All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Aḥzāb 33:18 Juzʾ 21 Page 420

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Already Allah knows the hinderers among you and those [hypocrites] who say to their brothers, "Come to us," and do not go to battle, except for a few,

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ١٩]

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [الأحزاب: ١٧] لِأنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ سُؤالًا يَهْجِسُ في نُفُوسِهِمْ أنَّهم يُخْفُونَ مَقاصِدَهم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلا يَشْعُرُ بِمُرادِهِمْ مِنَ الِاسْتِئْذانِ، فَأُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ فاللَّهُ يُنْبِئُ رَسُولَهُ بِكم بِأنَّ فِعْلَ أُولَئِكَ تَعْوِيقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَدْ جُعِلَ هَذا الِاسْتِئْنافُ تَخَلُّصًا لِذِكْرِ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ المُعَوِّقِينَ.

و(قَدْ) مُفِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّهم لِنِفاقِهِمْ ومَرَضِ قُلُوبِهِمْ يَشُكُّونَ في لازِمِ هَذا الخَبَرِ وهو إنْباءُ اللَّهِ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِمْ، أوْ لِأنَّهم لِجَهْلِهِمُ النّاشِئِ عَنِ الكُفْرِ يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ خَفايا القُلُوبِ. وذَلِكَ لَيْسَ بِعَجِيبٍ في عَقائِدِ أهْلِ الكُفْرِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ قُرَشِيّانِ وثَقَفِيٌّ أوْ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيُّ كَثِيرَةُ شَحْمِ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةُ فِقْهِ قُلُوبِهِمْ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ ؟ قالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا. وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فَإنَّهُ يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ٢٢] .

صفحة ٢٩٤
فَلِلتَّوْكِيدِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ مَوْقِعٌ.
ودُخُولُ (قَدْ) عَلّى المُضارِعِ لا يُخْرِجُها عَنْ مَعْنى التَّحْقِيقِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، وأنَّ ما تَوَهَّمُوهُ مِنَ التَّقْلِيلِ إنَّما دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ في بَعْضِ المَواضِعِ لا مِن دَلالَةِ قَدْ، ومِثْلُهُ إفادَةُ التَّكْثِيرِ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٤٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النور: ٦٤] في آخِرِ سُورَةِ النُّورِ.

والمُعَوِّقُ: اسْمُ فاعِلٍ مَن عَوَّقَ الدّالِّ عَلى شِدَّةِ حُصُولِ العَوْقِ. يُقالُ: عاقَهُ عَنْ كَذا، إذا مَنَعَهُ وثَبَّطَهُ عَنْ شَيْءٍ، فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلشِّدَّةِ والتَّكْثِيرِ مِثْلَ: قَطَّعَ الحَبْلَ، إذا قَطَعَهُ قِطَعًا كَبِيرَةً، ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، أيْ أحْكَمَتْ غَلْقَها. ويَكُونُ لِلتَّكْثِيرِ في الفِعْلِ القاصِرِ مِثْلَ: مَوَّتَ المالُ، إذا كَثُرَ المَوْتُ في الإبِلِ، وطَوَّفَ فُلانٌ، إذا أكْثَرَ الطَّوافَ، والمَعْنى: يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَحْرِصُونَ عَلى تَثْبِيطِ النّاسِ عَنِ القِتالِ. والخِطابُ بِقَوْلِهِ مِنكم لِلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ١٦] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُونَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا هُمُ المُعَوِّقِينَ أنْفُسُهم فَيَكُونَ مِن عَطْفِ صِفاتِ المَوْصُوفِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ:

إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ
ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا طائِفَةً أُخْرى وإخْوانُهم هُمُ المُوافِقُونَ لَهم في النِّفاقِ، فالمُرادُ: الأُخُوَّةُ في الرَّأْيِ والدِّينِ. وذَلِكَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبَ بْنَ قُشَيْرٍ، ومَن مَعَهُما مِنَ الَّذِينَ انْخَزَلُوا عَنْ جَيْشِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فَرَجَعُوا إلى المَدِينَةِ كانُوا يُرْسِلُونَ إلى مَن بَقِيَ مِنَ المُنافِقِينَ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ لَهم ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ ارْجِعُوا إلَيْنا. قالَ قَتادَةُ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَقُولُونَ لَهم: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةُ رَأْسٍ (أيْ نَفَرٌ قَلِيلٌ يَأْكُلُونَ رَأْسَ بَعِيرٍ) ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ ومِن مَعَهُ (تَمْثِيلًا بِأنَّهم سَهْلٌ تَغَلُّبُ أبِي سُفْيانَ عَلَيْهِمْ) .
وهَلُمَّ اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى أقْبِلْ في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ وهي الفُصْحى، فَلِذَلِكَ تَلْزَمُ هَذِهِ الكَلِمَةُ حالَةً واحِدَةً عِنْدَهم لا تَتَغَيَّرُ عَنْها، يَقُولُونَ: هَلُمَّ، لِلْواحِدِ

