All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Ghāfir 40:21 Juzʾ 24 Page 469

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏

Have they not traveled through the land and observed how was the end of those who were before them? They were greater than them in strength and in impression on the land, but Allah seized them for their sins. And they had not from Allah any protector.

Read in the muṣḥaf

صفحة ١١٩
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مَن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
انْتِقالٌ مِن إنْذارِهِمْ بِعَذابِ الآخِرَةِ عَلى كُفْرِهِمْ إلى مَوْعِظَتِهِمْ وتَحْذِيرِهِمْ مِن أنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَذابُ الآخِرَةِ كَما حَلَّ بِأُمَمٍ أمْثالِهِمْ.

فالواوُ عاطِفَةُ جُمْلَةِ (﴿ألَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾) عَلى جُمْلَةِ (‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [غافر: ١٨]) إلَخْ.

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ عَلى ما هو الشّائِعُ في مِثْلِهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى نَفْيٍ في الماضِي بِحَرْفِ (لَمْ)، والتَّقْرِيرُ مُوَجَّهٌ لِلَّذِينِ سارُوا مِن قُرَيْشٍ ونَظَرُوا آثارَ الأُمَمِ الَّذِينَ أبادَهُمُ اللَّهُ جَزاءَ تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهم، فَهم شاهَدُوا ذَلِكَ في رِحْلَتَيْهِمْ رِحْلَةِ الشِّتاءِ ورِحْلَةِ الصَّيْفِ وإنَّهم حَدَّثُوا بِما شاهَدُوهُ مَن تَضُمُّهم نَوادِيهِمْ ومَجالِسُهم فَقَدْ صارَ مَعْلُومًا لِلْجَمِيعِ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ أُسْنِدَ الفِعْلُ المُقَرَّرُ بِهِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى الجُمْلَةِ.

والمُضارِعُ الواقِعُ بَعْدَ (لَمْ) والمُضارِعُ الواقِعُ في جَوابِهِ مُنْقَلِبانِ إلى المُضِيِّ بِواسِطَةِ (لَمْ) .

وتَقَدَّمَ شَبِيهُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ فاطِرٍ وفي سُورَةِ الرُّومِ.

والضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ في قَوْلِهِ (كانُوا هم) ضَمِيرُ فَصْلٍ عائِدٌ إلى الظّالِمِينَ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ أُرِيدُوا بِقَوْلِهِ (وأنْذِرْهم)، وضَمِيرُ الفَصْلِ لِمُجَرَّدِ تَوْكِيدِ الحُكْمِ وتَقْوِيَتِهِ ولَيْسَ مُرادًا بِهِ قَصْرُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، أيْ قَصْرُ الأشَدِّيَّةِ عَلى ضَمِيرِ (كانُوا) إذْ لَيْسَ لِلْقَصْرِ مَعْنًى هُنا كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] في سُورَةِ طه وهَذا ضابِطُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ ضَمِيرِ الفَصْلِ الَّذِي يُفِيدُ القَصْرَ وبَيْنَ الَّذِي يُفِيدُ

صفحة ١٢٠
مُجَرَّدَ التَّأْكِيدِ. واقْتِصارُ القَزْوِينِيُّ في تَلْخِيصِ المِفْتاحِ عَلى إفادَةِ ضَمِيرِ الفَصْلِ الِاخْتِصاصَ تَقْصِيرٌ تَبِعَ فِيهِ كَلامَ المِفْتاحِ وقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ سَعْدُ الدِّينِ في شَرْحِهِ عَلى التَّلْخِيصِ.
والمُرادُ بِالقُوَّةِ القُوَّةُ المَعْنَوِيَّةُ وهي كَثْرَةُ الأُمَّةِ ووَفْرَةُ وسائِلِ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الغَيْرِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .

وجُمْلَةُ (﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهُمْ﴾) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِتَفْصِيلِ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالتَّفْرِيعِ بَعْدَها بِقَوْلِهِ (﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنهم) بِضَمِيرِ الغائِبِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ”مِنكم“ بِضَمِيرِ خِطابِ الجَماعَةِ وكَذَلِكَ رُسِمَتْ في مُصْحَفِ الشّامِ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ جارِيَةٌ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

والآثارُ: جَمَعُ أثَرٍ، وهو الشَّيْءُ أوْ شَكْلٌ يَرْسِمُهُ فِعْلُ شَيْءٍ آخَرَ، مِثْلُ أثَرِ الماشِي في الرَّمْلِ قالَ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [طه: ٩٦] ومِثْلُ العُشْبِ إثْرَ المَطَرِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠]“، ويُسْتَعارُ الأثَرُ لِما يَقَعُ بَعْدَ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الكهف: ٦] .

