All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Aṣ-Ṣāffāt 37:170 Juzʾ 23 Page 452

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

But they disbelieved in it, so they are going to know.

Read in the muṣḥaf

صفحة ١٩٣
‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الصافات: ١٦٧] ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الصافات: ١٦٨] ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الصافات: ١٦٩] ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ انْتِقالٌ مَن ذِكْرِ كُفْرِ المُشْرِكِينَ بِتَعَدُّدِ الإلَهِ وبِإنْكارِ البَعْثِ وما وصَفُوا بِهِ الرَّسُولَ ﷺ مِنَ السِّحْرِ والجُنُونِ، ثُمَّ بِما نَسَبُوا لِلَّهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِإلَهِيَّتِهِ، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والوَعِيدِ لَهم والوَعْدِ لِلْمُؤْمِنِينَ والعِبْرَةِ بِمَصارِعِ المُكَذِّبِينَ السّابِقِينَ وما لَقِيَهُ رُسُلُ اللَّهِ مِن أقْوامِهِمْ.
فانْتَقَلَ الكَلامُ إلى ذِكْرِ ما كَفَرَ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن تَكْذِيبِ القُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ هَدًى لَهم، فالمَقْصُودُ مِن هَذا هو قَوْلُهُ ”فَكَفَرُوا بِهِ“ أيِ الذِّكْرِ، وإنَّما قَدَّمَ لَهُ في نَظْمِ الكَلامِ ما فِيهِ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ تَهافُتُهم في القَوْلِ، إذْ كانُوا قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِالكِتابِ المُبِينِ يَوَدُّونَ أنْ يُشَرِّفَهُمُ اللَّهُ بِكِتابٍ لَهم كَما شَرَّفَ الأوَّلِينَ، ويَرْجُونَ لَوْ كانَ ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلَّهِ مُخْلَصِينَ لَهُ، فَلَمّا جاءَهم ما رَغِبُوا فِيهِ كَفَرُوا بِهِ وذَلِكَ أفْظَعُ الكُفْرِ لِأنَّهُ كُفْرٌ بِما كانُوا عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِ، إذْ كانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ لِأنْفُسِهِمْ ويَغْبِطُونَ الأُمَمَ الَّتِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلُهُ، فَلَمْ يَكُنْ كُفْرُهم عَنْ مُباغَتَةٍ ولا عَنْ قِلَّةِ تَمَكُّنٍ مِنَ النَّظَرِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (إنْ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وبِلامِ الِابْتِداءِ الفارِقَةِ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهم لِيَسُدَّ عَلَيْهِمْ بابَ الإنْكارِ.

وإقْحامُ فِعْلِ ”كانُوا“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَبَرَ ”كانَ“ ثابِتٌ لَهم في الماضِي.

والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في ”يَقُولُونَ“ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنهم.

و(لَوْ) شَرْطِيَّةٌ وسَدَّتْ (أنَّ) وصِلَتُها مَسَدَّ فِعْلِ الشَّرْطِ وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ.

والذِّكْرُ: الكِتابُ المَقْرُوءُ، سُمِّيَ ذِكْرًا لِأنَّهُ يُذَكِّرُ النّاسَ بِما يَجِبُ عَلَيْهِمْ، مُسَمًّى بِالمَصْدَرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] في سُورَةِ الحِجْرِ.

و”‏‏ ‏‏‏‏‏ [الصافات: ١٦٨]“ صِفَةٌ لِ ”ذِكْرًا“، والمُرادُ بِ ”الأوَّلِينَ“ الرُّسُلُ السّابِقُونَ، و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ: ذِكْرًا جائِيًا مِنَ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ، أيْ مِثْلَ مُوسى وعِيسى. ومُرادُهم

صفحة ١٩٤
بِهَذا أنَّ الرُّسُلَ الأوَّلِينَ لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ ولا بَلَّغُوا إلَيْهِمْ كِتابَهم ولَوْ كانُوا مُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ لَآمَنُوا بِهِمْ فَكانُوا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ، فَذَكَرَ في جَوابِ (لَوْ) ما هو أخَصُّ مِنَ الإيمانِ لِيُفِيدَ مَعْنى الإيمانِ بِدَلالَةِ الفَحْوى.
وفِي جُمْلَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الصافات: ١٦٩] صِيغَةُ قَصْرٍ مِن أجْلِ كَوْنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَعْرِفَةً بِالإضْمارِ والمُسْنَدِ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ، أيْ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ دُونَ غَيْرِنا، ولَمّا وصَفَ المُسْنَدَ بِ ”المُخْلَصِينَ“ وهو مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ، حَصَلَ قَصْرُ عِبادِ اللَّهِ الَّذِينَ لَهم صِفَةُ الإخْلاصِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ، وهَذا قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في ثُبُوتِ صِفَةِ الإخْلاصِ لَهم حَتّى كانُوا شَبِيهِينَ بِالمُنْفَرِدِينَ بِالإخْلاصِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِإخْلاصِ غَيْرِهِمْ في جانِبِ إخْلاصِهِمْ. وهو يَئُولُ إلى مَعْنى تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ في الإخْلاصِ لِلَّهِ حِينَئِذٍ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١٥٧] .

والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَكَفَرُوا بِهِ“ لِلتَّعْقِيبِ عَلى فِعْلِ ”لَيَقُولُونَ“، أيِ اسْتَمَرَّ قَوْلُهم حَتّى كانَ آخِرُهُ أنْ جاءَهُمُ الكِتابُ فَكَفَرُوا بِهِ، أوْ لِلْفَضِيحَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَكانَ عِنْدَهم ذِكْرٌ فَكَفَرُوا بِهِ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الذِّكْرِ وهو القُرْآنُ، قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ٤١]، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فاطر: ٤٢] .

وبِهَذا كانَ لِلْوَعِيدِ بِقَوْلِهِ ”‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏“ مَوْقِعُهُ المُصادِفُ المِجَزُّ مِنَ الكَلامِ، وهَوْلُهُ بِما ضَمِنَهُ مِنَ الإبْهامِ.

و(سَوْفَ) أُخْتُ السِّينِ في إفادَةِ مُطْلَقِ الِاسْتِقْبالِ.

The same ayah, in another commentary

Aṣ-Ṣāffāt 37:170