صفحة ٢٩٥
والمُتَعَدِّدِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وهي فِعْلٌ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ فَلِذَلِكَ يُلْحِقُونَها العَلاماتِ يَقُولُونَ: هَلُمَّ وهَلُمِّي وهَلُمّا وهَلُمُّوا وهَلْمُمْنَ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمَعْنى: انْخَزِلُوا عَنْ جَيْشِ المُسْلِمِينَ وأقْبِلُوا إلَيْنا.

وجُمْلَةُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ القائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى المُعَوِّقِينَ والقائِلِينَ لِأنَّ الفِعْلَ يُعْطَفُ عَلى المُشْتَقِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالمُغِيراتِ صُبْحًا فَأثَرْنَ﴾ [العاديات: ٣] وقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ [الحديد: ١٨]، فالتَّقْدِيرُ هُنا: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوَّقِينَ والقائِلِينَ وغَيْرَ الآتِينَ البَأْسَ، أوْ والَّذِينَ لا يَأْتُونَ البَأْسَ. ولَيْسَ في تَعْدِيَةِ فِعْلِ العِلْمِ إلى لا يَأْتُونَ إشْكالٌ لِأنَّهُ عَلى تَأْوِيلٍ كَما أنَّ عَمَلَ النّاسِخِ في قَوْلِهِ وأقْرَضُوا عَلى تَأْوِيلِ، أيْ يَعْلَمُ اللَّهُ أنَّهم لا يَأْتُونَ البَأْسَ إلّا قَلِيلًا، أيْ يَعْلَمُ أنَّهم لا يَقْصِدُونَ بِجَمْعِ إخْوانِهِمْ مَعَهُمُ الِاعْتِضادَ بِهِمْ في الحَرْبِ ولَكِنْ عَزْلَهم عَنِ القِتالِ.

ومَعْنى إلّا قَلِيلًا إلّا زَمانًا قَلِيلًا، وهو زَمانُ حُضُورِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ المُرابِطِينَ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]، أيْ إيمانًا ظاهِرًا، ومِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أو بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] . وقَلِيلًا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إتْيانًا قَلِيلًا، وقِلَّتُهُ تَظْهَرُ في قِلَّةِ زَمانِهِ وفي قِلَّةِ غَنائِهِ.

والبَأْسُ: الحَرْبُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وإتْيانُ الحَرْبِ مُرادٌ بِهِ إتْيانُ أهْلِ الحَرْبِ أوْ مَوْضِعِها. والمُرادُ: البَأْسُ مَعَ المُسْلِمِينَ، أيْ مَكْرًا بِالمُسْلِمِينَ لا جُبْنًا.

و﴿أشِحَّةً﴾ [الأحزاب: ١٩] جَمْعُ شَحِيحٍ بِوَزْنِ أفْعِلَةٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ وهو فَصِيحٌ وقِياسُهُ أشِحّاءُ. وضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ عَلَيْكم لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِلْمُسْلِمِينَ، وهو انْتِقالٌ مِنَ القَوْلِ الَّذِي أُمِرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم إلى كَشْفِ أحْوالِهِمْ لِلرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ بِمُناسَبَةِ الِانْتِقالِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . وتَقَدَّمَ الشُّحُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] في سُورَةِ النِّساءِ.

صفحة ٢٩٦
و﴿أشِحَّةً﴾ [الأحزاب: ١٩] حالٌ مِن ضَمِيرِ يَأْتُونَ. والشُّحُّ: البُخْلُ بِما في الوُسْعِ مِمّا يَنْفَعُ الغَيْرَ. وأصْلُهُ: عَدَمُ بَذْلِ المالِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مَنعِ المَقْدُورِ مِنَ النَّصْرِ أوِ الإعانَةِ، وهو يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المَبْخُولِ بِهِ بِالباءِ وبِـ عَلى قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ١٩] ويَتَعَدّى إلى الشَّخْصِ المَمْنُوعِ بِـ عَلى أيْضًا لِما في الشُّحِّ مِن مَعْنى الِاعْتِداءِ فَتَعْدِيَتُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ١٩] مِنَ التَّعْدِيَةِ إلى المَمْنُوعِ.
والمَعْنى: يَمْنَعُونَكم ما في وُسْعِهِمْ مِنَ المالِ أوِ المَعُونَةِ، أيْ إذا حَضَرُوا البَأْسَ مَنَعُوا فائِدَتَهم عَنِ المُسْلِمِينَ ما اسْتَطاعُوا ومِن ذَلِكَ شُحُّهم بِأنْفُسِهِمْ وكُلِّ ما يُشَحُّ بِهِ.