والمُرادُ بِالأرْضِ: أرْضُ أُمَّتِهِمْ.

والفاءُ في (فَأخْذَهُمُ اللَّهُ) لِتَفْرِيعِ الأخْذِ عَلى كَوْنِهِمْ أشَدَّ قُوَّةً مِن قُرَيْشٍ لِأنَّ القُوَّةَ أُرِيدَ بِها هُنا الكِنايَةُ عَنِ الإباءِ مِنَ الحَقِّ والنُّفُورِ مِنَ الدَّعْوَةِ، فالتَّقْدِيرُ: فَأعْرَضُوا، أوْ كَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ.

والأخْذُ: الِاسْتِئْصالُ والإهْلاكُ، كُنِّيَ عَنِ العِقابِ بِالأخْذِ، أوِ اسْتُعْمِلَ الأخْذُ مَجازًا في العِقابِ.

والذُّنُوبُ: جَمَعُ ذَنْبٍ وهو المَعْصِيَةُ، والمُرادُ بِها الإشْراكُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ،

صفحة ١٢١
وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ ذُنُوبًا جَمَّةً، وسَيَأْتِي تَفْسِيرُها بِقَوْلِهِ (‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) .
ومَعْنى (﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾) ما كانَ لَهم مِن عِقابِهِ وقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، فالواقِي: هو المُدافِعُ النّاصِرُ.

و(مِنَ) الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِ (واقٍ)، وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ بِالمَجْرُورِ، و(مِن) الثّانِيَةُ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِحَرْفِ (ما) وذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ وهو أخْذُ اللَّهِ إيّاهم بِذُنُوبِهِمْ.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ ذَلِكَ الأخْذُ بِسَبَبِ أنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا بِهِمْ، وفي هَذا تَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ (فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ)، والجُمْلَةُ بَعْدَ (أنَّ) المَفْتُوحَةِ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ. فالتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ بِسَبَبِ تَحَقُّقِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ فَكُفْرِهِمْ بِهِمْ.

وأفادَ المُضارِعُ في قَوْلِهِ (تَأْتِيهِمْ) تَجَدُّدَ الإتْيانِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِمَجْمُوعِ تِلْكَ الأُمَمِ، أيْ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنهم رَسُولٌ، فَجَمْعُ الضَّمِيرِ في (تَأْتِيهِمْ) و(رُسُلُهم) وجَمْعُ الرُّسُلِ في قَوْلِهِ (رُسُلُهم) مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، فالمَعْنى: أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ مِنهم أتاها رَسُولٌ. ولَمْ يُؤْتَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (فَكَفَرُوا) لِأنَّ كُفْرَ أُولَئِكَ الأُمَمِ واحِدٌ وهو الإشْراكُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ.

وكُرِّرَ قَوْلُهُ (فَأخَذَهُمُ اللَّهُ) بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ (﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمُ﴾) إلَخْ إطْنابًا لِتَقْرِيرِ أخْذِ اللَّهِ إيّاهم بِكُفْرِهِمْ بِرُسُلِهِمْ، وتَهْوِيلًا عَلى المُنْذِرِينَ بِهِمْ أنْ يُساوُوهم في عاقِبَتِهِمْ كَما ساوُوهم في أسْبابِها.

وجُمْلَةُ (‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) تَعْلِيلٌ وتَبْيِينٌ لِأخْذِ اللَّهِ إيّاهم وكَيْفِيَّتِهِ وسُرْعَةِ أخْذِهِ المُسْتَفادَةِ مِن فاءِ التَّعْقِيبِ، فالقَوِيُّ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَلا يُعَطِّلُ مُرادَهُ ولا يَتَرَيَّثُ، و(شَدِيدُ العِقابِ) بَيانٌ لِذَلِكَ الأخْذِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [القمر: ٤٢] .

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

That was because their messengers were coming to them with clear proofs, but they disbelieved, so Allah seized them. Indeed, He is Powerful and severe in punishment.

صفحة ١١٩
﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مَن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
انْتِقالٌ مِن إنْذارِهِمْ بِعَذابِ الآخِرَةِ عَلى كُفْرِهِمْ إلى مَوْعِظَتِهِمْ وتَحْذِيرِهِمْ مِن أنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَذابُ الآخِرَةِ كَما حَلَّ بِأُمَمٍ أمْثالِهِمْ.

فالواوُ عاطِفَةُ جُمْلَةِ (﴿ألَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾) عَلى جُمْلَةِ (‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [غافر: ١٨]) إلَخْ.

