All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Fuṣṣilat 41:43 Juzʾ 24 Page 481

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Nothing is said to you, [O Muhammad], except what was already said to the messengers before you. Indeed, your Lord is a possessor of forgiveness and a possessor of painful penalty.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ لِسُؤالٍ يُثِيرُهُ قَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ٤٠]، وقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ٤١] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ فَيَقُولُ سائِلٌ: فَما بالُ هَؤُلاءِ طَعَنُوا فِيهِ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ هَذِهِ سُنَّةُ الأنْبِياءِ

صفحة ٣١٠
مَعَ أُمَمِهِمْ لا يُعْدَمُونَ مُعانِدِينَ جاحِدِينَ يَكْفُرُونَ بِما جاءُوا بِهِ. وإذا بُنِيَتْ عَلى ما جَوَّزْتُهُ سابِقًا أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ (ما يُقالُ) خَبَرَ ”إنَّ“ كانَتْ خَبَرًا ولَيْسَتِ اسْتِئْنافًا.
وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وأمْرٌ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ كَما صَبَرَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ.

ولِهَذا الكَلامِ تَفْسِيرانِ:

أحَدَهُما: أنْ ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ في القُرْآنِ والنَّبِيءِ ﷺ هو دَأْبُ أمْثالِهِمُ المُعانِدِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَماصَدَقَ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ هو مَقالاتُ الَّذِينَ كَذَّبُوهم، أيْ تَشابَهَتْ قُلُوبُ المُكَذِّبِينَ فَكانَتْ مَقالاتُهم مُتَماثِلَةً قالَ تَعالى ﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣] .

التَّفْسِيرُ الثّانِي: ما قُلْنا لَكَ إلّا ما قُلْناهُ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، فَأنْتَ لَمْ تَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ فَيَكُونُ لِقَوْمِكَ بَعْضُ العُذْرِ في التَّكْذِيبِ ولَكِنَّهم كَذَّبُوا كَما كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَماصَدَقَ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ هو الدِّينُ والوَحْيُ فَيَكُونُ مِن طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأعلى: ١٨]، وكِلا المَعْنَيَيْنِ وارِدٌ في القُرْآنِ فَيُحْمَلُ الكَلامُ عَلى كِلَيْهِما.

وفِي التَّعْبِيرِ بِـما المَوْصُولَةِ وفي حَذْفِ فاعِلِ القَوْلَيْنِ في قَوْلِهِ ما يُقالُ وقَوْلِهِ ما قَدْ قِيلَ نَظْمٌ مَتِينٌ حَمَّلَ الكَلامَ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ العَظِيمَيْنِ، وفي قَوْلِهِ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. والمَعْنى: إلّا مِثْلَ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ.

واجْتِلابُ المُضارِعِ في ما يُقالُ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ هَذا القَوْلِ مِنهم وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ عَنْهُ مَعَ ظُهُورِ ما شَأْنُهُ أنْ يَصُدَّهم عَنْ ذَلِكَ.

واقْتِرانُ الفِعْلِ بِقَدْ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِثْلُ ما قالَتِ المُشْرِكُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَهو تَأْكِيدٌ لِلازِمِ الخَبَرِ وهو لُزُومُ الصَّبْرِ عَلى قَوْلِهِمْ. وهو مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ إذْ حَسِبُوا أنَّهم جابَهُوا الرَّسُولَ بِما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِ غَيْرِهِمْ، وهَذا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الذاريات: ٥٢] ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الذاريات: ٥٣] .

* * *

صفحة ٣١١
‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ .
تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ووَعْدٌ بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ. ووُقُوعُ هَذا الخَبَرِ عَقِبَ قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ يُومِئُ إلى أنَّ هَذا الوَعْدَ جَزاءٌ عَلى ما لَقِيَهُ مِنَ الأذى في ذاتِ اللَّهِ وأنَّ الوَعِيدَ لِلَّذِينَ آذَوْهُ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ.

ومَعْنى المَغْفِرَةِ لَهُ: التَّجاوُزُ عَمّا يَلْحَقُهُ مِنَ الحُزْنِ بِما يَسْمَعُ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أذًى كَثِيرٍ. وحَرْفُ إنَّ فِيهِ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ والتَّسَبُّبِ لا لِلتَّأكُّدِ.

وكَلِمَةُ ذُو مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ المَغْفِرَةَ والعِقابَ كِلَيْهِما مِن شَأْنِهِ تَعالى وهو يَضَعُهُما بِحِكْمَتِهِ في المَواضِعِ المُسْتَحِقَّةِ لِكُلٍّ مِنهُما.

ووَصْفُ العِقابِ بِألِيمٍ دُونَ وصْفٍ آخَرَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مُناسِبٌ لِما عُوقِبُوا لِأجْلِهِ فَإنَّهم آلَمُوا نَفْسَ النَّبِيءِ ﷺ بِما عَصَوْا وآذَوْا.

وفِي جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ مُحَسِّنُ الجَمْعِ ثُمَّ التَّقْسِيمِ، فَقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ يَجْمَعُ قائِلًا ومَقُولًا لَهُ فَكانَ الإيماءُ بِوَصْفِ ذُو مَغْفِرَةٍ إلى المَقُولِ لَهُ، ووَصْفِ ذُو عِقابٍ ألِيمٍ إلى القائِلِينَ، وهو جارٍ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ وقَرِينَةُ المَقامِ تَرُدُّ كُلًّا إلى مُناسِبِهِ.

The same ayah, in another commentary

Fuṣṣilat 41:43