All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Yā-Sīn 36:9 Juzʾ 22 Page 440

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And We have put before them a barrier and behind them a barrier and covered them, so they do not see.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ هَذا ارْتِقاءٌ في حِرْمانِهِمْ مِنَ الِاهْتِداءِ لَوْ أرادُوا تَأمُّلًا بِأنَّ فَظاظَةَ قُلُوبِهِمْ لا تَقْبَلُ الِاسْتِنْتاجَ مِنَ الأدِلَّةِ والحُجَجِ بِحَيْثُ لا يَتَحَوَّلُونَ عَمّا هم فِيهِ، فَمُثِّلَتْ حالُهم بِحالَةِ مَن جُعِلُوا بَيْنَ سَدَّيْنِ، أيْ جِدارَيْنِ: سَدًّا أمامَهم، وسَدًّا خَلْفَهم، فَلَوْ رامُوا

صفحة ٣٥١
تَحَوُّلًا عَنْ مَكانِهِمْ وسَعْيَهِمْ إلى مُرادِهِمْ لَما اسْتَطاعُوهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يس: ٦٧]، وقَوْلِ أبِي الشِّيصِ:

وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتَ فَلَيْسَ لِي مُتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ
وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِ.

ومِنَ الحَوادِثِ لا أبالَكَ أنَنِـي ∗∗∗ ضُرِبَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِالأسْدادِ

لا أهْتَدِي فِيها لِمَوْضِعِ تَلْـعَةِ ∗∗∗ بَيْنَ العَذِيبِ وبَيْنَ أرْضِ مُرادِ
وتَقَدَّمَ السَّدُّ في سُورَةِ الكَهْفِ.
وفِي مَفاتِيحِ الغَيْبِ: مانِعُ الإيمانِ: إمّا أنْ يَكُونَ في النَّفْسِ، وإمّا أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْها. ولَهُمُ المانِعانِ جَمِيعًا: أمّا في النَّفْسِ فالغُلُّ، وأمّا مِنَ الخارِجِ فالسَّدُّ فَلا يَقَعُ نَظَرُهم عَلى أنْفُسِهِمْ فَيَرَوُا الآياتِ الَّتِي في أنْفُسِهِمْ لِأنَّ المُقْمَحَ لا يَرى نَفْسَهُ، ولا يَقَعُ نَظَرُهم عَلى الآفاقِ لِأنَّ مَن بَيْنَ السَّدَّيْنِ لا يُبْصِرُونَ الآفاقَ فَلا تَتَبَيَّنُ لَهُمُ الآياتُ كَما قالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] .

وإعادَةُ فَعْلِ و”جَعَلْنا“ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في مَعْنى قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [يس: ٨] الآيَةَ، تَأْكِيدٌ لِهَذا الجَعْلِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَعْنى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [يس: ٨] فَإعادَةُ فِعْلِ و”جَعَلْنا“ لِأنَّهُ جَعْلٌ حاصِلٌ في الدُّنْيا فَهو مُغايِرٌ لِلْجَعْلِ الحاصِلِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”سُدًّا“ بِالضَّمِّ وهو اسْمُ الجِدارِ الَّذِي يَسُدُّ بَيْنَ داخِلٍ وخارِجٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِالفَتْحِ وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُسَدُّ بِهِ.

* * *
‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ تَفْرِيعٌ عَلى كِلا المَفْعُولَيْنِ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [يس: ٨] و﴿جَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ لِأنَّ في كِلا الفِعْلَيْنِ مانِعًا مِن أحْوالِ النَّظَرِ.
وفِي الكَلامِ اكْتِفاءٌ عَنْ ذِكْرِ ما يَتَفَرَّعُ ثانِيًا عَلى تَمْثِيلِهِمْ بِمَن جُعِلُوا بَيْنَ سَدَّيْنِ مِن عَدَمِ اسْتِطاعَةِ التَّحَوُّلِ عَمّا هم عَلَيْهِ.

صفحة ٣٥٢
والإغْشاءُ: وضْعُ الغِشاءِ. وهو ما يُغَطِّي الشَّيْءَ. والمُرادُ: أغْشَيْنا أبْصارَهم، فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، وأكَّدَهُ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ فَهم لا يُبْصِرُونَ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ، أيْ: تَحْقِيقِ عَدَمِ إبْصارِهِمْ.

The same ayah, in another commentary

Yā-Sīn 36:9