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ عَلى ما هو الشّائِعُ في مِثْلِهِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى نَفْيٍ في الماضِي بِحَرْفِ (لَمْ)، والتَّقْرِيرُ مُوَجَّهٌ لِلَّذِينِ سارُوا مِن قُرَيْشٍ ونَظَرُوا آثارَ الأُمَمِ الَّذِينَ أبادَهُمُ اللَّهُ جَزاءَ تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهم، فَهم شاهَدُوا ذَلِكَ في رِحْلَتَيْهِمْ رِحْلَةِ الشِّتاءِ ورِحْلَةِ الصَّيْفِ وإنَّهم حَدَّثُوا بِما شاهَدُوهُ مَن تَضُمُّهم نَوادِيهِمْ ومَجالِسُهم فَقَدْ صارَ مَعْلُومًا لِلْجَمِيعِ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ أُسْنِدَ الفِعْلُ المُقَرَّرُ بِهِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى الجُمْلَةِ.

والمُضارِعُ الواقِعُ بَعْدَ (لَمْ) والمُضارِعُ الواقِعُ في جَوابِهِ مُنْقَلِبانِ إلى المُضِيِّ بِواسِطَةِ (لَمْ) .

وتَقَدَّمَ شَبِيهُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ فاطِرٍ وفي سُورَةِ الرُّومِ.

والضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ في قَوْلِهِ (كانُوا هم) ضَمِيرُ فَصْلٍ عائِدٌ إلى الظّالِمِينَ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ أُرِيدُوا بِقَوْلِهِ (وأنْذِرْهم)، وضَمِيرُ الفَصْلِ لِمُجَرَّدِ تَوْكِيدِ الحُكْمِ وتَقْوِيَتِهِ ولَيْسَ مُرادًا بِهِ قَصْرُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، أيْ قَصْرُ الأشَدِّيَّةِ عَلى ضَمِيرِ (كانُوا) إذْ لَيْسَ لِلْقَصْرِ مَعْنًى هُنا كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] في سُورَةِ طه وهَذا ضابِطُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ ضَمِيرِ الفَصْلِ الَّذِي يُفِيدُ القَصْرَ وبَيْنَ الَّذِي يُفِيدُ

صفحة ١٢٠
مُجَرَّدَ التَّأْكِيدِ. واقْتِصارُ القَزْوِينِيُّ في تَلْخِيصِ المِفْتاحِ عَلى إفادَةِ ضَمِيرِ الفَصْلِ الِاخْتِصاصَ تَقْصِيرٌ تَبِعَ فِيهِ كَلامَ المِفْتاحِ وقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ سَعْدُ الدِّينِ في شَرْحِهِ عَلى التَّلْخِيصِ.
والمُرادُ بِالقُوَّةِ القُوَّةُ المَعْنَوِيَّةُ وهي كَثْرَةُ الأُمَّةِ ووَفْرَةُ وسائِلِ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الغَيْرِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .

وجُمْلَةُ (﴿كانُوا هم أشَدَّ مِنهُمْ﴾) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِتَفْصِيلِ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ لِأنَّ العِبْرَةَ بِالتَّفْرِيعِ بَعْدَها بِقَوْلِهِ (﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِنهم) بِضَمِيرِ الغائِبِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ”مِنكم“ بِضَمِيرِ خِطابِ الجَماعَةِ وكَذَلِكَ رُسِمَتْ في مُصْحَفِ الشّامِ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ جارِيَةٌ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

والآثارُ: جَمَعُ أثَرٍ، وهو الشَّيْءُ أوْ شَكْلٌ يَرْسِمُهُ فِعْلُ شَيْءٍ آخَرَ، مِثْلُ أثَرِ الماشِي في الرَّمْلِ قالَ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [طه: ٩٦] ومِثْلُ العُشْبِ إثْرَ المَطَرِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الروم: ٥٠]“، ويُسْتَعارُ الأثَرُ لِما يَقَعُ بَعْدَ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الكهف: ٦] .

والمُرادُ بِالأرْضِ: أرْضُ أُمَّتِهِمْ.

والفاءُ في (فَأخْذَهُمُ اللَّهُ) لِتَفْرِيعِ الأخْذِ عَلى كَوْنِهِمْ أشَدَّ قُوَّةً مِن قُرَيْشٍ لِأنَّ القُوَّةَ أُرِيدَ بِها هُنا الكِنايَةُ عَنِ الإباءِ مِنَ الحَقِّ والنُّفُورِ مِنَ الدَّعْوَةِ، فالتَّقْدِيرُ: فَأعْرَضُوا، أوْ كَفَرُوا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ.

والأخْذُ: الِاسْتِئْصالُ والإهْلاكُ، كُنِّيَ عَنِ العِقابِ بِالأخْذِ، أوِ اسْتُعْمِلَ الأخْذُ مَجازًا في العِقابِ.