ويَجُوزُ جَعْلُ عَلى هُنا مُتَعَدِّيَةً إلى المُضْنُونِ بِهِ، أيْ كَما في البَيْتِ الَّذِي أنْشَدَهُ الجاحِظُ:

لَقَدْ كُنْتَ في قَوْمٍ عَلَيْكَ أشِحَّةً ∗∗∗ بِنَفْسِكَ إلّا أنَّ ما طاحَ طائِحُ
وجَعَلَ المَعْنى: أشِحَّةً في الظّاهِرِ، أيْ يُظْهِرُونَ أنَّهم يَخافُونَ عَلَيْكُمُ الهَلاكَ فَيَصُدُّونَكم عَنِ القِتالِ ويُحَسِّنُونَ إلَيْكُمُ الرُّجُوعَ عَنِ القِتالِ، وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ.
وفُرِّعَ عَلى وصْفِهِمْ بِالشُّحِّ عَلى المُسْلِمِينَ قَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأحزاب: ١٩] إلى آخِرِهِ.

والمَجِيءُ: مَجازٌ مَشْهُورٌ مِن حُدُوثِ الشَّيْءِ وحُصُولِهِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧] .

والخَوْفُ: تَوَقُّعُ القِتالِ بَيْنَ الجَيْشَيْنِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ صَلاةُ الخَوْفِ.

والمَقْصُودُ: وصْفُهم بِالجُبْنِ، أيْ إذا رَأوْا جُيُوشَ العَدُوِّ مُقْبِلَةً رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ. والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى ما حَصَلَ في بَعْضِ أيّامِ الأحْزابِ مِنَ القِتالِ بَيْنَ الفُرْسانِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ اقْتَحَمُوا الخَنْدَقَ مِن أضْيَقِ جِهاتِهِ وبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ومَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ كَما تَقَدَّمَ.

والخِطابُ في (رَأيْتُمْ) لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو يَقْتَضِي أنَّ هَذا حِكايَةُ حالَةٍ وقَعَتْ لا فَرْضُ وُقُوعِها ولِهَذا أُتِيَ بِفِعْلِ رَأيْتُهم ولَمْ يَقُل: فَإذا جاءَ الخَوْفُ يَنْظُرُونَ

صفحة ٢٩٧
إلَيْكَ. ونَظَرُهم إلَيْهِ نَظَرَ المُتَفَرِّسِ فَيَماذا يَصْنَعُ ولِسانُ حالِهِمْ يَقُولُ: ألَسْنا قَدْ قُلْنا لَكم إنَّكم لا قِبَلَ لَكم بِقِتالِ الأحْزابِ فارْجِعُوا، وهم يَرَوْنَهُ أنَّهم كانُوا عَلى حَقٍّ حِينَ يُحَذِّرُونَهُ قِتالَ الأحْزابِ، ولِذَلِكَ خَصَّ نَظَرَهم بِأنَّهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يَقُلْ: يَنْظُرُونَ إلَيْكم.
وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى تَكَرُّرِ هَذا النَّظَرِ وتَجَدُّدِهِ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ١٩] حالٌ مِن ضَمِيرِ يَنْظَرُونَ لِتَصْوِيرِ هَيْئَةِ نَظَرِهِمْ نَظَرَ الخائِفِ المَذْعُورِ الَّذِي يُحْدِقُ بِعَيْنَيْهِ إلى جِهاتٍ يَحْذَرُ أنْ تَأْتِيَهُ المَصائِبُ مِن إحْداها.

