُمُ النّاسَ حُقُوقَهم إذِ اسْتَعْبَدُوا بَنِي إسْرائِيلَ واضْطَهَدُوهم، وتَقَدَّمَ اسْتِعْمالُهُ في المَعْنَيَيْنِ مِرارًا في ضِدِّ العَدْلِ (‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ [البقرة: ١١٤]) في البَقَرَةِ، وبِمَعْنى الشِّرْكِ في قَوْلِهِ: (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ٨٢]) في الأنْعامِ.
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَدَلَ هُنا عَنْ ذِكْرِ ما ابْتُدِئَ بِهِ نِداءُ مُوسى مِمّا هو في سُورَةِ طه بِقَوْلِهِ: (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [طه: ١٢]) إلى قَوْلِهِ: (‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [طه: ٢٣])؛ لِأنَّ المَقامَ هُنا يَقْتَضِي الِاقْتِصارَ عَلى ما هو شَرْحُ دَعْوَةِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وإعْراضُهم لِلِاتِّعاظِ بِعاقِبَتِهِمْ. وأمّا مَقامُ ما في سُورَةِ طه فَلِبَيانِ كَرامَةِ مُوسى عِنْدَ رَبِّهِ ورِسالَتِهِ مَعًا، فَكانَ مَقامَ إطْنابٍ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنِ اخْتِلافِ الأُسْلُوبِ في حِكايَةِ القِصَّةِ الواحِدَةِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.

والإتْيانُ المَأْمُورُ بِهِ هو ذَهابُهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ. وهَذا إيجازٌ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ: (‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشعراء: ١٦]) إلى آخِرِهِ.

وجُمْلَةُ (‏‏ ‏‏‏‏‏) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهُ بِالإتْيانِ إلَيْهِمْ لِدَعْوَتِهِمْ، ووَصَفَهم بِالظّالِمِينَ كانَ الكَلامُ مُثِيرًا لِسُؤالٍ في نَفْسِ مُوسى عَنْ مَدى ظُلْمِهِمْ فَجِيءَ بِما يَدُلُّ عَلى تَوَغُّلِهِمْ في الظُّلْمِ ودَوامِهِمْ عَلَيْهِ تَقْوِيَةً لِلْباعِثِ لِمُوسى عَلى بُلُوغِ الغايَةِ في الدَّعْوَةِ؛ وتَهْيِئَةً لِتَلَقِّيهِ تَكْذِيبَهم بِدُونِ مُفاجَئَةٍ، فَيَكُونُ (ألا) مِن قَوْلِهِ (ألا يَتَّقُونَ) مُرَكَّبًا مِن حَرْفَيْنِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ و(لا) النّافِيَةِ. والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ انْتِفاءِ تَقْواهم، وتَعْجِيبِ مُوسى مِن ذَلِكَ، فَإنَّ مُوسى كانَ مُطَّلِعًا عَلى أحْوالِهِمْ إذْ كانَ قَدْ نَشَأ فِيهِمْ وقَدْ عَلِمَ مَظالِمَهم، وأعْظَمُها الإشْراكُ وقَتْلُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ. . . .

صفحة ١٠٥
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ألا) كَلِمَةً واحِدَةً هي أداةُ العَرْضِ والتَّحْضِيضِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ (‏‏ ‏‏‏‏‏) بَيانًا لِجُمْلَةِ (ائْتِ) والمَعْنى: قُلْ لَهم: ألا تَتَّقُونَ. فَحَكى مَقالَتَهُ بِمَعْناها لا بِلَفْظِها. وذَلِكَ واسْعٌ في حِكايَةِ القَوْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ١١٧]) فَإنَّ جُمْلَةَ (﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٧]) مُفَسِّرَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿أمَرْتَنِي﴾ [المائدة: ١١٧]) . وإنَّما أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّ مُوسى ورَبَّهم فَحَكى ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ بِالمَعْنى. وهَذا العَرْضُ نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ النّازِعاتِ: (‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [النازعات: ١٨]) .
والِاتِّقاءُ: الخَوْفُ والحَذَرُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ (﴿يَتَّقُونَ﴾) لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ: ألا يَتَّقُونَ عَواقِبَ ظُلْمِهِمْ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٥٦]) في سُورَةِ الأنْفالِ.

ويَعْلَمُ مُوسى مِن إجْراءِ وصْفِ الظُّلْمِ وعَدَمِ التَّقْوى عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ في مَعْرِضِ أمْرِهِ بِالذَّهابِ إلَيْهِمْ أنَّ مِن أوَّلِ ما يَبْدَأُ بِهِ دَعْوَتَهم أنْ يَدْعُوَهم إلى تَرْكِ الظُّلْمِ وإلى التَّقْوى.

وذِكْرُ مُوسى تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٥١]) في البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ فِرْعَوْنَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣]) في الأعْرافِ.

The same ayah, in another commentary

Ash-Shuʿarāʾ 26:10