All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Aṣ-Ṣāffāt 37:169 Juzʾ 23 Page 452

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

We would have been the chosen servants of Allah."

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الصافات: ١٦٠] عَلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ

صفحة ١٩١
فِي المَعْنى بِعِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى مَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهم لَيْسُوا أوْلادَ اللَّهِ تَعالى، وعُطِفَ عَلَيْهِ أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن ذَلِكَ فالواوُ عاطِفَةٌ قَوْلًا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ ما بَعْدَ الواوِ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يَكُونَ كَلامَ قائِلٍ. والتَّقْدِيرُ: ويَقُولُونَ ﴿ما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏، وهَذا الوَجْهُ أوْفَقُ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ مِن قَوْلِهِ ”‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏“ وقَوْلِهِ ”الصّافُّونَ. . . المُسَبِّحُونَ“: الشّائِعُ وصْفُ المَلائِكَةِ بِأمْثالِها في القُرْآنِ، كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ وصْفُهم بِالصّافّاتِ، ووَصْفُهم بِالتَّسْبِيحِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ٥]، وذِكْرُ مَقاماتِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٌ مُطاعٌ ثَمَّ أمِينٌ﴾ [التكوير: ٢٠] وقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣] .
وفِي أحادِيثَ كَثِيرَةٍ مَثَلًا حَدِيثُ الإسْراءِ: «أنَّ جِبْرِيلَ وجَدَ في كُلِّ سَماءٍ مَلَكًا يَسْتَأْذِنُهُ جِبْرِيلُ أنْ يَدْخُلَ تِلْكَ السَّماءَ، ويَسْألُهُ المَلَكُ: مَن أنْتَ ؟ ومَن مَعَكَ ؟ وهَلْ أُرْسِلَ إلَيْهِ ؟ فَإذا قالَ: نَعَمْ، فَتَحَ لَهُ» .

وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ قَوْلَهُ ”‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏“ إلى ”المُسَبِّحُونَ“ نَزَلَ «ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى فَتَأخَّرَ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ: أهُنا تُفارِقُنِي فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أتَقَدَّمَ عَنْ مَكانِي»، وأنْزَلَ اللَّهُ حِكايَةً عَنْ قَوْلِ المَلائِكَةِ ”‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏“ الآيَتَيْنِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ عَطْفًا عَلى التَّفْرِيعِ الَّذِي في قَوْلِهِ ”‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الصافات: ١٦١]“ إلى آخِرِهِ، ويَتَّصِلُ الكَلامُ بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الصافات: ١٤٩] إلى هُنا.

والمَعْنى: ما أنْتُمْ بَفاتِنِينَنا فِتْنَةَ جَراءَةٍ عَلى رَبِّنا فَنَقُولُ مِثْلَ قَوْلِكُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والجِنُّ أصْهارُ اللَّهِ فَما مِنا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ لا يَتَجاوَزُهُ وهو مَقامُ المَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ والعُبُودِيَّةِ لَهُ.

والمَنفِيُّ بِ ”ما“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِقَوْلِهِ ”مِنّا“، والتَّقْدِيرُ: وما أحَدٌ مِنّا، كَما في قَوْلِ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ:

أنا ابْنُ جَلا وطَلاعِ الثَّنايا مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي

صفحة ١٩٢
التَّقْدِيرُ: ابْنُ رَجُلٍ جَلا.
والخَبَرُ هو قَوْلُهُ ”‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏“، والتَّقْدِيرُ: ما أحَدٌ مِنّا إلّا كائِنٌ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.

والمَقامُ: أصْلُهُ مَكانُ القِيامِ. ولَمّا كانَ القِيامُ يَكُونُ في الغالِبِ لِأجْلِ العَمَلِ كَثُرَ إطْلاقُ المَقامِ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ المَرْءُ، كَما حُكِيَ في قَوْلِ نُوحٍ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [يونس: ٧١] أيْ عَمَلِي.

والمَعْلُومُ: المُعَيَّنُ المَضْبُوطُ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ وصْفُ ”مَعْلُومٌ“ لِأنَّ الشَّيْءَ المُعَيَّنَ المَضْبُوطَ لا يَشْتَبِهُ عَلى المُتَبَصِّرِ فِيهِ فَمَن تَأمَّلَهُ عَلِمَهُ.

والمَعْنى: ما مِن أحَدٍ مِنّا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ إلّا لَهُ صِفَةٌ وعَمَلٌ نَحْوَ خالِقِهِ لا يَسْتَزِلُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا تَرُوجُ عَلَيْهِ فِيهِ الوَساوِسُ، فَلا أنْ تَزِلُّونا عَنْ عِبادَةِ رَبِّنا. فالمَقامُ هو صِفَةُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦١]، أيْ ما أنْتُمْ بِفاتِنِينَ لَنا فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْنا فَضْلُ المَلائِكَةِ فَنَرْفَعَهُ إلى مَقامِ البُنُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى، ولا نُشَبِّهُ اعْتِقادَكم في تَصَرُّفِ الجِنِّ أنْ تَبْلُغُوا بِهِمْ مَقامَ المُصاهَرَةِ لِلَّهِ تَعالى والمُداناةِ لِجَلالِهِ كَقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١٠٠] .

فَقَوْلُهُ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ أيْ وإنّا - مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ - الصّافُّونَ أيِ: الواقِفُونَ لِعِبادَةِ اللَّهِ صُفُوفًا بِالصَّلاةِ. ووَصَفَ وُقُوفَهم في الصَّلاةِ بِالصَّفِّ تَشَبُّهًا بِنِظامِ المَلائِكَةِ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ»، والمُرادُ بِالمُسَبِّحِينَ المُنَزِّهُونَ لِلَّهِ تَعالى عَنْ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا أوْ يَكُونَ خَلَقَ صِهْرًا لَهُ أوْ صاحِبَةً خِلافًا لِشِرْكِكم إذْ عِبادَتُكم مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ، وخِلافًا لِكُفْرِكم إذْ تَجْعَلُونَ لَهُ صَواحِبَ وبَناتٍ وأصْهارًا. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”الصّافُّونَ. . المُسَبِّحُونَ“ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الصافات: ١٦٢] عَلَيْهِ، أيِ: الصّافُّونَ لِعِبادَتِهِ المُسَبِّحُونَ لَهُ، فَإنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها مُتَعَلِّقٌ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى.

وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ مِن قَوْلِهِ ”لَنَحْنُ“ يُفِيدانِ قَصْرًا مُؤَكَّدًا فَهو قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ دُونَ ما وصَفْتُمُوهُ بِهِ مِنَ البُنُوَّةِ لِلَّهِ.

The same ayah, in another commentary

Aṣ-Ṣāffāt 37:169