والدَّوْرُ والدَّوْرانُ: حَرَكَةُ جِسْمٍ رَحَوِيَّةٌ (أيْ كَحَرَكَةِ الرَّحى) مُنْتَقِلٌ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ فَيَنْتَهِي إلى حَيْثُ ابْتَدَأ. وأحْسَبُ أنَّ هَذا الفِعْلَ وما تَصَّرَفَ مِنهُ مُشْتَقّاتٌ مِنِ اسْمِ الدّارِ، وهي المَكانُ المَحْدُودُ المُحِيطُ بِسُكّانِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ حَوْلَهم. ومِنهُ سُمِّيَتِ الدّارَةُ لِكُلِّ أرْضٍ تُحِيطُ بِها جِبالٌ. وقالُوا: دارَتِ الرَّحى حَوْلَ قُطْبِها. وسَمَّوُا الصَّنَمَ: دُوارًا بِضَمِّ الدّالِ وفَتْحِها لِأنَّهُ يَدُورُ بِهِ زائِرُوهُ كالطَّوافِ. وسُمِّيَتِ الكَعْبَةُ دُوارًا أيْضًا، وسَمَّوْا ما يُحِيطُ بِالقَمَرِ دارَةً. وسُمِّيَتْ مُصِيبَةُ الحَرْبِ دائِرَةً لِأنَّهم تَخَيَّلُوها مُحِيطَةً بِالَّذِي نَزَلَتْ بِهِ لا يَجِدُ مِنها مَفَرًّا، قالَ عَنْتَرَةُ:

ولَقَدْ خَشِيتُ بِأنْ أمُوتَ ولَمْ تَدُرْ ∗∗∗ في الحَرْبِ دائِرَةٌ عَلى ابْنَيْ ضَمْضَمِ
فَمَعْنى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ١٩] أنَّها تَضْطَرِبُ في أجْفانِها كَحَرَكَةِ الجِسْمِ الدّائِرَةِ مِن سُرْعَةٍ تَنْقُلُها مُحَمْلِقَةٍ إلى الجِهاتِ المُحِيطَةِ.
وشَبَّهَ نَظَرَهَمْ بِنَظَرِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ بِسَبَبِ النَّزْعِ عِنْدَ المَوْتِ فَإنَّ عَيْنَيْهِ تَضْطَرِبانِ.

وذَهابُ الخَوْفِ مَجازٌ مَشْهُورٌ في الِانْقِضاءِ، أيْ زَوالِ أسْبابِهِ بِأنْ يُتْرَكَ القِتالُ أوْ يَتَبَيَّنَ أنْ لا يَقَعَ قِتالٌ. وذَلِكَ عِنْدَ انْصِرافِ الأحْزابِ عَنْ مُحاصَرَةِ المَدِينَةِ كَما سَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٢٠] .

صفحة ٢٩٨
والسَّلْقُ: قُوَّةُ الصَّوْتِ والصِّياحِ. والمَعْنى: رَفَعُوا أصْواتَهم بِالمَلامَةِ عَلى التَّعَرُّضِ لِخَطَرِ العَدُوِّ الشَّدِيدِ وعَدَمِ الِانْصِياعِ إلى إشارَتِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ بِمُسالَمَةِ المُشْرِكِينَ، وفُسِّرَ السَّلْقُ بِأذى اللِّسانِ. قِيلَ: سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ عَنْ ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩] فَقالَ: الطَّعْنُ بِاللِّسانِ. فَقالَ نافِعٌ: هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ قَوْلَ الأعْشى:

فِيهِمِ الخِصْبُ والسَّماحَةُ والنَّجْ ∗∗∗ دَةُ فِيهِمْ والخاطِبُ المِسْلاقُ
وحِدادٌ: جَمْعُ حَدِيدٍ، وحَدِيدٌ: كُلُّ شَيْءٍ نافِذٌ فِعْلُ أمْثالِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] .
وانْتَصَبَ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ١٩] عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٩]، أيْ خاصَمُوكم ولامُوكم وهم في حالِ كَوْنِهِمْ أشِحَّةً عَلى ما فِيهِ الخَيْرُ لِلْمُسْلِمِينَ، أيْ أنَّ خِصامَهم إيّاهم لَيْسَ كَما يَبْدُو خَوْفًا عَلى المُسْلِمِينَ واسْتِبْقاءً عَلَيْهِمْ ولَكِنَّهُ عَنْ بُغْضٍ وحِقْدٍ؛ فَإنَّ بَعْضَ اللَّوْمِ والخِصامِ يَكُونُ الدّافِعُ إلَيْهِ حُبُّ المَلُومِ وإبْداءُ النَّصِيحَةِ لَهُ، وأقْوالُ الحُكَماءِ والشُّعَراءِ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَيْرُ هُنا هو المالُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [العاديات: ٨]، أيْ هم في حالَةِ السِّلْمِ يُسْرِعُونَ إلى مَلامِكم ولا يُواسُونَكم بِأمْوالِهِمْ لِلتَّجْهِيزِ لِلْعَدُوِّ إنْ عادَ إلَيْكم. ودَخَلَتْ عَلى هُنا عَلى المَبْخُولِ بِهِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Aḥzāb 33:18