والذُّنُوبُ: جَمَعُ ذَنْبٍ وهو المَعْصِيَةُ، والمُرادُ بِها الإشْراكُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ،

صفحة ١٢١
وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ ذُنُوبًا جَمَّةً، وسَيَأْتِي تَفْسِيرُها بِقَوْلِهِ (‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) .
ومَعْنى (﴿وما كانَ لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾) ما كانَ لَهم مِن عِقابِهِ وقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، فالواقِي: هو المُدافِعُ النّاصِرُ.

و(مِنَ) الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِ (واقٍ)، وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ بِالمَجْرُورِ، و(مِن) الثّانِيَةُ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِحَرْفِ (ما) وذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ وهو أخْذُ اللَّهِ إيّاهم بِذُنُوبِهِمْ.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ ذَلِكَ الأخْذُ بِسَبَبِ أنَّهم كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَكَفَرُوا بِهِمْ، وفي هَذا تَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ (فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ)، والجُمْلَةُ بَعْدَ (أنَّ) المَفْتُوحَةِ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ. فالتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ بِسَبَبِ تَحَقُّقِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ فَكُفْرِهِمْ بِهِمْ.

وأفادَ المُضارِعُ في قَوْلِهِ (تَأْتِيهِمْ) تَجَدُّدَ الإتْيانِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِمَجْمُوعِ تِلْكَ الأُمَمِ، أيْ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنهم رَسُولٌ، فَجَمْعُ الضَّمِيرِ في (تَأْتِيهِمْ) و(رُسُلُهم) وجَمْعُ الرُّسُلِ في قَوْلِهِ (رُسُلُهم) مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، فالمَعْنى: أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ مِنهم أتاها رَسُولٌ. ولَمْ يُؤْتَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (فَكَفَرُوا) لِأنَّ كُفْرَ أُولَئِكَ الأُمَمِ واحِدٌ وهو الإشْراكُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ.

وكُرِّرَ قَوْلُهُ (فَأخَذَهُمُ اللَّهُ) بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ (﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمُ﴾) إلَخْ إطْنابًا لِتَقْرِيرِ أخْذِ اللَّهِ إيّاهم بِكُفْرِهِمْ بِرُسُلِهِمْ، وتَهْوِيلًا عَلى المُنْذِرِينَ بِهِمْ أنْ يُساوُوهم في عاقِبَتِهِمْ كَما ساوُوهم في أسْبابِها.

وجُمْلَةُ (‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) تَعْلِيلٌ وتَبْيِينٌ لِأخْذِ اللَّهِ إيّاهم وكَيْفِيَّتِهِ وسُرْعَةِ أخْذِهِ المُسْتَفادَةِ مِن فاءِ التَّعْقِيبِ، فالقَوِيُّ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَلا يُعَطِّلُ مُرادَهُ ولا يَتَرَيَّثُ، و(شَدِيدُ العِقابِ) بَيانٌ لِذَلِكَ الأخْذِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [القمر: ٤٢] .

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority

صفحة ١٢٢
‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ .
هَذا ذِكْرُ فَرِيقٍ آخَرَ مِنَ الأُمَمِ لَمْ يَشْهَدِ العَرَبُ آثارَهم وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ أقْباطُ مِصْرَ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ سُورَةِ هُودٍ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هامانَ وهو لَقَبُ وزِيرِ فِرْعَوْنَ في سُورَةِ القَصَصِ.

وفِي هَذِهِ القِصَّةِ أنَّها تَزِيدُ عَلى ما أُجْمِلَ مِن قِصَصِ أُمَمٍ أُخْرى أنَّ فِيها عِبْرَتَيْنِ: عِبْرَةٌ بِكَيْدِ المُكَذِّبِينَ وعِنادِهِمْ ثُمَّ هَلاكِهِمْ، وعِبْرَةٌ بِصَبْرِ المُؤْمِنِينَ وثَباتِهِمْ ثُمَّ نَصْرِهِمْ، وفي كِلْتا العِبْرَتَيْنِ وعِيدٌ ووَعْدٌ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى وبَيْنَ جُمْلَةِ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ.

وقارُونُ هو مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَذَّبَ مُوسى، وتَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في القِصَصِ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ كانَ مُنْقَطِعًا إلى فِرْعَوْنَ وخادِمًا لَهُ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ كانَ في زُمْرَةِ مَن خَرَجَ مَعَ مُوسى، أيْ فاشْتَرَكَ أُولَئِكَ في رَمْيِ رَسُولِهِمْ بِالكَذِبِ والسِّحْرِ كَما فَعَلَتْ قُرَيْشٌ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Ghāfir 40:21