All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Ar-Rūm 30:21 Juzʾ 21 Page 406

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And of His signs is that He created for you from yourselves mates that you may find tranquillity in them; and He placed between you affection and mercy. Indeed in that are signs for a people who give thought.

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ هَذِهِ آيَةٌ ثانِيَةٌ فِيها عِظَةٌ وتَذْكِيرٌ بِنِظامِ النّاسِ العامِّ وهو نِظامُ الِازْدِواجِ وكَيْنُونَةِ

صفحة ٧١
العائِلَةِ وأساسِ التَّناسُلِ، وهو نِظامٌ عَجِيبٌ جَعَلَهُ اللَّهُ مُرْتَكِزًا في الجِبِلَّةِ لا يَشِذُّ عَنْهُ إلّا الشُّذّاذُ.
وهِيَ آيَةٌ تَنْطَوِي عَلى عِدَّةِ آياتٍ مِنها: أنْ جُعِلَ لِلْإنْسانِ نامُوسُ التَّناسُلِ، وأنْ جُعِلَ تَناسُلُهُ بِالتَّزاوُجِ ولَمْ يَجْعَلْهُ كَتَناسُلِ النَّباتِ مِن نَفْسِهِ، وأنْ جَعَلَ أزْواجَ الإنْسانِ مِن صِنْفِهِ ولَمْ يَجْعَلْها مِن صِنْفٍ آخَرَ لِأنَّ التَّآنُسَ لا يَحْصُلُ بِصِنْفٍ مُخالِفٍ، وأنْ جَعَلَ في ذَلِكَ التَّزاوُجِ أُنْسًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ تَزاوُجًا عَنِيفًا أوْ مُهْلِكًا كَتَزاوُجِ الضَّفادِعِ، وأنْ جَعَلَ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ مَوَدَّةً ومُحَبَّةً فالزَّوْجانِ يَكُونانِ مِن قَبْلِ التِّزْواجِ مُتَجاهِلَيْنِ فَيُصْبِحانِ بَعْدَ التِّزْواجِ مُتَحابَّيْنِ، وأنْ جَعَلَ بَيْنَهُما رَحْمَةً فَهُما قَبْلَ التِّزاوُجِ لا عاطِفَةَ بَيْنَهُما فَيُصْبِحانِ بَعْدَهُ مُتَراحِمَيْنِ كَرَحْمَةِ الأُبُوَّةِ والأُمُومَةِ، ولِأجَلِّ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ هَذا الدَّلِيلُ ويَتْبَعَهُ مِنَ النِّعَمِ والدَّلائِلِ جُعِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ آياتٍ عِدَّةً في قَوْلِهِ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

وهَذِهِ الآيَةُ كائِنَةٌ في خَلْقِ جَوْهَرِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الإنْسانِ: صِنْفُ الذَّكَرِ، وصِنْفُ الأُنْثى، وإيداعُ نِظامِ الإقْبالِ بَيْنَهُما في جِبِلَّتِهِما. وذَلِكَ مِنَ الذّاتِيّاتِ النِّسْبِيَّةِ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ.

وقَدْ أُدْمِجَ في الِاعْتِبارِ بِهَذِهِ الآيَةِ امْتِنانٌ بِنِعْمَةٍ في هَذِهِ الآيَةِ أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ (لَكم) أيْ لِأجْلِ نَفْعِكم.

و(‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏) مُتَعَلِّقٌ بِـ (آياتٍ) لِما فِيهِ مِن مَعْنى الدَّلالَةِ. وجُعِلَتِ الآياتُ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لِأنَّ التَّفَكُّرَ والنَّظَرَ في تِلْكَ الدَّلائِلِ هو الَّذِي يُجَلِّي كُنْهَها ويَزِيدُ النّاظِرَ بَصارَةً بِمَنافِعَ أُخْرى في ضِمْنِها.

والَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ: المُؤْمِنُونَ وأهْلُ الرَّأْيِ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ لِجَمِيعِ نَوْعِ الإنْسانِ الذُّكُورِ والإناثِ. والزَّوْجُ: هو الَّذِي بِهِ يَصِيرُ لِلْواحِدِ ثانٍ فَيُطْلَقُ عَلى امْرَأةِ الرَّجُلِ ورَجُلِ المَرْأةِ فَجَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ فَرْدِ زَوْجَهُ.

صفحة ٧٢
ومَعْنى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَن نَوْعِكم، فَجَمِيعُ الأزْواجِ مِن نَوْعِ النّاسِ، وأمّا قَوْلُ تَأبَّطَ شَرًّا:

وتَزَوَّجْتُ في الشَّبِيبَةِ غُولًا بِغَزالٍ وصَدْقَتِي زِقُّ خَمْرِ
فَمِن تَكاذِيبِهِمْ، وكَذَلِكَ ما يَزْعُمُهُ المُشَعْوِذُونَ مِنَ التَّزَوُّجِ بِالجِنِّيّاتِ وما يَزْعُمُهُ أهْلُ الخُرافاتِ والرِّواياتِ مِن وُجُودِ بَناتٍ في البَحْرِ وأنَّها قَدْ يَتَزَوَّجُ بَعْضُ الإنْسِ بِبَعْضِها.
والسُّكُونُ: هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّأنُسِ وفَرِحِ النَّفْسِ لِأنَّ في ذَلِكَ زَوالَ اضْطِرابِ الوَحْشَةِ والكَمَدِ والسُّكُونِ الَّذِي هو زَوالُ اضْطِرابِ الجِسْمِ كَما قالُوا: اطْمَأنَّ إلى كَذا وانْقَطَعَ إلى كَذا.

وضَمِنَ لِتَسْكُنُوا مَعْنى لِتَمِيلُوا فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (إلى) وإنْ كانَ حَقُّهُ أنْ يُعَلَّقَ بِـ (عِنْدَ) ونَحْوِها مِنَ الظُّرُوفِ.

والمَوَدَّةُ: المَحَبَّةُ. والرَّحْمَةُ: صِفَةٌ تَبْعَثُ عَلى حُسْنِ المُعامَلَةِ.

وإنَّما جَعَلَ في ذَلِكَ آياتٍ كَثِيرَةً بِاعْتِبارِ اشْتِمالِ ذَلِكَ الخَلْقِ عَلى دَقائِقِ كَثِيرَةٍ مُتَوَلِّدٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ يُظْهِرُها التَّأمُّلُ والتَّدَبُّرُ بِحَيْثُ يَتَجَمَّعُ مِنها آياتٌ كَثِيرَةٌ.

واللّامُ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ شِبْهُ التَّمْلِيكِ وهو مَعْنى أثْبَتَهُ صاحِبُ مُغْنِي اللَّبِيبِ ويَظْهَرُ أنَّهُ واسِطَةٌ بَيْنَ مَعْنى التَّمْلِيكِ ومَعْنى التَّعْلِيلِ. ومَثَّلَهُ في المُغْنِي بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢] وذُكِرَ في المَعْنى العِشْرِينَ مِن مَعانِي اللّامِ أنَّ ابْنَ مالِكٍ في كافِيَّتِهِ سَمّاهُ لامَ التَّعْدِيَةِ ولَعَلَّهُ يُرِيدُ تَعْدِيَةً خاصَّةً، ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [مريم: ٥] .

The same ayah, in another commentary

Ar-Rūm 30:21